ناقد معماري
ناقد معماري

@Archi_Critic

24 تغريدة 102 قراءة Dec 17, 2020
“مَضت قرونٌ خمسةُ يا غالية…كأننا نخرجُ هذا اليومَ من إسبانية”
في هذا الثريد الملىء بالوجع والألم..سأتحسر بعين الناقد المعماري على ما فقدناه في أسبانية... الأندلس المفقود.
عليّ أن أتغلب على نفسي، لأنني سأصف لكم اليوم جرح الأندلس بعدما رأيته، ومشيت عليه، شممت دمائه وقبّلت أوجاعه
على رغم مرور ثلاثة أعوام على زيارتي لأندلسنا المفقود منذ أكثر من 500 عام... إلا أن شبح الجرح الغائر مما شاهدته ما زال يطاردني بين الفينة والأخرى..
لا أعرف كيف سأدوّن لكم مشاعري المتناقضة، أخاف أن لا أفي مشاعري حقّها بالكلمات، أخاف أن تتشابك الحروف أمام هول الفجيعة وألمها.
رغم كون مسافة الطريق من مقر إقامتي في مالقا الى غرناطة لا تتجاوز الساعتين، إلا إنني أحسستها دهراً من طول التفكير في حضارة اندثرت بأيدي المسلمين...
لم أكن أعلم كيف سأواجه كل هذا التاريخ الثقيل بأمّ عينيّ...
بأي لسان سأحدثه.. وبأي مشاعر سأواجهه... كانت فكرة اللقاء بحد ذاتها صعبة
كنت أستمع وأنا في الطريق إلى محمد السلمان وهو ينشد...
يا أرضَ اندلس الحبيبة كلّمي... اني بكيتُ على فراقكِ فأعلمي
لم تُنسني الأيامُ صوتكِ عندما.... ناديتني... فصمتُُّ لم أتكلمِ
وصلت غرناطة... عاصمة الخلافة الاسلامية في الأندلس في ذلك الحين... ويا ليتني لم أصل... كفكفت دموع اليُتم والحزن، حملت ضعفي واشتريت تذكرة الدخول لقصر الحمراء ... وانتظرت ساعة السماح لي بالدخول.
اجتاحني شعور رهيب حينها، شعرت أنني أنتمي الى هذا المكان.
كان قصر الحمراء مبني على تل هضبة جميلة... لم أرى أجمل منها في حياتي ... كان مسار الطريق الى قصر الحمراء مغمورٌ بالحدائق والأشجار.. كانت أشجار السرو والبرتقال تغمرك بروائحها الزكية... كان الطريق الى القصر بحد ذاته فردوساً مفقوداً ...
كان الجو عليلاً ... والسماء زرقاء بديعة... والعصافير ترقص وتغني ببهجة...
كل ركن في هذا الفردوس المفقود ... كان يقول اقترب فأنا أجمل...
لا أستطيع حقاً التعبير عن جمال هندسة تنسيق الحدائق الذي شاهدته...
ألم تر أن الماء يجري بصفحها
ولكنها مدت عليه المجاريا
كمثل محب فاض بالدمع جفنه
وغص بذاك الدمع إذ خاف واشيا.
(من وصف شاعرٌ أندلسي)
كانت الأرضيات مرصوفة بعناية فائقة.. مختلفة الأشكال والأحجام... البعض منها تحفة فنية بحد ذاتها...
كانت ساحات القصر واسعة... وكان عنصر الماء حاضراً في كل زاوية...
وفي هذه اللحظة... اقتربت من منظر بديع لن أنساه...
كانت النوافير تعمل بلا مضخة ولا كهرباء ... في هندسة بديعة لم تُعرف بعض أسرارها حتى يومنا هذا...
كان صوت خرير الماء يبعث على البهجة والسكون والتأمل...
وهنا بدأت أقترب خطوة الى ممرات القصر الخارجية.. وأستمتع بالإطلالة الجميلة على مباني غرناطة القديمة...
كان الماء والخضرة عنصراً أساسياً في أفنية القصر ... لن تجد أبداً فناءاً من دون ماء.. أو خضرة... في منظر بديع لا تود مغادرته...
فناء وماء وخضرة ....
فناء وماء وخضرة ...
فناء وماء وخضرة ....
كانت كل زاوية في هذا القصر عبارة عن درس معماري لعناصر العمارة الاندلسية...
كانت النقوش الجبسية على الاعمدة والكرانيش دقيقة ومتقنة... كانت الأبيات الشعرية ... والعبارات التي تدل على القوة حاضرة في كل هذه الزخارف العربية...
من أكثر العبارات المتكررة في هذه النقوش ... عبارة "ولا غالب الا الله" .... ولهذه العبارة قصة ... ارجعوا لكتب التاريخ لتعرفوها ...
كانت الأبيات الشعرية .. إما أن تصف هذا القصر الجميل.. وإبداع المعماري الأندلسي ، وإما أن تخلد وتمجد الخليفة الاسلامي في الأندلس...
"فيا ابن العلى والحلم والبأس والندى .. ومن فاق آفاق النجوم اذا انتمى"
وأما بهو السباع أو الأسود ... فهو أشهر الأفنية في قصر الحمراء .. ويحتوي في وسطه نافورة السباع الشهيرة، وهى عبارة عن نافورة ماء، يحمل حوضها المرمرى المستدير الضخم، اثنا عشر أسداً، اصطفت بشكل دائري تقذف بالماء من أفواهها وتنساب في قنوات..
كانت نافورة السباع في وقتها إنجازاً علمياً كبيراً ولا سيما في ما يتعلق بسرِّ الساعة المائية حيث تتدفق المياه من أفواه الأسود ساعة بعد ساعة وأسداً بعد أسد ولم يفهم المعماريون الاسبان في قرون لاحقة سرّها العلمي والتقني.
قصر الحمراء ما زال يمجد حضارة المهندسين والمعماريين المسلمين على رغم مضي قرون على بنائه، ليضيف إلى الكنوز الموجودة في البلاد الأندلسية.. تحفة معمارية وتكنولوجية تستحق الوقوف عندها، لا سيما ان كثيراً من المهتمين يعتبره أفضل قطعة معمارية خلفها العرب في الأندلس..
هذا غيضٌ من فيض ...
فما نقلته لكم لا يمثل إلا جزءاً يسيراً مما شاهدته...
ووثقته بالصور ومقاطع الفيديو القصيرة ...
زيارتي هذه ... جعلتني افتح كتب التاريخ .. لأستقي منها كيف انهارت هذه الجنة البديعة ... ففي قراءة التاريخ دروساً وعبر ...
دمتم بخير ...

جاري تحميل الاقتراحات...