بسم الله.
هذه لمحات من سيرة الوالد الشيخ فهد بن سليمان القاضي، رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا به في دار كرامته.
هذه لمحات من سيرة الوالد الشيخ فهد بن سليمان القاضي، رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا به في دار كرامته.
(1)
وُلِد -رحمه الله- عام 1377، وتدرّج في التعليم النظامي، وتخرج بكلية الشريعة، ثم عمِل في التعليم العام معلما في المرحلة الثانوية عشرين عاما، وتقاعد تقاعدا مبكرا عام 1419، وتفرّغ بعد التقاعد لأعمال الدعوة إلى الله، وتوفي ليلة الأربعاء 16/ربيع الأول، عن ثلاث وستين سنة وأشهر.
وُلِد -رحمه الله- عام 1377، وتدرّج في التعليم النظامي، وتخرج بكلية الشريعة، ثم عمِل في التعليم العام معلما في المرحلة الثانوية عشرين عاما، وتقاعد تقاعدا مبكرا عام 1419، وتفرّغ بعد التقاعد لأعمال الدعوة إلى الله، وتوفي ليلة الأربعاء 16/ربيع الأول، عن ثلاث وستين سنة وأشهر.
(2)
كان -رحمه الله- موصوفا بالاستقامة من صِغره، حدثني أحد أقرانه قائلا: كان مقعدي بجانب مقعده في الثالثة المتوسطة، فسألته يوما في الاختبار: ما الجواب الصحيح يا فهد؟ فرد عليّ: من غشنا فليس منا!
كان -رحمه الله- موصوفا بالاستقامة من صِغره، حدثني أحد أقرانه قائلا: كان مقعدي بجانب مقعده في الثالثة المتوسطة، فسألته يوما في الاختبار: ما الجواب الصحيح يا فهد؟ فرد عليّ: من غشنا فليس منا!
(3)
وحدثني صديق له: حججنا معاً ونحن في أول الجامعة، فجلسنا مرة نتسمّع أحاديث رجال الأمن عبر الراديو وهم يتنادون ويتخاطبون باللاسلكي، فمرّ بنا الشيخ فهد فقال: "ولا تجسسوا" أو كلمة نحوها.
ويقول: كنت أذكره في الجامعة في الفسحة يفرش سجادته ويظل يصلي أو يقرأ.
وحدثني صديق له: حججنا معاً ونحن في أول الجامعة، فجلسنا مرة نتسمّع أحاديث رجال الأمن عبر الراديو وهم يتنادون ويتخاطبون باللاسلكي، فمرّ بنا الشيخ فهد فقال: "ولا تجسسوا" أو كلمة نحوها.
ويقول: كنت أذكره في الجامعة في الفسحة يفرش سجادته ويظل يصلي أو يقرأ.
(4)
لما كان في أواخر المرحلة الثانوية كان -كغيره من أقرانه- يتطلّع إلى دراسة تؤهله لوظيفة جيّدة الدخل، فكان عازما على الالتحاق بكلية الطب، ثم وفّقه الله وصرف همّته إلى طلب العلم الشرعي، فاتّجه إلى كلية الشريعة، فعارضه كثيرون ولاموه على تضييع فرصة دراسة الطب، لكنه ثبت على عزيمته،
لما كان في أواخر المرحلة الثانوية كان -كغيره من أقرانه- يتطلّع إلى دراسة تؤهله لوظيفة جيّدة الدخل، فكان عازما على الالتحاق بكلية الطب، ثم وفّقه الله وصرف همّته إلى طلب العلم الشرعي، فاتّجه إلى كلية الشريعة، فعارضه كثيرون ولاموه على تضييع فرصة دراسة الطب، لكنه ثبت على عزيمته،
(5)
وكان لأخته الموفّقة اللبيبة (عمتي مزنة) حفظها الله موقف لا ينساه، فقد آزرته وأيّدته على هذا التوجّه، فكان كثير الثناء عليها والدعاء لها.
وكان لأخته الموفّقة اللبيبة (عمتي مزنة) حفظها الله موقف لا ينساه، فقد آزرته وأيّدته على هذا التوجّه، فكان كثير الثناء عليها والدعاء لها.
(6)
كان -رحمه الله- شديد الإخفاء لأعماله الصالحة، لا يتحدث عن جهوده ومساعيه الخيرية، وكنت -وأنا ابنه- لا أعلم بكثير من أعماله إلا بخبر من صاحبه في تلك الأعمال، أما هو فلم يكن يتحدث بشيء من ذلك، وإذا أراد أن يتحدث بعمل قام به للتشجيع على عمل الخير والإفادة من التجربة كنى ولم يبيّن
كان -رحمه الله- شديد الإخفاء لأعماله الصالحة، لا يتحدث عن جهوده ومساعيه الخيرية، وكنت -وأنا ابنه- لا أعلم بكثير من أعماله إلا بخبر من صاحبه في تلك الأعمال، أما هو فلم يكن يتحدث بشيء من ذلك، وإذا أراد أن يتحدث بعمل قام به للتشجيع على عمل الخير والإفادة من التجربة كنى ولم يبيّن
(7)
كنى ولم يبيّن أنه هو من قام بذلك العمل، فيقول: إن بعض الناس (وهو يعني نفسه) فعل كذا وكذا وحصل بحمد الله من الخير كذا وكذا.
كنى ولم يبيّن أنه هو من قام بذلك العمل، فيقول: إن بعض الناس (وهو يعني نفسه) فعل كذا وكذا وحصل بحمد الله من الخير كذا وكذا.
(8)
كان -رحمه الله- كثير الصلاة، وكثيرا ما كان في أوقات الانتظار في المطار أو الدوائر الحكومية يقضي وقت الانتظار بالصلاة، وكذلك في السفر بالطائرة والسيارة يصلي كثيرا، وكانت صلاته طويلة، وكذلك إذا جاء يوم الجمعة إلى الجامع -وهو يبكّر إليها جدا- يقضي الوقت بالصلاة إلى دخول الخطيب.
كان -رحمه الله- كثير الصلاة، وكثيرا ما كان في أوقات الانتظار في المطار أو الدوائر الحكومية يقضي وقت الانتظار بالصلاة، وكذلك في السفر بالطائرة والسيارة يصلي كثيرا، وكانت صلاته طويلة، وكذلك إذا جاء يوم الجمعة إلى الجامع -وهو يبكّر إليها جدا- يقضي الوقت بالصلاة إلى دخول الخطيب.
(8)
كان مرة معتكفا، فدخلت عليه في غرفته وهو يصلي، فأردت أن أصلي معه، فصففت معه، فقرأ قراءة طويلة، حتى قرب وقت السحور، فقال: "آتنا غداءنا" فانفصلت عنه وأتممت صلاتي خفيفة وخرجت لإحضار السحور.
كان مرة معتكفا، فدخلت عليه في غرفته وهو يصلي، فأردت أن أصلي معه، فصففت معه، فقرأ قراءة طويلة، حتى قرب وقت السحور، فقال: "آتنا غداءنا" فانفصلت عنه وأتممت صلاتي خفيفة وخرجت لإحضار السحور.
(9)
كان لا يترك الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر بحال، وكم مرةٍ قدمنا من سفر في آخر الليل فكنا ننتظر صلاة الفجر لننام بعدها، وأما هو فيصلي الفجر، ثم لا يترك عادته في الجلوس إلى طلوع الشمس.
كان لا يترك الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر بحال، وكم مرةٍ قدمنا من سفر في آخر الليل فكنا ننتظر صلاة الفجر لننام بعدها، وأما هو فيصلي الفجر، ثم لا يترك عادته في الجلوس إلى طلوع الشمس.
(10)
كان كثير الصيام، فلم يكن يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض وأكثر شهر محرم وشعبان، وفي السنوات العشر الأخيرة من عمره أصبح يُكثر الصوم في فصل الشتاء، وكان في آخر عمره أكثر نشاطا واجتهادا في العبادة.
كان كثير الصيام، فلم يكن يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض وأكثر شهر محرم وشعبان، وفي السنوات العشر الأخيرة من عمره أصبح يُكثر الصوم في فصل الشتاء، وكان في آخر عمره أكثر نشاطا واجتهادا في العبادة.
(11)
كان ظاهرا من حاله الافتقار إلى الله تعالى والتعلّق به والتوكّل عليه، فإذا همّ بعمل من أعمال الدعوة والإصلاح قدّم بين يدي ذلك الصلاة والاستخارة والدعاء بأن يتقبل الله العمل ويبارك فيه،
كان ظاهرا من حاله الافتقار إلى الله تعالى والتعلّق به والتوكّل عليه، فإذا همّ بعمل من أعمال الدعوة والإصلاح قدّم بين يدي ذلك الصلاة والاستخارة والدعاء بأن يتقبل الله العمل ويبارك فيه،
(12)
وإذا تردد في شيء من أمور دينه أو دنياه لهج فورا بطلب الهداية من الله، فيقول: اللهم اهدنا وسددنا! اللهم اهدنا وسددنا! وإن كان في الوقت مهلة استخار، فكان كثير الاستخارة ويوصينا بها كثيرا.
وإذا تردد في شيء من أمور دينه أو دنياه لهج فورا بطلب الهداية من الله، فيقول: اللهم اهدنا وسددنا! اللهم اهدنا وسددنا! وإن كان في الوقت مهلة استخار، فكان كثير الاستخارة ويوصينا بها كثيرا.
(13)
من نصائحه لأهله وأولاده:
يوصي كثيرا بالأدعية بطرق متنوعة، فأحيانا يُلقي علينا دعاء في الجلسة العائلية ويردده علينا ويطلب من كل منا إعادته حتى نحفظه. وكثيرا ما يوصي بقول (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وكتيب (الدعاء من الكتاب والسنة) للشيخ سعيد بن وهف يأتي به كثيرا
من نصائحه لأهله وأولاده:
يوصي كثيرا بالأدعية بطرق متنوعة، فأحيانا يُلقي علينا دعاء في الجلسة العائلية ويردده علينا ويطلب من كل منا إعادته حتى نحفظه. وكثيرا ما يوصي بقول (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وكتيب (الدعاء من الكتاب والسنة) للشيخ سعيد بن وهف يأتي به كثيرا
(14)
كان يوصي بناته كثيرا بالقرار في البيت. وكثيرا ما كان يستشهد بحديث أم حُميد -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك،
كان يوصي بناته كثيرا بالقرار في البيت. وكثيرا ما كان يستشهد بحديث أم حُميد -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك،
(15)
وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي"!
أحسبه والله حسيبه لا يحقر من العمل الصالح شيئا، من الطريف أننا ربما كنا جلوسا على العشاء، فيقول أحد الأطفال: (من يجيب لي ماء الله يجزيه الجنة؟!) فينهض هو فيأتيه بالماء اغتناما لدعوته
وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي"!
أحسبه والله حسيبه لا يحقر من العمل الصالح شيئا، من الطريف أننا ربما كنا جلوسا على العشاء، فيقول أحد الأطفال: (من يجيب لي ماء الله يجزيه الجنة؟!) فينهض هو فيأتيه بالماء اغتناما لدعوته
(16)
وكان لا يكاد يردّ حاجات من يطلب الإعانة من المساكين ولو في الشيء اليسير، فمع اهتماماته الكبيرة لا يترفع عن الحاجات الصغيرة للفقراء والأرامل، ومن المتكرر أن تكلّمه إحداهن -بواسطة الوالدة أو إحدى أخواتي- عن مكيف بيتها أو غسالته أو ثلاجته إذا تعطّلت، فيسعى في إصلاحه إن كان يمكن
وكان لا يكاد يردّ حاجات من يطلب الإعانة من المساكين ولو في الشيء اليسير، فمع اهتماماته الكبيرة لا يترفع عن الحاجات الصغيرة للفقراء والأرامل، ومن المتكرر أن تكلّمه إحداهن -بواسطة الوالدة أو إحدى أخواتي- عن مكيف بيتها أو غسالته أو ثلاجته إذا تعطّلت، فيسعى في إصلاحه إن كان يمكن
(17)
إن كان يمكن إصلاحه، أو يرفع حاجتها إلى بعض المحسنين ليأتوها بجهاز جديد، فجزاهم الله خير الجزاء، فنعم الأعوان على الخير كانوا.
إن كان يمكن إصلاحه، أو يرفع حاجتها إلى بعض المحسنين ليأتوها بجهاز جديد، فجزاهم الله خير الجزاء، فنعم الأعوان على الخير كانوا.
(18)
عُرِف -رحمه الله- بالإحسان إلى الناس، بالمال والجاه والرأي وغير ذلك، فقصده أصحاب الحاجات وعرفوه.
كم مرةٍ رأيت جماعة من العمّال في الحي يأتونه يشكون إليه أن أحدا من أصحابهم محبوس في الشرطة أو الجوازات، ويطلبونه منه متابعة قضيته، فيسعى فيها بنفسه إن قدر، أو يرسل أحدا من طرفه.
عُرِف -رحمه الله- بالإحسان إلى الناس، بالمال والجاه والرأي وغير ذلك، فقصده أصحاب الحاجات وعرفوه.
كم مرةٍ رأيت جماعة من العمّال في الحي يأتونه يشكون إليه أن أحدا من أصحابهم محبوس في الشرطة أو الجوازات، ويطلبونه منه متابعة قضيته، فيسعى فيها بنفسه إن قدر، أو يرسل أحدا من طرفه.
(19)
لا أنسى منذ صغري أنه كان إذا اشترى (المقاضي) للبيت من السوق يعزل مما يشتري الثلث تقريبا يجعله صدقة، ثم يذهب صبيحة الجمعة إلى بيوت جماعة من الفقراء في وسط الرياض فيفرّق ذلك عليهم.
لا أنسى منذ صغري أنه كان إذا اشترى (المقاضي) للبيت من السوق يعزل مما يشتري الثلث تقريبا يجعله صدقة، ثم يذهب صبيحة الجمعة إلى بيوت جماعة من الفقراء في وسط الرياض فيفرّق ذلك عليهم.
(20)
أذكر وأنا صغير أنه كان يشتري من محلات المواد الغذائية بسوق الربوة عُلب الحليب المجفف بالجملة، ثم يذهب بها إلى بقالة قريبة من جامع الفريان في وسط الرياض، وقد اتفق مع صاحب البقالة على أن يبيعها بسعر مخفض للفقراء، ويدفع الوالد الفرق، رحمه الله.
أذكر وأنا صغير أنه كان يشتري من محلات المواد الغذائية بسوق الربوة عُلب الحليب المجفف بالجملة، ثم يذهب بها إلى بقالة قريبة من جامع الفريان في وسط الرياض، وقد اتفق مع صاحب البقالة على أن يبيعها بسعر مخفض للفقراء، ويدفع الوالد الفرق، رحمه الله.
(21)
ذهب بي معه مرة في يوم عيد وأنا ابن عشر سنين تقريبا، فكان من العصر إلى ما بعد العشاء يتنقل بين بيوت الفقراء والأيتام والأرامل، يعطيهم الأطعمة والحلوى.
ذهب بي معه مرة في يوم عيد وأنا ابن عشر سنين تقريبا، فكان من العصر إلى ما بعد العشاء يتنقل بين بيوت الفقراء والأيتام والأرامل، يعطيهم الأطعمة والحلوى.
(22)
وكان من عادته -رحمه الله- إذا اجتمعنا عنده، وأحضرت أخواتي الحلوى و(الفطائر) وبقي شيء منه قال: ما رأيكم في أن نتصدق بما بقي؟ فيوصله أو يأمر من يوصله إلى بيوت بعض الفقراء أو الأيتام.
وكان من عادته -رحمه الله- إذا اجتمعنا عنده، وأحضرت أخواتي الحلوى و(الفطائر) وبقي شيء منه قال: ما رأيكم في أن نتصدق بما بقي؟ فيوصله أو يأمر من يوصله إلى بيوت بعض الفقراء أو الأيتام.
(23)
اتصل بي عدد من الفقراء لا أعرفهم يقولون: لا تدرون كم من الفقراء يدعون للوالد!
اتصل بي عدد من الفقراء لا أعرفهم يقولون: لا تدرون كم من الفقراء يدعون للوالد!
(24)
أما في أيامه الأخيرة فكم من الذين أُفرج عنهم بسببه من المديونين المعسرين، فكان يجتهد في التحقق من استحقاقهم للمساعدة، ثم يسعى لهم عند المحسنين للسداد عنهم، أو التخفيف من ديونهم، أو توكيل من يُرافع في المحكمة عنهم، أو سدّ حاجات عوائلهم، أو متابعة شؤون أولادهم في مدارس وغيرها
أما في أيامه الأخيرة فكم من الذين أُفرج عنهم بسببه من المديونين المعسرين، فكان يجتهد في التحقق من استحقاقهم للمساعدة، ثم يسعى لهم عند المحسنين للسداد عنهم، أو التخفيف من ديونهم، أو توكيل من يُرافع في المحكمة عنهم، أو سدّ حاجات عوائلهم، أو متابعة شؤون أولادهم في مدارس وغيرها
(25)
كان -رحمه الله- زاهدا في الدنيا، يأخذ منها حاجته، ويتصدق بالفضل، وكان عزيز النفس.
لما بنى بيته بناه بناء خاليا من الزخارف والزينة، فأنوار البيت (نجفات) ليس فيها (ثُريا)، والمجلس جلسة أرضية ليس فيه (كنب)، والبيت مفروش بالفرش العادي (موكيت) ليس عليه (زلّ)، وليس في البيت ستائر،
كان -رحمه الله- زاهدا في الدنيا، يأخذ منها حاجته، ويتصدق بالفضل، وكان عزيز النفس.
لما بنى بيته بناه بناء خاليا من الزخارف والزينة، فأنوار البيت (نجفات) ليس فيها (ثُريا)، والمجلس جلسة أرضية ليس فيه (كنب)، والبيت مفروش بالفرش العادي (موكيت) ليس عليه (زلّ)، وليس في البيت ستائر،
(26)
ثم لما كبر أولاده وصار لهم شيء من الاستقلال المالي زادوا في البيت زيادات في تحسينه وأثاثه، فلم يمنعهم من ذلك، فكان لا يشدّد على أولاده في الزهد الذي يحمل نفسه عليه.
ثم لما كبر أولاده وصار لهم شيء من الاستقلال المالي زادوا في البيت زيادات في تحسينه وأثاثه، فلم يمنعهم من ذلك، فكان لا يشدّد على أولاده في الزهد الذي يحمل نفسه عليه.
(27)
رأت أمي -حفظها الله- بعد زواجها به أنه آخذ بيدها في طريق، والناس جالسون عن يمنته ويسرته، وهو يجري بها جريا شديدا، حتى علا بها فوق مرتَفع من الأرض.
كان كثير الصدقة، فكان يُنفق على نفسه وعياله مقتصدا في نفقته، ويتصدق بما فضل من راتبه التقاعدي قبل أن ينزل الراتب الذي يليه.
رأت أمي -حفظها الله- بعد زواجها به أنه آخذ بيدها في طريق، والناس جالسون عن يمنته ويسرته، وهو يجري بها جريا شديدا، حتى علا بها فوق مرتَفع من الأرض.
كان كثير الصدقة، فكان يُنفق على نفسه وعياله مقتصدا في نفقته، ويتصدق بما فضل من راتبه التقاعدي قبل أن ينزل الراتب الذي يليه.
(28)
عرضت عليه مرّة المشاركة في مساهمة عقارية -فيما أظن- فابتسم لي، ولم يردّ بشيء.
قال لي تاجر هندي صحبه ستة أشهر في آخر حياته رحمه الله، قال لي بلغته المكسّرة: إذا أردت أن تعرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عمليا فانظر إلى هذا الرجل.
عرضت عليه مرّة المشاركة في مساهمة عقارية -فيما أظن- فابتسم لي، ولم يردّ بشيء.
قال لي تاجر هندي صحبه ستة أشهر في آخر حياته رحمه الله، قال لي بلغته المكسّرة: إذا أردت أن تعرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عمليا فانظر إلى هذا الرجل.
(29)
من أبرز صفاته في نفسي: التوازن بين الحقوق، وعدم تغليب طرف منها على آخر، فكان -رحمه الله- مع اهتمامه الكبير بالإصلاح وشؤون المسلمين إذا دخل علينا في البيت فكأنه رجل فارغ من الهموم، فيدخل ويجلس معنا ويتحدث حديث الأب.
من أبرز صفاته في نفسي: التوازن بين الحقوق، وعدم تغليب طرف منها على آخر، فكان -رحمه الله- مع اهتمامه الكبير بالإصلاح وشؤون المسلمين إذا دخل علينا في البيت فكأنه رجل فارغ من الهموم، فيدخل ويجلس معنا ويتحدث حديث الأب.
(30)
وكان مع اهتمامه بالإصلاح العام معتنيا بأسرته الخاصة، فأذكر من صِغري أن له عادة في الجلوس للشاي بعد صلاة العصر، وفي هذه الجلسة يكون قد اختار كتابا للقراءة، فيجلس هو وأمي لشرب الشاي، ويُعطي الوالدة كتابا تقرؤه في هذا المجلس، واستمرت هذه العادة بعد أن كبرنا،
وكان مع اهتمامه بالإصلاح العام معتنيا بأسرته الخاصة، فأذكر من صِغري أن له عادة في الجلوس للشاي بعد صلاة العصر، وفي هذه الجلسة يكون قد اختار كتابا للقراءة، فيجلس هو وأمي لشرب الشاي، ويُعطي الوالدة كتابا تقرؤه في هذا المجلس، واستمرت هذه العادة بعد أن كبرنا،
(31)
فكان لا يترك هذه العادة مرة أو مرتين أو ثلاث مرار في الأسبوع، فإذا اجتمع أولاده في المغرب أو بعد العشاء ختم المجلس بقراءة قصيرة لطيفة من كتاب من الكتب، وأكثر ما كان يختاره للقراءة: لطائف المعارف لابن رجب، والمتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، رحمهما الله.
فكان لا يترك هذه العادة مرة أو مرتين أو ثلاث مرار في الأسبوع، فإذا اجتمع أولاده في المغرب أو بعد العشاء ختم المجلس بقراءة قصيرة لطيفة من كتاب من الكتب، وأكثر ما كان يختاره للقراءة: لطائف المعارف لابن رجب، والمتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، رحمهما الله.
(32)
ومثل ذلك كان يفعل في اجتماع أخواته وزوجات إخوانه، فكان كثيرا ما يختار موضعا من كتاب مناسب لكي يُقرأ في ذلك الاجتماع، ويطلب من والدتي أو إحدى أخواته أو بناته القراءة منه في ذلك المجلس.
ومثل ذلك كان يفعل في اجتماع أخواته وزوجات إخوانه، فكان كثيرا ما يختار موضعا من كتاب مناسب لكي يُقرأ في ذلك الاجتماع، ويطلب من والدتي أو إحدى أخواته أو بناته القراءة منه في ذلك المجلس.
(33)
وكان يدرّب أولاده على عمل الخير، ومن ذلك: أن يضع ورقة يُعلن فيها أنه سيذهب للفقراء في الوقت الفلاني، فمن كان عنده شيء يريد الصدقة به فليضعه في مكتبة البيت (مثلا). فيضع الأطفال ما لديهم، ولو ريالا أو ريالات أو حلوى.
وكان يدرّب أولاده على عمل الخير، ومن ذلك: أن يضع ورقة يُعلن فيها أنه سيذهب للفقراء في الوقت الفلاني، فمن كان عنده شيء يريد الصدقة به فليضعه في مكتبة البيت (مثلا). فيضع الأطفال ما لديهم، ولو ريالا أو ريالات أو حلوى.
(34)
وكان -رحمه الله- شديد التوقّي من حقوق الناس ومظالمهم.
قال لي غير مرة: لما كنت في التدريس كنت أجتهد في أداء حقوق طلابي وتعليمهم، ولكن أعلم أنه لا بد أن يقع مني تقصير، فكنت أحرص على جبر ذلك بالدعاء لهم.
وكان -رحمه الله- شديد التوقّي من حقوق الناس ومظالمهم.
قال لي غير مرة: لما كنت في التدريس كنت أجتهد في أداء حقوق طلابي وتعليمهم، ولكن أعلم أنه لا بد أن يقع مني تقصير، فكنت أحرص على جبر ذلك بالدعاء لهم.
(35)
وتحدثت إليه مرة عن عملي (وأنا معلم) وجدولي في التدريس، وقلت له: إني أُفضل تدريس موادّ الفقه؛ لأنها أكثر فائدة لي. فقال: إذا كنت في مقام العمل فلا تنظر إلى مصلحتك، ولكن انظر إلى مصلحة طلابك.
وتحدثت إليه مرة عن عملي (وأنا معلم) وجدولي في التدريس، وقلت له: إني أُفضل تدريس موادّ الفقه؛ لأنها أكثر فائدة لي. فقال: إذا كنت في مقام العمل فلا تنظر إلى مصلحتك، ولكن انظر إلى مصلحة طلابك.
(36)
وكان -رحمه الله- ربما قسا عليّ وأنا صغير، وذلك قليل جدا، فكان إذا فاء من غضبه جعل يدعو لي، ويقول لي: يا بُنيّ! إني إذا قسوت عليك فأنا أعتذر من ذلك، وإنني بعد ذلك أدعو لك.
وكان -رحمه الله- ربما قسا عليّ وأنا صغير، وذلك قليل جدا، فكان إذا فاء من غضبه جعل يدعو لي، ويقول لي: يا بُنيّ! إني إذا قسوت عليك فأنا أعتذر من ذلك، وإنني بعد ذلك أدعو لك.
(37)
وقال لي قبل موته بأيام: الله تعالى يقول: "وأنذر عشيرتك الأقربين" فالأقربون لهم حق زائد في النِذارة والتعليم وغير ذلك، والإنسان لا يخلو من تقصير في ذلك، فينبغي أن يجبر تقصيره بالدعاء لهم.
وقال لي قبل موته بأيام: الله تعالى يقول: "وأنذر عشيرتك الأقربين" فالأقربون لهم حق زائد في النِذارة والتعليم وغير ذلك، والإنسان لا يخلو من تقصير في ذلك، فينبغي أن يجبر تقصيره بالدعاء لهم.
(38)
وكان عظيم البِرّ بوالديه، مما أتذكر: أنه كان يحج بوالدته كل عام، وذلك إلى ما قبل وفاتها بسنتين وقد قاربت التسعين، وكان في حجه يتفرغ لخدمتها، ويعتمر بها في كل رمضان، وفي كل عطلة صيفية، وكان إذا جلس عندها في بيتها جلس بخضوع وأدب، ويزورها في بيتها كل يوم،
وكان عظيم البِرّ بوالديه، مما أتذكر: أنه كان يحج بوالدته كل عام، وذلك إلى ما قبل وفاتها بسنتين وقد قاربت التسعين، وكان في حجه يتفرغ لخدمتها، ويعتمر بها في كل رمضان، وفي كل عطلة صيفية، وكان إذا جلس عندها في بيتها جلس بخضوع وأدب، ويزورها في بيتها كل يوم،
(39)
وفي مرضها كان يأتيها في اليوم مرتين، مع استغنائها عن الخدمة بوجودها في بيت أحد أبنائها أو بناتها.
وفي مرضها كان يأتيها في اليوم مرتين، مع استغنائها عن الخدمة بوجودها في بيت أحد أبنائها أو بناتها.
(40)
كان -رحمه الله- وصولا لرحمه، مع كثرة أشغاله، حتى في أيامه الأخيرة كان يتصل بهم، ويتعاهدهم، ويسأل عن أخبارهم، فيُهنئ بالأفراح، ويواسي في المصائب، وكان مُكرما لإخوانه وأخواته، ولا سيما الذين هم أسنّ منه، وخصوصا أخاه الأكبر عمي صالح، فقد كان يعامله معاملة الأب،
كان -رحمه الله- وصولا لرحمه، مع كثرة أشغاله، حتى في أيامه الأخيرة كان يتصل بهم، ويتعاهدهم، ويسأل عن أخبارهم، فيُهنئ بالأفراح، ويواسي في المصائب، وكان مُكرما لإخوانه وأخواته، ولا سيما الذين هم أسنّ منه، وخصوصا أخاه الأكبر عمي صالح، فقد كان يعامله معاملة الأب،
(41)
وكان واصلا لأبناء وبنات إخوانه وأخواته يتصل بهم شخصيا، أو يرسل إليهم الرسائل والهدايا الخاصة، وربما يسبقنا إلى معرفة أخبارهم.
وكان له خالتان لأبيه، فكان يزورهما في القصيم، وكان له خالة في الدمام، يذهب لزيارتها ثم يرجع، وبعد وفاتها يسافر لزيارة أولادها ثم يرجع من فوره.
وكان واصلا لأبناء وبنات إخوانه وأخواته يتصل بهم شخصيا، أو يرسل إليهم الرسائل والهدايا الخاصة، وربما يسبقنا إلى معرفة أخبارهم.
وكان له خالتان لأبيه، فكان يزورهما في القصيم، وكان له خالة في الدمام، يذهب لزيارتها ثم يرجع، وبعد وفاتها يسافر لزيارة أولادها ثم يرجع من فوره.
(42)
طلب مني في أيامه الأخيرة أرقام بعض أبناء عمه الذين في جدة، وجعل يعدّد علي رجال عشيرتنا القريبة مذكّرا بحقهم وصِلتهم.
طلب مني في أيامه الأخيرة أرقام بعض أبناء عمه الذين في جدة، وجعل يعدّد علي رجال عشيرتنا القريبة مذكّرا بحقهم وصِلتهم.
(43)
كان -رحمه الله- مرهف الإحساس بمشاعر الناس، يراعيهم ويرفق بهم.
أذكر أنني لما تزوجت وأردت السفر بزوجي للعمرة قال لي: أنت عروس، ولعل تقصير الشعر في حقّك أفضل من الحلق.
كان -رحمه الله- مرهف الإحساس بمشاعر الناس، يراعيهم ويرفق بهم.
أذكر أنني لما تزوجت وأردت السفر بزوجي للعمرة قال لي: أنت عروس، ولعل تقصير الشعر في حقّك أفضل من الحلق.
(44)
وكنّا في البيت إذا أردنا أن نأخذ من أحد الأطفال شيئا لا يصلح أن يأخذه الطفل (سكّين مثلا) يقول: أعط الطفل أوّلا شيئا يلهو به، ثم خذ منه ما تريد.
وكنّا في البيت إذا أردنا أن نأخذ من أحد الأطفال شيئا لا يصلح أن يأخذه الطفل (سكّين مثلا) يقول: أعط الطفل أوّلا شيئا يلهو به، ثم خذ منه ما تريد.
(45)
وكان أيضا يقول: أنا لا أستحسن إحضار الأطفال إلى المسجد قبل سن السابعة؛ لأن للطفل فورة وإقبالا على المسجد، فإذا استُنفدت تلك الرغبة قبل السن المأمور به (سبع سنين) جاء سن السابعة وقد فترت رغبة الطفل وشوقه إلى الصلاة في المسجد.
وكان أيضا يقول: أنا لا أستحسن إحضار الأطفال إلى المسجد قبل سن السابعة؛ لأن للطفل فورة وإقبالا على المسجد، فإذا استُنفدت تلك الرغبة قبل السن المأمور به (سبع سنين) جاء سن السابعة وقد فترت رغبة الطفل وشوقه إلى الصلاة في المسجد.
(46)
كانت كلمات ودروسه ونصائحه خفيفة على السامع، لا يطيل فيها، وإذا أراد القراءة على المصلين بعد الصلاة من كتاب انتقى المواضع المناسبة منه، وإذا أراد إلقاء فائدة في محفل أو جمع لم يجتمع أصلا للفائدة أو الدرس ألقاه في صورة قصة، أو مسابقة، أو لغز، فيوصل الفائدة بطريقة محبّبة.
كانت كلمات ودروسه ونصائحه خفيفة على السامع، لا يطيل فيها، وإذا أراد القراءة على المصلين بعد الصلاة من كتاب انتقى المواضع المناسبة منه، وإذا أراد إلقاء فائدة في محفل أو جمع لم يجتمع أصلا للفائدة أو الدرس ألقاه في صورة قصة، أو مسابقة، أو لغز، فيوصل الفائدة بطريقة محبّبة.
(47)
تقول إحدى إخواتي
حينما كنا صغارا أنا وبنات أختي، نفخنا عدد كبير من البالونات، ولعبنا بها في الحوش، لكن البالونات طارت و اختفت عن أنظارنا، وفي هذه اللحظة دخل أبي المنزل، فرآنا مضطربين، وفورا أخذنا بسيارته نبحث عنها.. تجوّل في الأحياء يبحث معنا باهتمام وماعاد إلا بطلب منا!
تقول إحدى إخواتي
حينما كنا صغارا أنا وبنات أختي، نفخنا عدد كبير من البالونات، ولعبنا بها في الحوش، لكن البالونات طارت و اختفت عن أنظارنا، وفي هذه اللحظة دخل أبي المنزل، فرآنا مضطربين، وفورا أخذنا بسيارته نبحث عنها.. تجوّل في الأحياء يبحث معنا باهتمام وماعاد إلا بطلب منا!
(48)
وتقول:
كان يشاركني كل تفاصيل حياتي،
أسماء صديقاتي، دروس الجامعة التي أحضرها..
ويشاركني خططي، ويعرف نظامي اليومي، حتى أفكاري الجديدة وخططي المستقبلية يعرفها ويسألني عنها ويفيدني فيها
ويعرف كل ما استجد لي..
وحتى أني حينما أغيب عنه في المدرسة أو الجامعة، يسألني "وشو فطورك؟"..
وتقول:
كان يشاركني كل تفاصيل حياتي،
أسماء صديقاتي، دروس الجامعة التي أحضرها..
ويشاركني خططي، ويعرف نظامي اليومي، حتى أفكاري الجديدة وخططي المستقبلية يعرفها ويسألني عنها ويفيدني فيها
ويعرف كل ما استجد لي..
وحتى أني حينما أغيب عنه في المدرسة أو الجامعة، يسألني "وشو فطورك؟"..
(49)
وتقول:
كان في خزانته، ومن بين ملابسه التي كانت على قدر حاجته، وبين الدفاتر زهيدة الثمن المحبّرة بتدوينات أبي من مجالسه مع أشياخه، وأشرطته التي يحتفظ بها، كان هنالك درجٌ يحتفظ أبي فيه بكل رسائلنا ورسوماتنا التي أهديناها له، كان أبي ينفض عنها الغبار ويذكرنا بها
وتقول:
كان في خزانته، ومن بين ملابسه التي كانت على قدر حاجته، وبين الدفاتر زهيدة الثمن المحبّرة بتدوينات أبي من مجالسه مع أشياخه، وأشرطته التي يحتفظ بها، كان هنالك درجٌ يحتفظ أبي فيه بكل رسائلنا ورسوماتنا التي أهديناها له، كان أبي ينفض عنها الغبار ويذكرنا بها
(50)
وتقول:
وعلى عكس ما يتصور الأطفال عنا عندما كنا صغار، حينما يستوحشون عند معرفتهم أنه ليس عندنا تيلفزيون ولا فيديو! فقد كانت أيامنا سعيدة مع أبي، فكثيراً ما كنا نشتري معه الحيوانات الصغيرة، نعتني بها ونلعب معها نحن و إياه،
وتقول:
وعلى عكس ما يتصور الأطفال عنا عندما كنا صغار، حينما يستوحشون عند معرفتهم أنه ليس عندنا تيلفزيون ولا فيديو! فقد كانت أيامنا سعيدة مع أبي، فكثيراً ما كنا نشتري معه الحيوانات الصغيرة، نعتني بها ونلعب معها نحن و إياه،
(51)
وكنا أيضا نشتري النباتات، نزرعها معاً، ونسقيها معاً، وإن كان لها محصول يأكل منه إسعاداً و تشجيعاً لنا..
وجلساته اليومية معنا، وما أجملها من جلسات، وكذا رحلاته معنا، لا تخلو من قراءة لكتاب نافع، يُشرِك فيه الجميع بالتعليق و السؤال..
أو قصة عذبة ماتعة، أو تذاكراً بنعم الله،
وكنا أيضا نشتري النباتات، نزرعها معاً، ونسقيها معاً، وإن كان لها محصول يأكل منه إسعاداً و تشجيعاً لنا..
وجلساته اليومية معنا، وما أجملها من جلسات، وكذا رحلاته معنا، لا تخلو من قراءة لكتاب نافع، يُشرِك فيه الجميع بالتعليق و السؤال..
أو قصة عذبة ماتعة، أو تذاكراً بنعم الله،
(52)
وإذا كنا في طريق رحلة معه، ربما أشاهد ورقة بجانب مِقوده، دوّن فيها رؤوس فقرات جميلة قد أعدها للطريق..
وكثيراً ما كان يعود بفراشة كبيرة ملونة، أو عصفور صغير، وجده في فناء المسجد، أو قرب البيت!
وإذا كنا في طريق رحلة معه، ربما أشاهد ورقة بجانب مِقوده، دوّن فيها رؤوس فقرات جميلة قد أعدها للطريق..
وكثيراً ما كان يعود بفراشة كبيرة ملونة، أو عصفور صغير، وجده في فناء المسجد، أو قرب البيت!
(53)
وتقول إحدى حفيداته:
عندما كان عمري خمس سنوات حاولت عمل حلوى، فأخذت بعض البسكويت وكسّرته وسكبت عليه الحليب وقدّمته للأسرة، فأخذوا منه مجاملة ولم يستطيعوا مجرد تذوقه، سوى جدي فهد -الذي ليس من عادته أكل الحلوى- فقد أكله أمامي وشكرني، وظل حتى كبرت يسأل عن حلوياتي ويشجعني
وتقول إحدى حفيداته:
عندما كان عمري خمس سنوات حاولت عمل حلوى، فأخذت بعض البسكويت وكسّرته وسكبت عليه الحليب وقدّمته للأسرة، فأخذوا منه مجاملة ولم يستطيعوا مجرد تذوقه، سوى جدي فهد -الذي ليس من عادته أكل الحلوى- فقد أكله أمامي وشكرني، وظل حتى كبرت يسأل عن حلوياتي ويشجعني
(54)
وتقول:
كان جدي يساعدنا في زراعة بعض النباتات، فكنا نجمع معه التراب ثم نحضره للمنزل، ونضعه في أوعية صغيرة ونسقيها الماء ونغرس فيها ما نريد، وكنا ننقل تلك الأوعية من غرفة لأخرى، فنهتنا إحدى خالاتي وأرادت التخلص منها لأنها تسببت في اتساخ المنزل، فذهبنا وأخبرنا جدي بذلك،
وتقول:
كان جدي يساعدنا في زراعة بعض النباتات، فكنا نجمع معه التراب ثم نحضره للمنزل، ونضعه في أوعية صغيرة ونسقيها الماء ونغرس فيها ما نريد، وكنا ننقل تلك الأوعية من غرفة لأخرى، فنهتنا إحدى خالاتي وأرادت التخلص منها لأنها تسببت في اتساخ المنزل، فذهبنا وأخبرنا جدي بذلك،
(55)
فأشار علينا أن نضعها في مكتبته!
فأشار علينا أن نضعها في مكتبته!
(56)
وكان شديد العناية بالعلم، يحث الشباب ويحرضهم عليه وعلى لزوم العلماء، وأذكر أنني بعد الثانوية استأذنته في السفر إلى عنيزة للدراسة عند الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله رحمة واسعة، فقال لي: يا بني! أنا أبّ، ولكن عاطفتي عاطفة أم! وقد أذنت لك في السفر
رحمه الله وجزاه عني خير الجزاء
وكان شديد العناية بالعلم، يحث الشباب ويحرضهم عليه وعلى لزوم العلماء، وأذكر أنني بعد الثانوية استأذنته في السفر إلى عنيزة للدراسة عند الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله رحمة واسعة، فقال لي: يا بني! أنا أبّ، ولكن عاطفتي عاطفة أم! وقد أذنت لك في السفر
رحمه الله وجزاه عني خير الجزاء
(57)
ممن أتذكر من مشايخه: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ فهد بن حميّن، والشيخ صالح الناصر، رحمهم الله، أما شيخه الذي لازمه فهو الشيخ الوالد عبدالرحمن البراك متّعنا الله به، لا أعلم متى بدأت صحبته له بالضبط، لكن الذي أعلم أنه من عام 1414 كان ملازما للقراءة عليه،
ممن أتذكر من مشايخه: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ فهد بن حميّن، والشيخ صالح الناصر، رحمهم الله، أما شيخه الذي لازمه فهو الشيخ الوالد عبدالرحمن البراك متّعنا الله به، لا أعلم متى بدأت صحبته له بالضبط، لكن الذي أعلم أنه من عام 1414 كان ملازما للقراءة عليه،
(58)
وقد قرأ عليه كتبا من المطولات، منها التمهيد لابن عبدالبر، وأكثر صحيح مسلم، ومختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر.
وقد قرأ عليه كتبا من المطولات، منها التمهيد لابن عبدالبر، وأكثر صحيح مسلم، ومختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر.
(59)
وكان كثير الاستماع لدروس المشايخ المسجّلة، فإذا ركب السيارة فإما أن يقرأ القرآن أو يستمع إلى شيء من الدروس، وإذا جلس على الطعام وحده استمع إلى بعض الدروس، ومما أذكر أنه كان يستمع إليه: شرح المنتقى للشيخ ابن باز، وشرح الزاد للشيخ ابن عثيمين، وأعمال القلوب للشيخ خالد السبت،
وكان كثير الاستماع لدروس المشايخ المسجّلة، فإذا ركب السيارة فإما أن يقرأ القرآن أو يستمع إلى شيء من الدروس، وإذا جلس على الطعام وحده استمع إلى بعض الدروس، ومما أذكر أنه كان يستمع إليه: شرح المنتقى للشيخ ابن باز، وشرح الزاد للشيخ ابن عثيمين، وأعمال القلوب للشيخ خالد السبت،
(60)
وشرح التجريد الصريح للشيخ عبدالكريم الخضير من إذاعة القرآن، وكان محافظا على الاستماع إليه.
وشرح التجريد الصريح للشيخ عبدالكريم الخضير من إذاعة القرآن، وكان محافظا على الاستماع إليه.
(61)
مرّت به في حياته الإصلاحية قلاقل ومُزعجات تستفزّ المهتمّ بالإصلاح والدعوة إلى الله، فكان -رحمه الله- مع غيرته الكبيرة مستقرّ النفس، ثابت الخُطا، لم تستزلّه تلك الشدائد -بحمد الله وتوفيقه- إلى تهوّر وعَجَلة، ولا إلى تهاون وتخلٍّ عن حمل الرسالة وأداء النصيحة لدين الله،
مرّت به في حياته الإصلاحية قلاقل ومُزعجات تستفزّ المهتمّ بالإصلاح والدعوة إلى الله، فكان -رحمه الله- مع غيرته الكبيرة مستقرّ النفس، ثابت الخُطا، لم تستزلّه تلك الشدائد -بحمد الله وتوفيقه- إلى تهوّر وعَجَلة، ولا إلى تهاون وتخلٍّ عن حمل الرسالة وأداء النصيحة لدين الله،
(62)
وأحسب أن ذلك -بعد توفيق الله- يعود إلى أمرين كانا واضحين كل الوضوح في سيرته:
وأحسب أن ذلك -بعد توفيق الله- يعود إلى أمرين كانا واضحين كل الوضوح في سيرته:
(63)
أوّلهما: أنه يرى أن الإنسان مسؤول أمام الله تعالى عما يقدر عليه من الإصلاح، فعليه أن يكون تركيزه واهتمامه محصورا في دائرة تأثيره، وليس الإنسان مسؤولا عن أفعال الناس ولا محاسبا عن استجابتهم، ومتى اتّضح هذا الأمر في تصوّر المصلح انزاح عنه همّ كبير،
أوّلهما: أنه يرى أن الإنسان مسؤول أمام الله تعالى عما يقدر عليه من الإصلاح، فعليه أن يكون تركيزه واهتمامه محصورا في دائرة تأثيره، وليس الإنسان مسؤولا عن أفعال الناس ولا محاسبا عن استجابتهم، ومتى اتّضح هذا الأمر في تصوّر المصلح انزاح عنه همّ كبير،
(64)
وعلم أنه ليس مطالبا بالاندفاع واتخاذ المواقف غير المدروسة، ولا مطالبا أيضا بالتنازل وتطويع تعاليم الدين لتلائم أذواق الناس وشهواتهم، وهذا الأمر أحسبه من أسباب ثباته على منهجه.
وعلم أنه ليس مطالبا بالاندفاع واتخاذ المواقف غير المدروسة، ولا مطالبا أيضا بالتنازل وتطويع تعاليم الدين لتلائم أذواق الناس وشهواتهم، وهذا الأمر أحسبه من أسباب ثباته على منهجه.
(65)
الأمر الثاني: أنه كان ينظر دائما إلى جانب القَدَر، فما نكرهه (من وقوع المنكرات أو المآسي على المسلمين) لم يقع إلا بتقدير الله تعالى، وله الحكمة البالغة في ذلك، وهو سبحانه قدير على رفعه لو شاء، لكنه يبتلي عباده، فيرفع درجة الثابتين والصابرين والمتقين والتائبين،
الأمر الثاني: أنه كان ينظر دائما إلى جانب القَدَر، فما نكرهه (من وقوع المنكرات أو المآسي على المسلمين) لم يقع إلا بتقدير الله تعالى، وله الحكمة البالغة في ذلك، وهو سبحانه قدير على رفعه لو شاء، لكنه يبتلي عباده، فيرفع درجة الثابتين والصابرين والمتقين والتائبين،
(66)
وفي وقوعه خير لا يحصل لو لم يقع، وهذا الشعور ينشر في نفس المؤمن السكينة والطمأنينة، ويزيح عنها الخوف من المستقبل، والأسف على الماضي، ويجعل تركيزه منصبّا على ما يقدر عليه من الإصلاح لنفسه ولغيره، في طمأنينة وسكينة وحسن ظن في الله تعالى،
وفي وقوعه خير لا يحصل لو لم يقع، وهذا الشعور ينشر في نفس المؤمن السكينة والطمأنينة، ويزيح عنها الخوف من المستقبل، والأسف على الماضي، ويجعل تركيزه منصبّا على ما يقدر عليه من الإصلاح لنفسه ولغيره، في طمأنينة وسكينة وحسن ظن في الله تعالى،
(67)
وعدم إخلال بالجوانب الأخرى، كجانب العبادة وطلب العلم وحقوق الأهل وغير ذلك.
هذان الأمران أكبر معالم الإصلاح في نظري في سيرة الوالد -رحمه الله-.
وعدم إخلال بالجوانب الأخرى، كجانب العبادة وطلب العلم وحقوق الأهل وغير ذلك.
هذان الأمران أكبر معالم الإصلاح في نظري في سيرة الوالد -رحمه الله-.
(68)
وكان -رحمه الله- حافظا للسانه، لا يُسمع منه غيبة أو وقيعة في أحد، كبير ولا صغير، ولا عالم ولا أمير، وكان يُحسن الظن في العلماء، وكان ورعه أكثر ما يظهر في منطقه، فكان قليل الكلام طويل الصمت، ولا يتكلم في شؤون الناس العامة إلا بما تترجح مصلحته،
وكان -رحمه الله- حافظا للسانه، لا يُسمع منه غيبة أو وقيعة في أحد، كبير ولا صغير، ولا عالم ولا أمير، وكان يُحسن الظن في العلماء، وكان ورعه أكثر ما يظهر في منطقه، فكان قليل الكلام طويل الصمت، ولا يتكلم في شؤون الناس العامة إلا بما تترجح مصلحته،
(69)
فإذا تكلم تجنّب الكلام في الأشخاص، وإذا تكلم أحد عنده في أحد بسوء قاطعه قائلا: اللهم اغفر لنا وله! وكان يعرف من أخبار المجتمع وشؤونه الشيء الكثير، لكن لا يتكلم مع كل أحد إلا بما يصلح له، وما ينفعه، وكان ملازما لجماعة المسلمين وإمامهم، متجنّبا لما يوغر الصدور ويُثير الفتن.
فإذا تكلم تجنّب الكلام في الأشخاص، وإذا تكلم أحد عنده في أحد بسوء قاطعه قائلا: اللهم اغفر لنا وله! وكان يعرف من أخبار المجتمع وشؤونه الشيء الكثير، لكن لا يتكلم مع كل أحد إلا بما يصلح له، وما ينفعه، وكان ملازما لجماعة المسلمين وإمامهم، متجنّبا لما يوغر الصدور ويُثير الفتن.
(70)
كان -رحمه الله- ساميا عن الأحقاد، أحسبه نقي الصدر من الضغائن، لم أسمعه يوما يتكلم في أحدٍ ظلمه أو أساء إليه أو يدعو عليه أو يتوعد بمقاضاته عند الله يوم القيامة.
كان -رحمه الله- ساميا عن الأحقاد، أحسبه نقي الصدر من الضغائن، لم أسمعه يوما يتكلم في أحدٍ ظلمه أو أساء إليه أو يدعو عليه أو يتوعد بمقاضاته عند الله يوم القيامة.
(71)
حدّثته يوما بمُنكر جرى من بعض الناس، فلما أردت أن أذكر اسم الرجل قاطعني قائلا: قُلْ (بعض الناس). يعني: لا تذكر اسم الرجل.
حدّثته يوما بمُنكر جرى من بعض الناس، فلما أردت أن أذكر اسم الرجل قاطعني قائلا: قُلْ (بعض الناس). يعني: لا تذكر اسم الرجل.
(72)
ومن أقواله: إذا أرادوا مدح أحد قالوا: فلان شعلة من النشاط! وهذا ليس مدحا؛ لأن الشعلة تنطفئ سريعا، إنما الممدوح هو النور الباقي الذي لا ينطفئ.
ومن أقواله: إذا أرادوا مدح أحد قالوا: فلان شعلة من النشاط! وهذا ليس مدحا؛ لأن الشعلة تنطفئ سريعا، إنما الممدوح هو النور الباقي الذي لا ينطفئ.
(73)
كثيرا ما كان يجلس في مجالس للإخوة الطيبين، فيتحدثون ببعض الأمور العامّة المقلقة مما يمر بالمسلمين من الأحداث والمصائب، فيتحدّثون في ذلك حديث التشاكي والتنفيس (الفضفضة)، فيتركهم يتحدّثون وهو ساكت، فإذا رأى أنهم قد نفّسوا عن أنفسهم بالحديث قال: والآن ماذا نستطيع أن نعمل؟
كثيرا ما كان يجلس في مجالس للإخوة الطيبين، فيتحدثون ببعض الأمور العامّة المقلقة مما يمر بالمسلمين من الأحداث والمصائب، فيتحدّثون في ذلك حديث التشاكي والتنفيس (الفضفضة)، فيتركهم يتحدّثون وهو ساكت، فإذا رأى أنهم قد نفّسوا عن أنفسهم بالحديث قال: والآن ماذا نستطيع أن نعمل؟
(74)
فيسكتون، ثم يبدأ يُشير إليهم بالأعمال الخيرية الممكنة، بِلا تهوّر ولا إثارة فتنة، ويُنشّطهم على القيام بها، ويسعى لأن يكون المجلس مجلس عمل، بأن يحدد كل واحد منهم بدقة ماذا سيعمل، ولو عملا صغيرا، ثم يواعدهم على لقاء قادم يكون كل واحد منهم فعل ما التزم به.
فيسكتون، ثم يبدأ يُشير إليهم بالأعمال الخيرية الممكنة، بِلا تهوّر ولا إثارة فتنة، ويُنشّطهم على القيام بها، ويسعى لأن يكون المجلس مجلس عمل، بأن يحدد كل واحد منهم بدقة ماذا سيعمل، ولو عملا صغيرا، ثم يواعدهم على لقاء قادم يكون كل واحد منهم فعل ما التزم به.
(75)
من كلماته -رحمة الله عليه-:
"المؤمن عبد لربه، ليس مسؤولًا عن النتائج، عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر -إذا وجد ما يقتضيه- بالطرق الشرعية، والنتائج لم يكلف بها".
من كلماته -رحمة الله عليه-:
"المؤمن عبد لربه، ليس مسؤولًا عن النتائج، عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر -إذا وجد ما يقتضيه- بالطرق الشرعية، والنتائج لم يكلف بها".
(76)
"قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها}، وقال عز وجل: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها}، وهذا في جميع التكاليف الشرعية، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسماحةُ الشريعة ويسرها يعم جميع واجباتها، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
"قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها}، وقال عز وجل: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها}، وهذا في جميع التكاليف الشرعية، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسماحةُ الشريعة ويسرها يعم جميع واجباتها، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
(77)
يقول الطبيب (ع ر): زارني الشيخ فهد مع والدته رحمها الله في مرضها، وكان معي في العيادة ممرضة عربية متبرجة، فرأيت الشيخ جلس في صالة الانتظار وكتب رسالة نصح وتذكير بالله تعالى لهذه الممرضة، ثم دفعها إليها وانصرف.
يقول الطبيب (ع ر): زارني الشيخ فهد مع والدته رحمها الله في مرضها، وكان معي في العيادة ممرضة عربية متبرجة، فرأيت الشيخ جلس في صالة الانتظار وكتب رسالة نصح وتذكير بالله تعالى لهذه الممرضة، ثم دفعها إليها وانصرف.
(78)
وكان باذلا لما يستطيع من العلم والرأي والنصح، فكان يُجيب من طلب منه إلقاء كلمة أو موعظة أو زيارة، ولا يردّ من يطلب منه إفادة أو تعليما إذا قدِر، وكان يأتيه كل يوم بعد صلاة الفجر في مسجده طلبة علم يقرؤون عليه بعض الكتب.
وكان باذلا لما يستطيع من العلم والرأي والنصح، فكان يُجيب من طلب منه إلقاء كلمة أو موعظة أو زيارة، ولا يردّ من يطلب منه إفادة أو تعليما إذا قدِر، وكان يأتيه كل يوم بعد صلاة الفجر في مسجده طلبة علم يقرؤون عليه بعض الكتب.
(79)
كان يبذل النصيحة للناس كلهم، ولا يكاد يسكت عن إنكار منكر رآه أو علم به وهو يقدر على إنكاره، حتى المنكرات التي اعتادها الناس وألِفوها مثل حلق اللحية، وكانت نصيحته غالبا في غاية اللطف، لكنه كان يغضب ويشتدّ في المواقف التي يرى فيها استهانة بشعائر الله تعالى وحدوده.
كان يبذل النصيحة للناس كلهم، ولا يكاد يسكت عن إنكار منكر رآه أو علم به وهو يقدر على إنكاره، حتى المنكرات التي اعتادها الناس وألِفوها مثل حلق اللحية، وكانت نصيحته غالبا في غاية اللطف، لكنه كان يغضب ويشتدّ في المواقف التي يرى فيها استهانة بشعائر الله تعالى وحدوده.
(80)
كان مع رجاحة عقله وبُعد نظره متثبّتا في أموره، كثير الاستشارة، حتى يستشير من هو أصغر منه بكثير، وكثيرا ما كان يستشيرنا -نحن أولاده- ويأخذ بمشورتنا.
كان مع رجاحة عقله وبُعد نظره متثبّتا في أموره، كثير الاستشارة، حتى يستشير من هو أصغر منه بكثير، وكثيرا ما كان يستشيرنا -نحن أولاده- ويأخذ بمشورتنا.
(81)
إذا أردتُ أن أُدخل السرور عليه حدّثته بأخبار انتشار الإسلام وظهور السنة ونجاح الدعاة إلى الله، فيفرح بها كثيرا ويُكثر من حمد الله.
ومن أكثر الأمور حزنا له: خبر موت أحد من الصالحين، الرجال أو النساء، ولو كان من العوام، فيسترجع، وكان يرى في وجودهم ودعائهم خيرا عامّا للمسلمين.
إذا أردتُ أن أُدخل السرور عليه حدّثته بأخبار انتشار الإسلام وظهور السنة ونجاح الدعاة إلى الله، فيفرح بها كثيرا ويُكثر من حمد الله.
ومن أكثر الأمور حزنا له: خبر موت أحد من الصالحين، الرجال أو النساء، ولو كان من العوام، فيسترجع، وكان يرى في وجودهم ودعائهم خيرا عامّا للمسلمين.
(82)
وكان يحرص جدا على الدعاء للمسلمين بالخير، ويوصي بهذا كثيرا، ويقول: الناس لا يعلمون قدر الدعاء! وكان كثير الدعاء، وإذا سمع بخبر سار أو غير سار للمسلمين قابل ذلك بالدعاء للمسلمين بالخير وحسن العاقبة.
وكان يحرص جدا على الدعاء للمسلمين بالخير، ويوصي بهذا كثيرا، ويقول: الناس لا يعلمون قدر الدعاء! وكان كثير الدعاء، وإذا سمع بخبر سار أو غير سار للمسلمين قابل ذلك بالدعاء للمسلمين بالخير وحسن العاقبة.
(83)
وكان كثير الحمد لله تعالى وشكره إذا حصل للمسلمين نعمة أو نصر أو اندفع عنهم محذور، ويقول: إنّ حمد الله على ذلك من أسباب زيادة الخير وانتشاره؛ لأن الله تعالى يقول: "لإن شكرتم لأزيدنكم".
وكان كثير الحمد لله تعالى وشكره إذا حصل للمسلمين نعمة أو نصر أو اندفع عنهم محذور، ويقول: إنّ حمد الله على ذلك من أسباب زيادة الخير وانتشاره؛ لأن الله تعالى يقول: "لإن شكرتم لأزيدنكم".
(84)
ويقول: يؤسفني أن كثيرا من الصالحين غافل عن هذا، فلا تجده إلا متتبعا وناشرا للأخبار التي تغمّ إخوانه، ولا ينظر إلى أخبار الخير، وأحرى ألا يحمد الله عليها.
ويقول: يؤسفني أن كثيرا من الصالحين غافل عن هذا، فلا تجده إلا متتبعا وناشرا للأخبار التي تغمّ إخوانه، ولا ينظر إلى أخبار الخير، وأحرى ألا يحمد الله عليها.
(85)
كان مع اهتمامه الكبير بالدعوة والإصلاح متوازنا في أموره، فلم يكن اهتمامه ذلك يطغى على بقية جوانب حياته، فكان مع ذلك ذا نصيب وافر من العبادة، واصلا لرحمه، لطيفا مع أسرته.
كان مع اهتمامه الكبير بالدعوة والإصلاح متوازنا في أموره، فلم يكن اهتمامه ذلك يطغى على بقية جوانب حياته، فكان مع ذلك ذا نصيب وافر من العبادة، واصلا لرحمه، لطيفا مع أسرته.
(86)
كان -رحمه الله- قليل التشكي، صبورا على البلاء، يكتم ما به، ولم يكن من عادته الذهاب إلى الطبيب عند المرض، بل يصبر ويداوي نفسه بالرقية والدعاء والأدوية الطبيعية المتيسرة، يفعل ذلك تفويضا وتسليما لأمر الله تعالى ورضا باختياره،
كان -رحمه الله- قليل التشكي، صبورا على البلاء، يكتم ما به، ولم يكن من عادته الذهاب إلى الطبيب عند المرض، بل يصبر ويداوي نفسه بالرقية والدعاء والأدوية الطبيعية المتيسرة، يفعل ذلك تفويضا وتسليما لأمر الله تعالى ورضا باختياره،
(87)
وله أسوة في الصديق رضي الله تعالى عنه، تقول عائشة رضي الله عنها: لما اشتد به المرض قيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب فقال: إني فعّال لما أريد!
وله أسوة في الصديق رضي الله تعالى عنه، تقول عائشة رضي الله عنها: لما اشتد به المرض قيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب فقال: إني فعّال لما أريد!
(87)
هذا بعض ما يحضرني الآن، وقد كان موته موعظة كما كانت حياته مدرسة، وكل ما سبق وغيره فهو فضل من الله عليه وتوفيق له ومعونة منه، فالحمد لله على ذلك كثيرا، فهو البادئ بالفضل، والمتمّم بالجزاء الحسن.
هذا بعض ما يحضرني الآن، وقد كان موته موعظة كما كانت حياته مدرسة، وكل ما سبق وغيره فهو فضل من الله عليه وتوفيق له ومعونة منه، فالحمد لله على ذلك كثيرا، فهو البادئ بالفضل، والمتمّم بالجزاء الحسن.
(88)
ونسأل الله تعالى الذي هداه أن يوفقنا لما وفقه له، وأن يجمعنا به، وأن يُلحق محبّيه به في دار كرامته، اجتماعا لا فرقة بعده، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"، و"لمثل هذا فليعمل العاملون"، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده.
ونسأل الله تعالى الذي هداه أن يوفقنا لما وفقه له، وأن يجمعنا به، وأن يُلحق محبّيه به في دار كرامته، اجتماعا لا فرقة بعده، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"، و"لمثل هذا فليعمل العاملون"، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده.
وفقْد مثل هذا الرجل ثُلمة ليست كأي ثلمة، ولكن الله تعالى يقول: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".
انتهى
انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...