Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

17 تغريدة 31 قراءة Nov 20, 2019
ضحايا الصندوق..
أفاعي وعقارب "الكاجوال" و"الكيوت"
"على وجهه البشوش وقار ، تزينه لحية بيضاء مسترسلة ، وابتسامة ودودة لا تفتر، يضع أمامه صندوقا كبيرا مؤصدا ، أضفى عليه الزمن رونق الأصالة ، يبسط كفه فإذا بجوهرة ثمينة يخطف بريقها الأبصار ،
يقول للناس بنبرة محبة صافية، هذه الجوهرة هي واحدة فقط من كل الجواهر التي يمتليء بها هذا الصندوق الثمين الذي لا مثيل له في العالم والصندوق كله لكم.
فرحة غامرة تجتاح الناس وهم يفتحون الصندوق ، وتمتد الأيادي بلهفة لتلتقط الجواهر ، وحين تمسك أول يد بإحدى الجواهر اذا بعقرب سام يلدغها
وإذا بفحيح الأفاعي يتناهى الى الاسماع فيثير الفزع ثم ينظر الناس الى الكنز فإذا به مستلقيا في أحضان عشرات الأفاعي والعقارب، فتتعلق أعين الناس بوجه الرجل البشوش مستفسرين فيبتسم قائلا: أخبرتكم الصدق فالصندوق ممتليء بالجواهر ،فيقول بعض الناس: وهل نصف الحقيقة صدق أم هي الكذب بعينه؟!
هذا ليس حلما مزعجا ، بل كابوسا مرعبا نعيشه كل يوم ، ولهذا الكابوس تفسير، فالرجل البشوش هو ما يُطلق عليه عادة داعيةٌ "معتدل" ، أما الصندوق الذي يمتدحه فهو كتب التراث التي تحوي جواهر من القيم الأخلاقية والانسانية جنبا الى جنب مع عقارب التطرف وأفاعي الارهاب .
والأزمة ببساطة هي أن الداعية "المعتدل" ، يقدم لك من كتب التراث ما ترتاح إليه نفسك ، وما لا يختلف عليه اثنان ، فهو يتحدث دوما عن قيم الخير والتسامح و الرحمة والمحبة ، لكنه في الوقت ذاته يخفي تماما ما يعرفه من أفكار مدمرة داخل نفس الكتب ، هو ينتقي ما يشاء ويترك مايشاء ،
فأحيانا ينتقي سطرا واحدا من صفحة لو قرأتها أنت كاملة لتوصلت إلى معنى مختلف تمام الاختلاف
لب المشكلة الحقيقية هنا أن من يطلق عليه داعية "معتدل" يضفي على مصادر التراث قيمة تصل بها أحيانا الى مرتبة القداسة ، فهو يؤكد طوال الوقت بأسلوبه الانتقائي صحة مصادر التراث ودقتها وروعتها ،
ويشيد بعظمة رموز هذا التراث الذين يستقي منهم أحاديثه الوعظية ، والنتيجة ..أنك ستنظر الى كتب التراث نظرة تبجيل لكن هذه النظرة قد تنتهي بك عاجلا أو آجلا إلى صدمة مروعة حين تبحث بنفسك في هذه الكتب لتستزيد فتكتشف ما يشيب له الولدان
أو قد يقوم بنفس الدور داعية آخر "متطرف" سيرشدك الى موضع العقارب والأفاعي باعتبارها جزء أصيل ومقدس من تراثك ، لكنك في كل الأحوال ستقف في مفترق طرق ، إما أن تتبع "المتطرف" وتبايع "داعش" لاحقا ، وإما أن تحكم عقلك وتعيد تقييم كل ما رسخه "المعتدل" في وجدانك
هذه هي ثنائية "المعتدل" و"المتطرف" ، الأول يهيء السبيل للثاني فكلاهما يعتمد على نفس المصادر ويبجلها بل ويقدسها ، الفرق بينهما فقط في الانتقاء .
ورغم تراجع حضور "المتطرف" في وسائل الاعلام الرسمية ،إلا أن "المعتدل" بوجهه البشوش لا يزال يصول ويجول ،
بل ويفتح أبوابا جديدة عبر "السوشيال ميديا" ، فبعد الداعية "السبور" والداعية "الكاجوال" و داعية "صالات الجيم والعضلات" ظهر الداعية "الكيوت" وآخرون، غير أن جميع هؤلاء بلا استثناء يحملون بين أياديهم نفس الصندوق العتيق بأفاعيه وعقاربه وجواهره وإن اختلفت أساليبهم في الترويج له
، أما الزبائن فهم دائما الشباب في المقام الأول ، لأنهم وقود معركة أي جماعة متطرفة تسعى لتسلط العقارب والأفاعي على المجتمع .
وقد غلب الظن على البعض _وإن بعض الظن إثم_ على أن كتيبة الدعاة "المعتدلين" هم وسيلة (تجديد الخطاب الديني) ،
غير أن ارتداء "الجينز" أو ارتياد "الجيم" لا يغير شيئا من محتويات الصندوق الذي يروج له هؤلاء ، بل أن خطورة ما يُطلق عليهم "معتدلون" تكمن في اكتساب ثقة الناس بالمظاهر الخادعة ، ودروس الماضي القريب تطل برأسها منبهة ومحذرة ،
فقد تحول أحد أشهر الدعاة "الكاجوالمن مظهر المسالمة و المسكنة الى زعيم سياسي في حقبة سوداء ، قبل أن يعود للمسكنة بعد ذلك وينتهي به المطاف الى داعية "دجاج" !!
أما داعية "صالات الجيم" فلا يتورع حتى الآن عن الاستفادة من صندوقه العتيق ، فيطلق دعاوى التكفير بلا حسيب أو رقيب ،
والتكفير هو الأداة الحاسمة في الصندوق فهي التي يلجأ اليها "المعتدلون" ،بعد أن تنهار حججهم أمام الخصوم ،حدث ذلك مرارا وتكرارا ، فهناك شخصيات دينية بارزة لايزال يُطلق عليهم حتى الآن "معتدلون"و"وسطيون"،رغم إن بعضهم أقر تكفير الراحل "فرج فودة" بل ودافعوا عن قاتليه في بيان شهير وقتها
مهما كانت الحقائق مزعجة لابد من مواجهتها ، هذا إذا كنا جادين حقا في حماية المجتمع من أفاعي وعقارب التطرف والارهاب ، كم غضضنا الطرف خلال عقودٍ عن محتويات صندوق التراث الذي يحميه "المعتدلون" قبل "المتطرفين" ؟ وكم دفعنا ثمنا لتجاهل حقائقه ؟ وكم بلغ عدد ضحايا الصندوق ؟
تجاهل الحقائق لايعني غيابها و(التجديد) يلزمه "المجدد" لا ما يُسمى"المعتدل"فلا اعتدال بين الخير والشر ،ولاوسطية بين الحق والباطل ولا خيار أمام هذا المجتمع إلا التحلي بالشجاعة وفتح الصندوق ، والتخلص من عقاربه وأفاعيه كي تكون لجواهره قيمة وكي يكون لمستقبل هذه الأمة أفق حقيقي للتقدم

جاري تحميل الاقتراحات...