قبل ساعة و بعد 34 عاما، في الصيدلية ادفع قيمة دواءا للقرحة، وكأن أحدهم يراقبني من الخلف ، تلك القشعريرة الخفيفة في رقبتي ، اتجاهل ذلك ، أملي على الصيدلاني رقم هاتفي ليسجل الدواء على اشتراكي ، يسألني مؤكدا الاسم :
- استاز ابراهيم ؟
- صحيح
صوت من الخلف : إبراهيم سنان ؟
- استاز ابراهيم ؟
- صحيح
صوت من الخلف : إبراهيم سنان ؟
بالفعل أحدهم كان يراقبني يصبح لشعوري صوتا ، التفت : هلا ، اتمعن وجهه ، يبتسم ويقترب أكثر : الله يا الدنيا ما تغيرت واجد بس نحفت يا دب . ارد ابتسامته بابتسامة ، اعقد جبيني أحاول تذكره ، يختصر علي : أحمد أحمد ، رابع ابتدائي ، مدرسة القدس ، نجران ... ثم يسكت ويكمل : اللي سرق قلمك!
مرت دقائق سريعة استرجعت خلالها ذاكرة قديمة ، قلم الشيفر الذي أهداني إياه والدي رحمه الله كجائزة لتفوقي ، نعم أتذكر ، لقد فقدته وظللت في المدرسة إلى ما بعد الدوام ابحث عنه ، والجميع يبحث معي ، استاذ خليل ، عم عبده ، الكل كان يبحث معي.. واليوم فقط عرفت أين اختفى .. اعتراف متأخر جدا
يضحك أحمد: يا أخي طول عمري احس بتأنيب ضمير ، بس نقلنا ما أمداني اعلمك ، لقد غادر أحمد مدرستنا في الفصل الثاني ، ليعود إلى مسقط رأسه في خميس مشيط . صديقي العزيز منذ الصف الأول الابتدائي ، الآن عرفت لماذا كلما دخلت مكتبة جرير اشتري قلم شيفر ، في داخلي ابن العاشرة يبحث عن قلم والده.
- فداك يا رجال ، ارحب ارحب.
أحمد يقرأني الآن ولكن لا بأس، قلتها صادقا ، رغم الالم البارد الخفيف في قلبي ، لأنه نبش ذاكرة لم أكن اعرف أنها ستجيش العبرة في صدري وتحنقني. تعانقنا، رفض عزيمتي له في منزلي ، ولكن بعد الالحاح وافق على الجلوس معي في أحد المقاهي القريبة . وبدأنا الأحاديث
أحمد يقرأني الآن ولكن لا بأس، قلتها صادقا ، رغم الالم البارد الخفيف في قلبي ، لأنه نبش ذاكرة لم أكن اعرف أنها ستجيش العبرة في صدري وتحنقني. تعانقنا، رفض عزيمتي له في منزلي ، ولكن بعد الالحاح وافق على الجلوس معي في أحد المقاهي القريبة . وبدأنا الأحاديث
أحمد يحمل شهادة الدكتوراة من جامعة مرموقة في امريكا ، ويعمل في منصب مهم ، ووجهه المتهلل بالفرح والسرور يخبرني عن حياته منذ غادرنا في نجران إلى أن أصبح في الرياض ، عائلته أطفاله ، ومازلت صامتا ، حتى سألني : وانت كيف امورك بشرني عنك ، ابتسمت : علمني ليه سرقت القلم ؟
لم تكن ساعة واحدة تلك التي أمضيناها بالحديث، بل عمراً نتصفحه ونحاول أن نملأ فراغات الذاكرة، انهيت اتصالا آخر الآن مع أحمد، كان اتصل بعد كتابة التغريدات مترددا في ذكر اسمه، وبعد نقاش طويل وربما تهديد بأن سأكتب على كل حال فوافق أن اختار من اسمه الكامل جدا منسيا لأكمل به لقبه (عايض)
طفل شديد البياض والنحافة هكذا اذكر أحمد بن عايض، عيناه الصغيرتان تدوران في محاجرها كأنها تبحث عن شيء، يضحك ببحته التي لم تتغير رغم تحول صوته إلى صوت رجولي : اترك قلمك النكبة وعلمني كيف أم إبراهيم بشرني عنها؟
- ماتت
تقفز عيناه للأمام وتزداد حمرة وجنتيه
- ماتت
تقفز عيناه للأمام وتزداد حمرة وجنتيه
لا أدري لماذا أصبحت أحاول تجاوز ذكر وفاة والدتي رحمها الله بسرعة وبإجابة مختصرة كمن يصف واقعة عادية تحدث كل يوم ، لكنها لم تكن كذلك لـ أحمد ، ظل صامتا لفترة خمس دقائق يحاول مجاهدة نفسه في قول شيء وعندما هم بذلك رفع شماغه وانزل رأسه : الله يرحمها ، الله يرحمها وبكى ..
أحمد المصاب بمرض وراثي ينتج عن زواج الأقارب، انتقل إلى نجران مع والده وزوجة والده الذي يعمل بأحد القطاعات العسكرية بعد أن طلق أمه خوفا من إنجاب أطفال كـ أحمد. وتركته لتتزوج من آخر في الرياض حيث كنا نفقده حين يذهب إليها في كل عطلة صيفية . يبكي وهو يحدثني عن أمي ..
كيف كادت تضرب زوجة والده عندما رأتها في أحد العزائم تطرده من فوق وجبة العشاء، كانت قاسية للدرجة التي أصبحنا لا نسأله عن آثار الضرب على وجهه، وأن يظل الوحيد الذي لا يخرج للفسحة لأنه لا يملك المال ولم يحضر معه شيئاً ليأكله، اذكر كل هذا وهو مازال يتذكر أشياء يحبها وأحبها في والدتي
صداقتي فيه توطدت عندما أخبرني أنه لا يريد العودة لمنزله فأخذته معي للمنزل، ورفضت أمي أن يعود مع والده لمنزلهم حتى يأخذ منه والدي عهدا بأن لا تضربه زوجته، واستضفناه ثلاثة أيام، أحمد يبكي ويتذكر ويحدثني، ولم يعد لدي طاقة لمواساته في حزن بالكاد استطعت الفكاك منه قبل أن يفتك بي ..
اهرب من كل تلك الذاكرة وأعود إلى القلم كالبثرة الصغيرة ليست مؤلمة جداً ولكنها تصيب عقلي بالحكة، شيء ما في نفسي يلح علي بإعادة السؤال، ولعلها فرصة أيضا لكسر هذا الموال الحزين والدامع الذي سيطر على حديث أحمد. قاطعته،
- على فكرة الله يرحمها جلست يومين تحوس البيت تدور لي على القلم :)
- على فكرة الله يرحمها جلست يومين تحوس البيت تدور لي على القلم :)
يمسح عينيه وينظر لي مبتسما يتنهد:
- أي قلم يا شيخ ، بعلمك المرة الجاية سالفته.
أكرر عليه دعوة العشاء واتركها دعوة مفتوحة لأي وقت يحدده، ولكنه يرفض أية رسميات ويشدد على رغبته برؤيتي مرة أخرى في عطلة نهاية الإسبوع.
- أي قلم يا شيخ ، بعلمك المرة الجاية سالفته.
أكرر عليه دعوة العشاء واتركها دعوة مفتوحة لأي وقت يحدده، ولكنه يرفض أية رسميات ويشدد على رغبته برؤيتي مرة أخرى في عطلة نهاية الإسبوع.
@kmhiemied ابشر بكملها .. 😊
الآن أنا مشغول بسيل من الذكريات استيقظت وكأنني اقف على نافذة سحرية اشاهد كل الماضي . وأهم ما يشغلني لماذا كان ذلك القلم مهما ، لطالما أهداني والدي أقلاما وكتبا، لماذا هو بالذات من أثار كل هذا الفضول عندما ذكره أحمد، وهل فعلا له علاقة بهوسي الدائم في شراء أقلام شيفر ..
قبل قليل، رسالة من علي " لا ترد بس علمني هو أحمد نشقة؟ "، وأخرى من الدكتور يوسف الرشيدي: " تعال المكتب الليلة وبعطيك قلم جديد"، القصة تلم من حولي الأصدقاء والزملاء والذكريات بتسارع عجيب، سلمان العتيبي بعد سنة من الانقطاع يرسل يشجعني على الاستمرار و يعتذر عن تقصيره في التواصل
لا أريد قلما من يوسف ، وهذه المرة لن اقبل أعذار سلمان، عقدت في نفسي أنني ( لن أصالح ) حتى يعود القلم أو اعرف مصيره ، ربما لمزيد من التجمهر حولي ، اشعر بالسعادة بفضل كل هؤلا القراء المتابعين وشيء من المسؤلية تجاه ما اكتبه ، شعور بالحرية والتحليق بدون تحفظ وخوف، أحمد مازال يتصل
أخاف أن يمنعني من الاستمرار ، هذه السعادة التي تغمرني لا أريد لها التوقف، الثناء والإطراء والاعجاب بقدر ما كنت أحاول التعالي عليها . إلا أنني حقيقة اتلذذ بها، ونعم ماذا يقصد علي بـ " أحمد نشقة " ؟ قبل ذلك لا بد أن أنصف أحمد وارد بإفشاء لقب " عيرة " علي ..
علي وجد في شغفه " القرابع " مهنة، لم يحب الدراسة وتخرج من المعهد المهني فني مكانيكا ويعمل حاليا في أحد المصانع في جيزان، سعيد دائما، بسيط في خياراته، يحول كل شيء من حوله إلى نكتة،وجهه يثير الضحك بمجرد النظر إليه، هو من لقب أحمد بـ"نشقة"، يجب أن ارد على مكالمة أحمد قبل المتابعة.
زخم الذكريات يداهمني ، والكثير من التفاعل من الأصدقاء ، أحاول التركيز في طرف خيط التقطته من ذاكرة ضبابية عن سبب أهمية ذلك القلم ، اتصلت بأحمد اقفل الخط وارسل رسالة : ( أنا في اجتماع ، ساتصل بك لاحقا ) ، هل يستخدم قلمي في توقيع أوراق مهمة أو شيكات بمئات الملايين .. ؟
أعاد الاتصال، مكالمة سريعة لرجل يعطي انطباعا بأهميته وازدحام جدول أعماله، بضحكة مبحوحة وكلمات سريعة :
- فضحتنا
- استأذنتك قبل أمس
- ما دريت انك حقدت والله لو اني ذابح عمي هادي الله يرحمه
أحاول الرد، يكمل: ما عليك ابو هادي استمر موعدنا السبت ومعاي اخوي حسام وسلم لي على قرابع
- فضحتنا
- استأذنتك قبل أمس
- ما دريت انك حقدت والله لو اني ذابح عمي هادي الله يرحمه
أحاول الرد، يكمل: ما عليك ابو هادي استمر موعدنا السبت ومعاي اخوي حسام وسلم لي على قرابع
لا اذكر أن له شقيقا يدعى حسام، لا بد أنه أخوه من والده، اشعر بالحرج، لم يمنحني فرصة السؤال هل هو من تحدثت عن والدته هنا. الخوف يحفز ذاكرتي، تضيئ بلمحات من نهار كان عصرا مثل هذا الوقت والدي يصرخ في أحدهم في بستاننا في منطقة الحصين بنجران والرجل الآخر يهدده بالجنبية ( الخنجر )..
اليوم هو الاثنين والموعد هو السبت القادم، اشعر بضيق المكان والوقت ، شيء غريب آخر ربما يحدث مع الجميع، تختفي الأشياء المتواجدة أمامنا طوال الوقت عندما نفكر فيها ونحتاجها، إما أنني لا أرى الاقلام على مكتبي، أو أن تفكيري في ذلك القلم جعلني لا ارى غيره ، احتاج لشراءه، هذه المرة قاصدا
أشياء سريعة :
طارق خواجي يعفيني من مصاحبته إلى معرض الكويت الدولي للكتاب، ويبدو أنه تحمس أيضا لنهاية القصة مع أحمد عايض، وعلي يرسل يهدد بأن يكشف لقبي " عيرتي " وبقية الأصدقاء، وعيادة الأسنان تؤكد لي موعد زراعة أسنان لهذا اليوم، وابن عمي الأكبر مني عمرا يرسل" تذكرت سالفة الحصين".
طارق خواجي يعفيني من مصاحبته إلى معرض الكويت الدولي للكتاب، ويبدو أنه تحمس أيضا لنهاية القصة مع أحمد عايض، وعلي يرسل يهدد بأن يكشف لقبي " عيرتي " وبقية الأصدقاء، وعيادة الأسنان تؤكد لي موعد زراعة أسنان لهذا اليوم، وابن عمي الأكبر مني عمرا يرسل" تذكرت سالفة الحصين".
لا بأس، منذ الصغر مازال ابناء عمي وأصدقائي من قبيلة يام ، يصححون لي الكثير من الألفاظ، ومازلت حتى اليوم اتحدث بلهجة ضائعة أو هجينة بين لهجة والدي الذي عاش في الحجاز خمسين عاما، وخوالي من قحطان، وخوالهم من القصيم، أي شتات هذا الذي يطبع لساني
طعم الدم والحديد في حلقي، ووجه نصف مخدر، وبنج يزول مفعوله، وألم كالسكين يبدأ خلف عيني من الداخل، اتابع الواتساب، شعرت بالانهاك وطلبت من أحمد أن يختصر علي القصة ويخبرني قبل السبت لماذا سرق القلم ، ولكنه يرفض ويقول أنه سعيد بما اكتب ويؤكد على موعدنا السبت مع أخيه.
يدعي أنه ترك لدي اشرطة رامبو التي كان يحضرها من الرياض ويشاهدها في منزلي، ويطلب مني تذكير علي بملابسه الرياضية التي كان يسلفها له في حصة الرياضة، وعلي يطلبني رقم احمد، وارفض كي لا اغيب عن حواراتهم، ويغمز بأنه يعرف السبب الحقيقي لخروج روجيه من المدرسة، ونترحم على مرزوق
صداع شديد، وأحداث تتراكم، وصحبة جمعتها غرابة الظروف، فعلي ومرزوق رحمه الله يعيشان في حي واحد في منازل نسميها " الصنادق" أي الصفيح ، علي كان يحضر مع مرزوق في حوض وانيت مع مجموعة كبيرة من الأولاد بأعمار مختلفة في الحوض وفتاتين في الغمارة ، يوزعهم على مدارسهم أبو سعيد .
مرزوق اليتيم الأسمر الطويل صاحب الجسم الرياضي، كان يكبرنا بعامين، صامت لا يتحدث كثيرا ، يحضر حين نتورط في المشاجرات، يخرجنا بهدوء ويدافع عنا ثم يذهب ليجلس مع أقرانه في العمر، هو أول من أصر على أن ألعب في فريق الحارة بعد أن كانت مهمتي بسبب سمنتي هي حراسة ملابس وساعات اللاعبين.
لم نكن نعرف عنه شيئاً ولا عن عائلته، أخبرني أحدهم بعد وفاته أنه كان يعيش مع جدته العمياء التي يرعاها بنفسه ، توفي في حادث سيارة وهو في طريقه إلى الخبر للتقديم على وظيفة ما، أحبنا لأننا لم نراه مختلفاً، ولم ندعوه بألفاظ كان يكرهها. ربما كنا مشغولين بالألفاظ التي تطلق علينا.
أما علي الأخ الأوسط في عائلة من ثلاثة عشر أخ ، لم يكن يفكر بشيء سوى أن يضحك، ويورط الآخرين في المقالب ليهرب إلينا، ثم نجري جميعا إلى مرزوق، الذي كان يعرف مباشرة بتورطنا من بكاء أحمد. ما يسمى التنمر الآن هو ما جمعنا حينها في تلك السنوات. وسيلتنا للبقاء على قيد الحياة في المدرسة
الكثير من الردود الجميلة تشرف المنشن لدي، وكم اتمنى لو استطيع الرد عليها جميعا، لكن لا املك الكثير من الوقت بين أن اكتب وأن ارد احتاج لضعف الوقت المتاح، إلا أن هناك رد واحد فقط اثارني، قال مشكورا أن والدي كان سيفخر بابن مثلي، كلمته من حيث لا ادري ارتبطت بالقلم الذي بدأ هذه القصة
- صباح الخير .. كيفك
- هلا ، الحمدلله بخير . كيفكم أنتم
- انت بخير ؟
- ايه الحمدلله ، ليه تسأل
- سالفة القلم اقلقتنا عليك
كان ذلك أخي،يبدو الأمر مبالغاً فيه، ولكن لم استغرب قلقه حين ذكرني بحادثة أخرى، يعتقد أن تعلقي بالقلم قد يكون مشابها لما فعلته عند وفاة والدتي رحمها الله
- هلا ، الحمدلله بخير . كيفكم أنتم
- انت بخير ؟
- ايه الحمدلله ، ليه تسأل
- سالفة القلم اقلقتنا عليك
كان ذلك أخي،يبدو الأمر مبالغاً فيه، ولكن لم استغرب قلقه حين ذكرني بحادثة أخرى، يعتقد أن تعلقي بالقلم قد يكون مشابها لما فعلته عند وفاة والدتي رحمها الله
مركز الملك عبدالله للأورام، في 27 شوال لعام 1439، غرفة في الدور 15، الساعة الثالثة فجرا،أمي بكمامة الاكسجين، علامتها الحيوية تتباطأ تدريجيا، نبضات قلبها، تنفسها ، ضغطها، ، اخواتي يحتضنونها ويبكون ويقرأون القرآن واخي يصرخ على الممرضات في الممر، والآخر متشنج بالكاد يكتم بكاءه
عيناها هادئة تنظر إلينا، وابتسامة شفيفة على فمها،مخدرة بعد أن استسلم الطب واكتفى بمسكنات الألم، لا اذكر شيئا سوى شعوري بالعجز وانا انظر إليها، ولكن اخواتي يذكرون أيضا أني كنت أقف صامتا بجانبها، ثم اقتربت منها وامسكت بيدها، وسألت اختي : وين ساعتها ؟ ..
الغيوم تجمل سماء الرياض تبث في الناس السرور، ولكن الغيوم التي تغطي قلبي قاتمة وشيء ما طعمه مر في حلقي، أعرف أين ساعة أمي ولكنني لا اعرف أين قلم أبي ..
-
-
-
-
نومة العصر فخ للكوابيس، نبشت القصة القبور واحضرت الاحياء والأموات ، لم يكفي اتصالات الاصدقاء والاقارب، بل زاد ذلك ان يحضروا في أحلامي ، امي وابي وعلي واحمد ومرزوق وآخرين.ونعم، نعم، أبو احمد ، عرفته رأيت وجهه في الحلم بمنزلنا القديم في حي الضيافة بجوار ادارة التعليم
ابو احمد صديق والدي منذ أيام خميس مشيط، وزوجته جارة والدتي في حي الرونة، اتذكرهم الان. ولدت انا واحمد في نفس المستشفى العسكري في المدينة العسكرية وكان يسميه اهل المنطقة مستشفى "ويتكر". يا الله كان قبل أن اصل لسن الدراسة حين انتقلنا ولحقنا ابو احمد بعد ان طلق ام احمد وتزوج.
اشترطا أن اتحدث عن قصة مرزوق وابن المؤذن، والصن توب، وحين نسينا علي، وأن اكون صادقا وإلا لن يخبراني عن قصة سرقة القلم، والقصة الأهم التي يريدان مني كتابتها، قصة حبي لابنة عبده راعي البقالة، يصممان على أنها قصة حب، وابرره كاهتمام طفولي فقط، لن اكذب قلبي يبتسم لهذه الذكرى :)
رغم أن ذكرى بلقيس الصغيرة أثارت شجوني، إلا أن العديد من الذكريات عن مرزوق جعلتني أعيد التفكير فيه، ظروفه، مواقفه، أصبح لها معنى، عايشناها كأمر عادي نتعامل معها بدون محاولة لفهم أسبابها، وقد تكون هذه الفرصة الوحيدة لتخليد ذكرى مرزوق الذي أتانا خبر وفاته باردا كصمته ..
يسارع لوالدي يساعده في حمل الخرفان أو كراتين الفاكهة، أحب والدي جدا، وهو نادرا ما يبدي المشاعر تجاه أحد. يقبل رأسه وأنفه كلما رآه. ولعله اكتسب جسمه الرياضي من عمله الدائم، ومشيه أحيانا كثيرة للمسافات الطويلة من منزله للمدرسة ، حتى ابو سعيد كان يلعنه لأنه يرفض الركوب معه
الآن ربما افهم أنه كان يحاول توفير الريالين قيمة المشوار اليومي ذهابا وعودة، يرفض المنة والمساعدة يرفض الشفقة، وحقق ذلك، فمنظره القوي والصلب لم يجعلنا نشفق عليه أبدا، كنا أقوياء بحضوره لدرجة افتعال المشاكل في الحارة،
حتى شعوري بالشفقة عليه الآن ترفضها صورته في عقلي وهو يقف صامتا بنظراته الحادة، غريب أنني لا اتذكر حتى صوته، فقط الشيء الأغرب هو " تسلطه" على ابن المؤذن، صديقه السابق في مدرسة تحفيظ القرآن قبل ان ينتقل لمدرستنا، كلما رآه امسكه مع عنقه وفرك رأسه بكوعه حتى يبكيه ثم يفلته.
تأقلمنا على طبيعة مرزوق لدرجة نداءه عند مرور ابن المؤذن، هكذا خدمناه فيما يحب، لأنه خدمنا في مشاكلنا ، كحراستنا حين سرقنا كرة فريق الحارة الأخرى، وطلبنا من علي الهروب بها إلى عمارة " عظم " تحت الإنشاء ليختبيء ،حيث نسيناه وعدنا، وحظر أخوه في آخر الليل ليسألني عنه وهناك وجدوه :)
رحمك الله يا مرزوق، الآن افهم أن حياتك كانت الأصعب بيننا، وأنك درست في تحفيظ القرآن من أجل المكافأة، وانك كنت تعمل من أجل جدتك العمياء، وافهم لماذا أحببت أبي رحمه الله، لم نشعر بيتمك، ولم تسمح لنا بذلك، لم تشكتي قط، تمشي شامخا بعزة نفسك في ذاكرتي وأنزل رأسي احتراما لك ، رحمك الله
صباح الخير... في الأعلى وقبل أن أنام وبعد أن فقدت طاقة الكلام استطاع قرابع بعد الالحاح أن يجبرني على حجز تذكرة له ليحضر لقاءنا يوم السبت، باعتبار أني مسؤول عن كل الذي يجري الآن.
اعيش أجواءاً جميلة مع المتابعين والأصدقاء أشعر بالغبطة والسرور، وددت لو استطيع شكر كل شخص منفرداً، وأن املك القدرة على تقريب الموعد، وكذلك الأساتذة الأدباء والاعلاميين الذين أكرموني بإعادة تغريد أو تعليق. الواتساب لا يتوقف وكأنه آلة للزمن. أحيت الكثير من الذكريات مع الأصدقاء.
حتى خارج الوطن الدبلوماسي الصديق ماجد أبا العلا من هيوستن على غير المتوقع يفقد صبره ويطالبني بإجراء سريع ضد نشقة قبل السبت، والدكتور محمد ديريه من نيويورك يراقب حالتي النفسية خوفاً من نوبات اكتئاب سبق له أن عايشها معي.
وأحمد يعاتبني على حجزي لتذكرة علي قرابع ويصمم على أنه هو من يفترض به تحمل أية مصاريف تنتج عن القصة لأنه المسؤول عن سرقة القلم في المقام الأول ويتوعده في حال لقاءه يوم السبت بكشف المزيد من أوراق المؤامرة. ثم يذكرني بشرط الحديث عن بلقيس.
صراحة لا استطيع التأكد من اسمها " بلقيس" أم " سبأ " ولكنني متأكد من وجهها الخمري وشعرها الفحمي، وعيناها اللتان تغرقان في خديها إذا ضحكت، رأيتها أول مرة تتعلق في صدر والدها عندما كنت في الصف الأول، وكان هو يجول بالـ " البقشة " على ظهره ويعرض القهوة الخولانية لوالدي
كان عمرها 4 سنوات حين رأيتها في " بير القزاز" الحي الذي كان يسكنه الكثير من أبناء قبيلتي، مقابل منطقة الأخدود، والعم " عبده " يجول هناك يبيع أشياءه، قبل أن يستقر في بقالة على شارع الجيش في حي الضيافة بالقرب من منزلي، حيث طلب من والدي أن يعطيه كتب كل مرحلة اجتازها ليدرس بلقيس
وحين أصبحت هي في السابعة وأنا في الصف الرابع، وعندما ندخل بقالة عم عبده مخططين لسرقة كل صور عصير الصن توب من ثلاجته، أرى كتبي بين يديها واقترب منها، تحدثني عن الحروف والأرقام التي تعلمتها. أحمد وعلي كان يزعجهم خروجي عن خطة السرقة ومرزوق أمام الباب ينتظرنا، منشغلا عنهم مع بلقيس
تعلم أنها كتبي، تقرأ اسمي المدون عليها، وكذلك بعض دفاتري، واعترف بأنني كنت اذهب بعض الأحيان لوحدي اتحجج بشراء بعض الأغراض لأراها، حتى اختفت وأنا في الصف الأول المتوسط ، وسألت والدها إذا ما كان يريد كتب المرحلة المتوسطة لـ بلقيس، وأخبرني أنه زوجها لابن عمها في اليمن.
بلقيس الطفلة التي كانت تضحك على خطي، وترسم على كل شكل هندسي وجه ضاحك، لم تعد بحاجة للكتب، احسب الآن كم كان عمرها حين تزوجت،بأنها تقريباً كانت في سن العاشرة. أحمد وعلي مازالوا يغمزون باسمها لي لأنني كما يقولون ابتسم وتلمع عيناي كلما ذكروها.
علبة تونة، بريال خبز، قارورة شطة، أربع علب ميرندا، وسقارة جافة من بكت أبو أحمد، في ظل جدار مهدود خلف منزلي، في نهار رمضان، تلك ذنوبنا التي مارسناها ولم نحس بتأنيب الضمير إلا في مسألة إنهاء التونة قبل الخبز أو العكس، تلك المعادلة الصعبة، أما الشطة في كل الأحوال سيشربها علي قرابع.
علي متحمس للدرجة التي يطالب أن يكون بطلا للقصة وبرأيه أن أحمد ليس شجاعا بما يكفي، لأن علي تعود بحكم عائلته الكبيرة على المنافسة، خصوصا على الأكل،مع إخوته في منزله، معنا في الحارة، مع الطلاب على المقصف، مع الأولاد على الدور الثاني لأي عزيمة، ستراه وبيده موزة وفي جيبه علبة بيبسي
أحمد يحدثني عن أنه أصبح يشك بأن كل الذين حوله يعرفون أنه المقصود، لدرجة وضع شماغه على وجهه كلما نظر إليه أحدهم، وكل صديق اسمه " علي " اتصل يخبرني أن الناس شكوا فيه، ووجدت أن لقب نشقة دارج لدى الكثير ، ولكن ليس قرابع، الشجاع الذي كادت تقتله شجاعته في يوم مازلت ارتعب إذا تذكرته.
علي يطلب مني عدك ذكر الحادثة التي كادت تتسبب في قلته، لكونها حادثة تتضمن أشخاص آخرين وشبه مشهورة على نطاق المنطقة، وهذا أمر قد يثير الآخرين ويزعجهم، وله الحق في ذلك وبرغم شجاعته التي يدعيها يظل هناك ما يراعيه .
حوادث الطعن والقتل في جنوب الوطن، قد تنتج أيضاً عن خلاف على متر من الأرض ، قيمته المعنوية تتجاوز قيمته المادية، اعتبارات الكرامة والإرث والتاريخ، تجعل كل متر سبباً لجريمة، والمفاجأة أن أغلب تلك الأراضي قد لا يوجد لها ما يثبت ملكيتها رسميا، مجرد أوراق قديمة لشهود أموات.
ليلة أهداني والدي القلم، كنا قبلها نمر على المزرعة جزء منها كان بستانا، أشجار النخيل والرمان والليمون والبرتقال والتين والجوافة، وعريش العنب، ثم قطعة محروثة ومبذورة بالقمح، خربها بسيارته رجل يريد الوصول عبر مرزعتنا، غضب والدي تخاصما هددته الآخر بالخنجر.
تدخل عمال المزرعة وذهبنا لمركز الشرطة وقدم والدي بلاغا ضد الرجل تم حفظه بعد طلب وشفاعة الحاضرين من أقرباء ذلك الشخص وكانوا عسكرا في نفس المركز ووعدوا والدي بزيارة طلب عفو منه . كان يوما مشحونا لم ينتهي عند هذا الحد.
توقفنا عند مكتبة المؤيد في الفيصلية، بعد صلاة العشاء، مازلت ارتعش من الموقف، ووالدي هاديء ، يرتاح في هذه المكتبة وبالحديث مع صاحبها عن الكتب التراثية، التي يشتريها لأقراها له، مقدمة ابن خلدون، الإكليل، شرح ديوان المتنبي وامرؤ القيس، وتوقعت أنه سيشتري كتابا سأقرأه له تلك الليلة.
طالت جلستنا، عرفت أنها طويلة لأني شعرت بالملل، وقبل أن نخرج من المكتبة، اخرج الرجل من درجة علبة وناولها والدي، أخذها في جيبه وركبنا السيارة، كابريس موديل 1986، لها رائحة عطر والدي التي لا أنساها من ماركة جيل ساندر، لم أعد أجد هذا العطر وافتقده كثيرا .
دخلنا المنزل على قلق والدتي التي فاض بها حتى البكاء ، عرفت ما حدث، انتابها الغضب وتمنت لو كانت حاضرة لتواجهه هي أيضاً، لذلك اعتبرها والدي " تسوى قبيلة". جهزت العشاء وأكلنا، وقبل النوم دخل علي والدي طلب مني الاعتدال وفي يده كتاب ..
اشغلت نفسي بترتيب الكتب ليلة البارحة، احاول خلالها تذكر تفاصيل تلك الليلة، ومحاولة لتخفيف شعور الذنب تجاه الكتب التي أهملتها، أو هو محاولة للوفاء لوالدي، الذي ناولني الجزء الأول من ( صبح الأعشى ) فتحته وأنا افرك عيني وقبل أن أبدأ بالقراءة له كما عودني، أوقفني واخرج العلبة من جيبه
- هذا الكتاب مثل الكتالوج حق السيارة والفيديو والاتاري
يعرف أنني احب قراءة كتب التعليمات المصاحبة للأجهزة الجديدة، ولم أفهم قصده إلا حين ناولني العلبة:
- وهذا كتالوج هذا ( وأشار إلى العلبة )
- هذا بس وإلا كلها .. وكنت اقصد بقية الأجزاء الموجودة في المكتبة وكانت كثيرة ...
- كلها
يعرف أنني احب قراءة كتب التعليمات المصاحبة للأجهزة الجديدة، ولم أفهم قصده إلا حين ناولني العلبة:
- وهذا كتالوج هذا ( وأشار إلى العلبة )
- هذا بس وإلا كلها .. وكنت اقصد بقية الأجزاء الموجودة في المكتبة وكانت كثيرة ...
- كلها
أحسست بشيء من الامتعاض، ولكن فضولي لمعرفة ما في العلبة غلب عيني وهي تنظر إليها، ناولني إياها، فتحتها، وإذا بقلم ضخم، امسكته وكان يملأ كل يدي الصغيرة، ومازلت اتذكره كذلك، وربما هذا سبب اخر لعدم قناعتي بكل أقلام الشيفر التي اشتريتها لاحقا حين كبرت، لأنها صغيرة في يدي الكبيرة.
والدي توفاه الله يوم الجمعة 12/10/2012 عن 91 عاما، بعد نجاته من غزو الإمام اليمني لمنطقة نجران، ومن القصاص لجريمة لم يرتكبها في عهد إمارة بن ماضي، والملاريا في السودان حيث درس في البعثة الانجليزية العسكرية، ومن حرب 48 في فلسطين، توفى في العناية المركزة بمستشفى الملك خالد بنجران.
كانت الساعة العاشرة صباحا مثل هذا الوقت واليوم، حين اتصلو بي يخبروني عن وفاته، وكأن الله أراد أن ينقذه من خيانتي لوصيته، التي شدد فيها أن لا اسمح لهم أن يعذبوه بأجهزة التنفس والتغذية وأن يموت سليما من فتحات الجراحة، وكنت أوشكت في الليلة التي قبلها أن اسمح للمستشفى بعمل كل ما يمكن
هكذا نحن يغلبنا الحب، أنانيين، نريد أن نبقي من نحب بغض النظر عن رغبته وعذابه، لم ابكي حتى اليوم، غسلته مبتسما جسمه سليم من الجراحات إلا من أبر المغذيات. ومازال حي في قلبي وعقلي، حاضر في كل يوم، حتى التميس والفول كل جمعة، يكون بجانبي وأنا اشتريه كما تعودت.
علي لم يحضر للرياض من أجل اللقاء، بل استغل الفرصة ليحملني تكاليف تذكرته حين وجدها فرصة لزيارة قريب له في مستشفى الملك فيصل التخصصي، اتصل يريد مني لقاءه وإيصاله، ولكن اعتذرت لأني لا أحب دخول هذا المستشفى، وتركنا اللقاء الأول كما هو للغد وسينشغل الليلة بأقاربه المجتمعين لأجل مريضهم
لماذا اعتبر والدي (صبح الأعشى) كتالوجا (كتيب تعليمات) لقلم شيفر؟
دائما يخبرني أبي رحمه الله أن أرباب القلم هم من يحكمون العالم، وينفعون الناس، ويغيرون التاريخ، يريد مني قراءة كل شيء بالإضافة لكتب الدراسة رغم حرصه على تفوقي. والدي القومي الناصري لم يثق بكتب المدرسة. ذات مرة قال:
دائما يخبرني أبي رحمه الله أن أرباب القلم هم من يحكمون العالم، وينفعون الناس، ويغيرون التاريخ، يريد مني قراءة كل شيء بالإضافة لكتب الدراسة رغم حرصه على تفوقي. والدي القومي الناصري لم يثق بكتب المدرسة. ذات مرة قال:
انهيت مكالمة طويلة مع حسام، ونعم الأخ، والرجل، خفف ارتباكي وتخوفي بهدوء كبير، فضل مكالمتي والاعتذار عن لقاء الغد لارتباطه بسفر يخص عمله، حدثني عن والدته وبالفعل هي زوجة الأب التي ذكرتها هنا، وشرح أشياء عن والدته تشفع لها ما حدث منها. ووعدته بالاستماع للمزيد وكتابة ذلك كواجب علي.
وطلبت إمهالي كي أخصها بما تستحق، عرفانا لاريحيته، وللوفاء بحق والدته، التي تسكن مع أبنائها في منزل اشتراه أحمد بعد وفاة والده. كالعادة لكل قصة أوجه أخرى تغير أراءنا. ولم يتبقى سوى الغد، إجابات لأسئلة عالقة منذ 34 عاما، ارجو أن أجد فيها ما يملأ هذه الفجوة التي انفتحت فجأة في قلبي.
سنلتقي بعد صلاة العشاء في أحد المقاهي الشعبية في الثمامة 😊
وصلت قبل الجميع ولم تمضي خمس دقائق حتى رأيت أحمد يتلفت باحثا عني، أناديه: ارحب، وصل فاردا ذراعيه وعانقني وكأنه لم يسلم علي في الصيدلية قبل أسبوع، ومازال يتقن المواجرة (أسلوب التحية في نجران):
- ماجور والسلامة
- الله يعافيك ويسلمك، ماجور والسلامة
- ما نسيت نجران
- مشتاق لها
- ماجور والسلامة
- الله يعافيك ويسلمك، ماجور والسلامة
- ما نسيت نجران
- مشتاق لها
تكلمنا عن حالي وحاله، سألته عن صحة ما قاله حسام، أكدها. أبو أحمد هو من كان يضربه ويهدد بمنعه من زيارة أمه إذا أخبر أحدا، فكان يتهم زوجة والده، تكلم عن قسوة والده وكيف هرب منه، وعاد إلى أمه عندما كبر وتوظف، ورغم ذلك بر بوالده في مرضه حتى وفاته، وتحمل مسؤولية زوجة والده وأخوته
قطع الحديث اتصال من علي يسألني عن المكان، متأخرا وبنبرة مزعجة يسب ويلعن التكاسي واختياري لهذا المكان البعيد، لا يعترف بقوقل يريد وصفا سمعيا يسألني : أحمد جا ، أحمد جا
-ايه وننتظرك
-يا اخي ما عرفت كيف عايشين بالرياض.
-ايه وننتظرك
-يا اخي ما عرفت كيف عايشين بالرياض.
مرت نص ساعة قبل أن يحضر علي، فاجأني أحمد أنه كان يقرأ لي، روايتي ومجموعتي القصصية وكتاباتي في الساخر وعكاظ، سألني لماذا توقفت عن القصص، وجاوبته بأن ذلك منذ 2010 حين قطعت دراستي في الأردن وعدت للعناية بوالدي، وبحثي عن دخل مالي جعلني اتحول لكتابة التقارير والأعمدة الصحفية.
- الشلة الوسخة
قالها علي متسللا إلينا، لقد شاخ، شعر اشيب وتجاعيد وجهه كأنه في الستين. لم يسمح لنا بالتقاط أنفاسنا، يسلم ويعانق ويسب ويلعن، ويسخر، ويصرخ على عامل المقهى يطلب المعسل والشاهي، يهزئنا لأنه وصل ولم نطلب بعد: طول عمركم رخوم. ثم يرمي علبة كانت بيده على الطاولة.
قالها علي متسللا إلينا، لقد شاخ، شعر اشيب وتجاعيد وجهه كأنه في الستين. لم يسمح لنا بالتقاط أنفاسنا، يسلم ويعانق ويسب ويلعن، ويسخر، ويصرخ على عامل المقهى يطلب المعسل والشاهي، يهزئنا لأنه وصل ولم نطلب بعد: طول عمركم رخوم. ثم يرمي علبة كانت بيده على الطاولة.
مددت يدي بوجه فرح: القلم؟
-خلها لا تلمسها لين نتفاهم
يلتفت لـ أحمد: هيا يا سُرقة، علم الدب الصدق، فضحنا، ثم يخاصمني: انت صاحي في تويتر، والله اني انتظر الهشتقة #علي_قرابع. يا الشكاية.
أحمد يرد: لا تاخذنا بالصوت، فكرة من؟
-ايوه ايوه، يا مدير كبير لبسها للموظف الضعيف
-خلها لا تلمسها لين نتفاهم
يلتفت لـ أحمد: هيا يا سُرقة، علم الدب الصدق، فضحنا، ثم يخاصمني: انت صاحي في تويتر، والله اني انتظر الهشتقة #علي_قرابع. يا الشكاية.
أحمد يرد: لا تاخذنا بالصوت، فكرة من؟
-ايوه ايوه، يا مدير كبير لبسها للموظف الضعيف
تشتت الحديث بين تبادل الاتهامات و الذكريات، تذكرنا مرزوق وأخبرنا عنه علي الذي كان جاره، قصة حياته ووفاته، وكيف مازال الجميع يشك بأن من دفن لم يكن مرزوق، وعلاقته بأبي، كصندوق الأسرار ينفتح بكل شيء. عن الجميلة بلقيس، الذي لم يكن ( عبده ) والدها ، وكيف اكتشفه كفيله الذي يقرب لـ علي.
قصص كثيرة، معلمينا، أصدقاءنا، زيارة الملك عبدالله رحمه الله لنجران عندما كان وليا للعهد، وقوف طلاب المدارس على الطريق الرئيسي بالأعلام بانتظار موكبه، علي وسيكله الذي زين عجلاته بالإسفنج الأخضر للحاق بالموكب. و كيف امسكته الدورية، الماضي ينهمر بغزارة يغمر قلوبنا حزنا وفرحا.
ضج المقهى بنا، لم نشعر بأنفسنا، انتبهنا لذلك وهدأنا، التقطنا أنفاسنا، ومسحت عيناي الغارقة بدموع لم أعد أدري هل سببها السعادة أم الحنين.
-هيا عطوني العلم، مين فيكم الحرامي؟
يعدل علي جلسته: طالبك يا إبراهيم ان تخليني ابدا.
احمد يهز رأسه موافقا.
-هيا عطوني العلم، مين فيكم الحرامي؟
يعدل علي جلسته: طالبك يا إبراهيم ان تخليني ابدا.
احمد يهز رأسه موافقا.
ينظر لي علي: صل ع النبي
-اللهم صلي وسلم عليه
-تذكر يوم وريتنا القلم أنا ومرزوق قبل الطابور
-لا ما اذكر
يسارع أحمد: اها شفت! يؤشر علي له بإصبعه: يا رجال البخ، انت أصلا كل صبح قبل الطابور عند المدير تناشق. علي منفعل، احمد يمتعض من إشارة علي له بالسكوت. وتظاهر بانشغاله على الجوال.
-اللهم صلي وسلم عليه
-تذكر يوم وريتنا القلم أنا ومرزوق قبل الطابور
-لا ما اذكر
يسارع أحمد: اها شفت! يؤشر علي له بإصبعه: يا رجال البخ، انت أصلا كل صبح قبل الطابور عند المدير تناشق. علي منفعل، احمد يمتعض من إشارة علي له بالسكوت. وتظاهر بانشغاله على الجوال.
استمر علي يسرد تفاصيل الجريمة، اشرت له بحركة من رأسي بمعنى: تراك غلطت على الرجال، ينتبه علي ويبادر احمد: افا انت زعلت. يقفز إلى رأس احمد يقبله، يبعده: محشوم محشوم، لا والله بس جتني رسالة ضرورية، انت خلصت؟
-ايه، اسلم خذ المايك
-ايه، اسلم خذ المايك
يبدأ أحمد بكيف دخل الفصل ووجد مرزوق وعلي أمام حقيبتي، يتكلم بهدوء وترتيب أكثر، بعكس علي الذي لم يترك شيئا مهما وغير مهم إلا وقاله، حاول أكثر من مرة المقاطعة، لكن أحمد انتقم ويشير له بنفس الحركة، مما جعل علي ينفجر ضحكا.
كنت اسمع بتركيز، أعيش كل اللحظات حية كالعرض المباشر، التقط كل التفاصيل وأراني في نفس المكان والزمان بنفس الشكل، الوجوه واضحة تعرض أمام عيني على صفحات دخان المعسلات التي ملأت المقهى، كأنني اشاهد فيلما سينمائيا. عيناي تحدق في العلبة أمامي، لم يعد حديثهم مهما كحصولي على تلك العلبة.
يرن جوال أحمد، بلغة أبوية: ابشري ماما، ابشري، كانت ابنته تريد منه احضار شيء ما، ينهي المكالمة، يلتفت إلينا وكنا صمتنا حتى ينهي مكالمته: اليوم هذا لازم يتكرر دائما. حرام ننقطع. والله اني مبسوط فيكم، أجبناه ونحن بالمثل، علي ساخراً يشدد أنه سيكررها مادام أحدهم سيتكفل بقيمة التذاكر.
تعاهدنا على التواصل، يعتذر أحمد بأن بيته في غرب الرياض، علي يقول أنه في نفس الطريق وسيذهب مع أحمد، عرفت أنه يريد الانفراد به ليطيب نفسه، أكملنا الأحاديث وصولا لسيارة أحمد يفتح بابها الخلفي ويناولني كيسا. يغادران ملوحين لي وفي ظهري جناحان كبيران مفرودان أوشك على التحليق بهما.
علي كان يريد منافسة اخوه الأكبر الذي احضر شهادة تفوق من ثانويته وحصل من والده على هدية " تيس "، ففكر أن يأخذ قلمي ليريه لوالده عله يحصل على تيس آخر ثم يعيد القلم، وأحمد لم يكن يريد القلم بداية ولكنه ساعد علي للحصول عليه بإلهائي خارج الفصل.
وفي اليوم التالي أعاد علي القلم لـ أحمد ليضعه في حقيبتي لأن علي في فصل أخر. ولكن أحمد فضل الاحتفاظ به ليريه أمه في الرياض كهدية من المدرسة لتفرح بتفوقه، وهذا ما ظل ينكره أحمد. أما مرزوق فاكتفى بأن لمس القلم وحاول تجربته بدون حبر فناوله لعلي وخرج.
وبغض النظر عن القصص التي تحدثوا عنها. شعرت بأن القلم عاد، ولكن لم يكن أيا من أقلامهم. إنها " الكتابة" لم اكتب شيئا كهذا منذ عشر سنوات. اشعر بسعادة لا توصف . أصبح لدي الكثير من القصص.. بكيت بكاءا لم أعهده، وفي داخلي طفل يصرخ فرحا" " عاد قلمي يا أبي".
تمت
تمت
سأكمل هنا قصة مرزوق
جاري تحميل الاقتراحات...