محمد علي المحمود
محمد علي المحمود

@ma573573

18 تغريدة 26 قراءة Nov 20, 2019
1ـ ـ في اليوم الذي نُشر فيه مقال "داعشية المتنبي" وجدتني مضطرا للتعقيب في أكثر من "تغريدة" لإزالة سوء الفهم، وتحديدا، سوء الفهم المرتبط بـ"نوعية العنف" الذي أقصده؛ مع أن ما كتبته في صلب المقال يكفي للمتأمل؛ ليعلم أني أعني "نوعا من العنف" الذاتي/ غير الوصفي العام، و أيضا، لإيضاح=
2ـ أني لا ألغي المتنبي كشاعر عظيم، بل ولا حتى أنتقص من تجربته الشعرية الباذخة عظمة في فضاء الإبداع.
طبيعي جدا أن يكون هناك من يتفق ويختلف مع المقال، و "النقد العلمي" محل تقدير واحترام. ولا يعني هذا الالتفات للأصوات التي لها مواقف مُسْبقة من صاحب المقال/ من شخصي؛ لأسباب لا علاقة=
3ـ لها بنقدي للمتنبي، بل ولا علاقة لها بالهَمّ الأدبي الذي تدعيه أو تمتطيه، وإنما موقفها الغاضب سببه الوحيد اصطفافي تياراتي، أي هم غاضبون من مجمل مسيرتي الفكرية الناقدة ـ بلا هوادة ـ لما يرونه مقدسهم التراثي/ الإيديولوجي في راهنه وماضيه، والذي أتصدى له منذ 18 عاما ولا أزال=
4ـ علّق أحد أكبر النقاد في عالمنا العربي (د. صالح زياد) تأكيدا لما جاء في المقال، و كان هذا يكفي وزيادة، ولا حاجة بعد ذلك لتكرار ما قلته في "التغريدات" التي رافقت نشر المقال. ولهذا لم أعلّق، إذ ليس في اتهامات المؤدلجين الغاضبين إلا عموميات سطحية تستطيع أن تصف بها أي مقال/أي كتاب=
5ـ اليوم، اطلعت على نقد د. خالد الرفاعي المنشور في عكاظ، وهو مما يستحق التوقف عنده. نقد د. خالد محل تقديري ـ وإن اختلفت معه ـ؛ لأنه يصدر عن موقف نقدي/ علمي غير متحيّز، أي موقف مرتبط برؤيته النقدية للمقال، وليس بدافع الخلافات الإيديولجية التي تجعل بعضهم يضع المتنبي قنطرة لـ...؟=
6ـ لن أقف عند جميع النقاط التي ذكرها أخي د. خالد، و لكن سأكتفي بإيضاح رأيي فيما أراه مشكلا أو مستشكلا، وهي مسألة "الانتقاء". فقد أشار إلى أن مقالي عن "العنف في الثقافة العربية" السابق لمقالي عن "داعشية المتنبي" قام على الانتقاء، ثم جرى تعميم هذا الانتقاء. و أيضا في حالة المتنبي=
7ـ ، كان "الانتقاء" من شعره، ثم تعميم القليل على الكثير، وبالتالي، تأطير ثراء التجربة الشعرية لشاعرنا العظيم.
ـ لا أظن أنني عندما أتحدث عن العنف في الثقافة العربية أقصد وصفها كلها (من أولها إلى آخرها) بأنها ثقافة عنف، وأنها لا تعبّر إلا عن عنف. نعم، العنف داء في الثقافة العربية=
8ـ وكما أن الإشارة إلى علل/أمراض الجسد، لا تعني أن الجسد كله بات عليلا، فكذلك داء العنف في الثقافة. عندما توجد علة طافحة بالألم أو ذات آثار متعدية، فقد تكون معيقة أو مربكة للجسد كله؛مع سلامة بقية أعضائه. ولا بد،والحال كذلك، من التنبيه عليها، وعلاجها، وإلا زاد الألم واستفحل الداء=
9ـ ولعل مسألة "الانتقاء" تتضح في مقالي عن المتنبي أكثر؛ من حيث هو مدار الحديث. إن "الدعشنة" عند المتنبي ذات منحى خاص، إذ ليس وصف المعارك والقتل والقتال، ولا الاعتداد الفخري بالذات/ النرجسية/ تضخم الأنا، هو رأس حربتها (وإن دلّ عليها كقرائن بالإجمال)، بل رأس حربتها هو هذا العشق =
10ـ الكبير "الاستثنائي" للعنف، أقصد: الاستثنائي نوعا. لقد ذكرت أنني لم أستشهد بكل أبياته العُنْفية مثل: "المجد للسيف ليس المجد للقلم" أو "أعلى الممالك ما يُبنى على الأسل"، أو "ومن جثث القتلى عليها تمائم" "إذا دعا العلج علجا حال بينهما..."، أو "للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا"=
11ـ كما لم أستشهد في مجال الفخر بمثل: "سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم" أو "الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح..." أو "أي محل أرتقي أي عظيم أتقي، وكل ..." أو "ولو برز الزمانُ إلي شخصا لخضّب شعر مفرقه حسامي"، أو "أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي..."=
12ـ بل ـ وهنا ما يهم ـ استشهدت فقط بما أجده يتلذذ فيه بالعنف على سبيل العشق (الأبيات في المقال)، وهذه الأبيات العنفية التي تقدس العنف، بل وتتلذذ به، تشكل ظاهرة في شعره، والاعتذار عنها بسياقها الظرفي/ التاريخي لا يستقيم؛ لأنه ـ من بين شعراء عصره ـ ظهر عنده "تعشّق العنف" على هذا =
13ـ النحو كمّا وكيفا. نعم عند أبي تمام والبحتري والشريف الرضي وابن هانئ الأندلسي...إلخ تفنن في وصف الحروب وتبجيل لها (كما عند المتنبي في سائر شعره، وسفياته على نحو خاص)، ولكن ليس على ذات المنحى الذي ذكرته عند المتنبي الذي أقام العنف/ القتل مقام معشوقته التي يسهر الليالي شوقا لها=
14ـ أما أن ما ذكرته عن المتنبي في مقال "داعشية المتنبي"، "يؤطر تجربته الشعرية" كما يقول أخي د. خالد، فلا أظن هذا يفهم من المقال بأي حال. أنا لم أزعم ذلك،لم أقل ليس شعر المتنبي إلا دعشنة(وإن كان معبرا عنها)؛ لا في هذا المقال ولا في غيره،ولم أزعم أن فكرة المقال تختصر تجربة المتنبي=
15ـ تجربة المتنبي أعظم وأشد تنوعا من اختصارها في موضوع واحد أو ملمح واحد أو بُعد واحد. لكن "الداعشية" موجودة بوضوح، والتهمة ثابتة على حبيبنا أبي الطيب، وهو الأكثر حظا منها من بين شعراء العربية الكبار. وقد ذكرت مثل هذا في نقدي لابن تيمية. فلو أن للفقيه عشرة آلاف فتوى لا بأس بها=
16ـ ولا دعوة للعنف فيها، ولكن يوجد له أيضا عشرون أو ثلاثون فتوى فيها تأييد صريح للإرهاب أو لسوكيات داعش، فلا شك أن هذا الفقيه سيوصف بأنه داعشي. مفكرون كبار ـ كهيدجر مثلا ـ اتهموا بـ"النازية" لمجرد تأييد عابر للنازية ، أو حتى مجرد شُبهة تأييد؛ مع تراثهم الفكري الضخم، ومع أن هذه =
17ـ التهمة وإن ثبتت لا تنفي الإبداع في هذا التراث الضخم.
نعم، تصح تهمة "الانتقاء" لو أن في شعر المتنبي ما يفوقها كمّاً وكيفاً في الدعوة إلى السلام ونبذ العنف وحرمة الدماء. فكيف، ولا يوجد مثل هذا، ولا ما هو قريب منه، بل إن بقية شعره ـ مما هو في مواضيع/ معاني أخرى ـ إن لم تُرحّب=
18ـ بالعنف أو تتساوق معه؛ فهي تقف منه على الحياد، أي لا تشكل نقيضا للمنحى العنفي، بل تتجاور معه ـ كتعدّدٍ وتنوّعٍ ـ في أحسن الأحوال.

جاري تحميل الاقتراحات...