سأله: «لماذا تبدو وكأنك مُحبط فيما تطرحه من آراء؟». يُجيب: بعدما تخطيت هذه المرحلة من عمري، وهذه السنين من التجارب، بتُّ أشعر بملل شديد من هذه الحياة التي أعيشها كفرد من أبناء هذه الأمة العربية ذات المجد العريض والتاريخ النبيل..
وكل ما يتبع ذلك، وكُل ما قيل عنها في الكتب من كرمِ ضيافةٍ ونبل أخلاق، وتضحية بالغالي والنفيس في سبيل مجد الإسلام، والحفاظ على كرامة العرب. بتُّ الآن لا أشعر بهذه الأشياء موجودة حقّاً في هذه الحياة، فقد غيّرنا بأنفسنا ما غيّر الله فيها، وتحوّلنا إلى زرعٍ غير ذي نفع.
كبيرنا لا يعطف على صغيرنا، ”والوطنية أصبحت عندنا هي المكاسب الشخصية للفرد”، وأصبح ذوو السلطة لا همّ لهم إلا السيطرة ليصلوا إلى الحكمِ بأية وسيلة باسم الأمة ومجدها، ”وعندما يتربعون على الكرسي يكون همهم الأول والأخير الاحتفاظ بهذا الكرسي، ولو ارتفع على جماجمِ الناس!”.
سأله نجم: «أليس هناك جانب مشرق يُقابل هذه الصورة التي أشرت إليها». فأجاب رحمه الله قائلاً: يا سيدي.. نحن نعيش عيشة غير رضية مليئة بالتناقضات: أغنياء وفقراء، تغوص رُكبنا بالذهب وبطون أغلبيتنا جائعة، لقد أصبح كل شيء مستوردًا حتى الإنسان.
[أخذ الكسل منا كل همّة حتى منعنا] عن الإقدام والقيام بأي عمل جليل نحفظ به الثروات للأجيال القادمة، علمًا أن لنا من القوةِ لو أن اقتصادياتنا النفطية والثروات الطبيعية والزراعية والصناعية قد تركزت في استراتيجيةٍ محددة لكنا في صفوفِ الدول المتقدمة في العالم.
”لكن وضعنا البائس اليائس جعلنا نتقن التسوّل في المحافل الدولية، ونشكو [الكيان الصهيوني] الذي لا يزال مستمرّاً كالنار في الهشيمِ يلتهم الرطب واليابس ليحقق إمبراطوريته.. وليس مستبعدًا عليهم أن يقتلعوا أسس المسجد الأقصى، ويخرجوا الإسلام جملةً وتفصيلا من الأراضي المقدسة في فلسطين”.
وبعد إجابته وحتى أن لا يُظن بأننا أمة ضعيفة؛ تحدّث عما نملكه من ثروات، وذكر صحراء جزيرة العرب، وقال: ”وكما هو معروف فإنها تحتوي على ما يتجاوز الـ٦٠٪ من احتياطي النفط في العالم!”. بعد عرضه الطويل سأله نجم -بتصرّف-: «كيف يمكن استثمار ما نملك لتأخذ أمتنا موقعها الصحيح بين الأمم؟».
أجاب: كأنك تقول: لماذا نحن هكذا رغم كل ما لدينا من مقومات؟ وإجابتي على سؤالك هذا ستكون غريبة بعض الشيء، ”ولكننا لو رجعنا إلى أصولنا وإلى حضارتنا الأصيلة وإلى ثقافتنا التي لا يزال كثيرون منا حتى الآن يسخرون ويرددون أن القوة كل القوة لدى الحضارة الغربية!”.
يُكمل: ”يقول الله عز وجل: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ هذا كلام إلهي، نحن أمة واحدة، فلماذا نخالف ما أراده الله لنا بالفرقةِ والتشرذم؟! فالله جل وتبارك يقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ ونحن أبعد ما نكون عن الشورى، شعارنا دائمًا التصفيق، والتطبيل، والنفاق لمن بيدهم الأمور”.
انعدمت بيننا قولة الحق، بل انعدمت الثقة بين أصحاب القرار في الوطنِ العربي، فأصبح الواحد منهم يخاف على نفسه، فيحصِّنها بالعزلةِ بدلاً من الاندماجِ والوحدة، أو على الأقل الاتفاق الفعلي وليس الشكلي على المصالحِ المشتركة لأبناء الأمة الواحدة.
والغريب أيضًا أن معظم قادتنا كثيرًا ما يرددون الكلام عن وحدةِ الصفوف، ولكنهم لا يفعلون، ولو فكروا قليلاً وبعقلانية بعيدة عن العاطفة، لظهر لهم بوضوح أن لا أمل في التقدمِ والتطور إلا بقيام تنسيقٍ عربي مشترك في مختلفِ القطاعات، وأهمها الاقتصادية بقيام سوق عربية مشتركة.
وإني لأقسم لو أن المسؤولين العرب قد قرأوا التاريخ بإمعان ووقفوا أمام تلك الأيام التي كانت الحضارة العربية مزدهرة فيها، لاكتشفوا أن السبب في ذلك الازدهار يرجع إلى تعاونهم وفتح مجال حرية الإبداع على مصراعيه.
حتى أصبحت الأمة العربية تصدر العلوم والفلسفة والفِكر والثقافة إلى الأمم الأخرى، ولكنهم للأسف لم يطّلعوا على التاريخ ولم يتعظوا حتى من الحاضرِ القريب، فكانت النتيجة أننا نعيش الآن في مراحل من الذلِّ والهوان.
كان نجم عبدالكريم سعيدًا بهذا الحوار الذي أجراه مع الدكتور الطريقي، وكان من المقرّر إذاعة الحوار في الساعةِ الرابعة من مساء يوم الجمعة. وفي الساعةِ المحددة وبينما كان نجم ينتظر مع أصدقائه إذاعة الحوار، فوجئ -ومن معه- بأن البرنامج لم يظهر، وقُدمت مكانه فقرات غنائية!
وفي اليوم التالي يقول نجم عبدالكريم: ”استُدعيت إلى ما يشبه المجلس التأديبي، نتج عنه توجيه إنذار وتعزير!”. طالبَ بعد ذلك بإعادة النظر في عرضِ الحوار وإمكانية بثّه على الهواء، وقدّمه إلى لجنة لتستمع إليه، ولكن للأسف مرّت ٣٠ سنة ولم تُجز اللجنة شريط الحوار!
لقيَ نجم الدكتور الطريقي عام ١٩٨٠م، وكانت علامات الشيخوخة قد بدت على ملامحه، فوجده على ما عهده من صلابة، ولكنها صلابة ممزوجة بمرارة، لأن تلك الفترة كانت حافلة بالأحداث وأشهرها معاهدة كامب ديفيد. عندما حاوره من جديد وجده يُكثر من الاستشهاد بالقرآن والسنة ويستحضر أحداث التاريخ.
وبعد أسئلة عديدة، قال له: «لو كان لديك كلمة تتوجه بها لأبناء الأجيال القادمة، فماذا تقول؟». أجاب: أقول: ”إن تجربة جيلنا قد علمتنا أن لا مستقبل لهذه الأمة بدون تكاتفها وتعاضدها وتعاونها، ولا استمرار لهذه الأمة بدون الشورى، على أن يكون شعارها: «أهل مكة أدرى بشعابها»”.
ولما سأله عن تشخيصِ مصادر الأزمة التي نعيشها، قال: ”ببساطه هي أزمة العقل العربي في عجزهِ عن مواجهةِ التحديات”. ثم تحدث عن بعض المثققين وقال: فهؤلاء قصدوا الغرب.. ارتياداً للعلم والمعرفة، فبهرتهم حضارة الغرب بقيمها ومفاهيمها، فأُعجبوا بليبراليتها..
يكمل: ”[فبلغ الانبهار] ذروته عندما حدثت المواجهة بين الحضارةِ الغربية وما نمر به نحن العرب في وضعنا الراهن، فخلق [هذا] الوضع عقدة نقص عند بعض المثقفين العرب، إذ إنهم لم يروا سوى النموذج الغربي، متعامين عن كلِّ المقومات التاريخية والراهنة في واقعهم العربي والإسلامي”.
كتب نجم عبدالكريم في آخر الحوار:
رحم الله الدكتور عبدالله الطريقي، ذلك الرجل الشريف الذي أحبَّ أمته فأحبته، ويتضح ذلك بجلاء عندما يُذكر اسمه، فإنه لا يُذكر إلا بالتبجيل والتقدير والاحترام على الصعيدين الرسمي والشعبي، سواء في الوطنِ العربي، أو في وطنه المملكة العربية السعودية.
رحم الله الدكتور عبدالله الطريقي، ذلك الرجل الشريف الذي أحبَّ أمته فأحبته، ويتضح ذلك بجلاء عندما يُذكر اسمه، فإنه لا يُذكر إلا بالتبجيل والتقدير والاحترام على الصعيدين الرسمي والشعبي، سواء في الوطنِ العربي، أو في وطنه المملكة العربية السعودية.
جاري تحميل الاقتراحات...