حلاوة مصرنا
حلاوة مصرنا

@omdae75

20 تغريدة 300 قراءة Nov 26, 2019
#طومانباي_3
بعد مقتل السلطان الغورى في معركة مرج دابق، أختار المماليك الأمير طومان باى ليكون سلطاناً عليهم، طومان باي كان رجلاً صالحاً ومحبوباً ليس من المماليك فحسب بل و من المصريين أيضاً، ورث البلاد وهى فى حالة يُرثى لها بعد هزيمة "مرج دابق"، وجيوش العثمانيين استمرت فى مسيرها.
واضطر طومان باي إلى مواصلة الاستعداد للقتال، فخرج إلى "الريدانية" وتحصّن بها فحفر خندقا على طول الخطوط الأمامية، ووضع مدافعه الكبيرة وأعد أسلحته وبنادقه وحاول شحذ همة مماليكه وقواته ولكن دون جدوى، فقد جبن كثير منهم عن اللقاء
حتى كان بعضهم لا يقيم بالريدانية إلا في خلال النهار حتى يراهم السلطان، وفي المساء يعودون إلى القاهرة للمبيت في منازلهم.
ولم يكن من شأن جيش كهذا أن يثبت في معركة أو يصمد للقاء أو يتحقق له النصر،
فحين علم طومان باي وهو في الريدانية بتوغل العثمانيين في البلاد المصرية حاول جاهدا أن يقنع أمراءه بمباغتة العثمانيين عند الصالحية، وهم في حالة تعب وإعياء بعد عبورهم الصحراء، لكنهم رفضوا، معتقدين أن الخندق الذي حفروه بالريدانية كفيل بحمايتهم ودفع الخطر عنهم، لكنه لم يغن عنهم شيئا،
فقد تحاشت قوات العثمانيين التي تدفقت كالسيل مواجهة المماليك عند الريدانية عندما علمت تحصيناتها، وتحولت عنها، واتجهت صوب القاهرة، فلحق بهم طومان باي.
والتحم الفريقان في معركة هائلة في (29 من ذي الحجة 922هـ = 23 من يناير 1517م)، وأبلى طومان باي في المعركة بلاء حسنا،
وقتل "سنان باشا الخادم" الصدر الأعظم بيده ظناً منه انه السلطان سليم، وكثر القتلى بين الفريقين، غير أن العثمانيين حملوا على المماليك حملة صادقة زلزلت الأرض من تحتهم، فضاقت عليهم بما رحبت، وانسحب طومان باي ومن بقي معه إلى نواحي الفسطاط،
ودخلت طلائع الجيش العثماني مدينة القاهرة، وأخذوا يتعقبون جنود المماليك في كل مكان.
لم تكد تنتهى معركة الريدانية، ويدخل جنود آل عثمان القاهرة، حتى أعملوا السلب والنهب فى معسكر طومان باى، وسلبوا الغلال وفتحوا السجون، وهاجموا بيوت الأمراء والأعيان ونهبوها.
أعملوا القتل فى المماليك ومن والاهم، ولم يسلم العامة أو العبيد من البطش والقتل، فى مشهد بشع، يتوافق مع ما توعد به سليم الأول "غدًا أدخل مصر فأحرق بيوتها وألعب بالسيف فى أهلها"، وهو الوعد الذى نقله عنه ابن إياس فى كتابه "بدائع الزهور فى وقائع الدهور".
اختفى طومان باى نحو ثلاثة أشهر، نظم فيها المقاومة المسلحة للعثمانيين، ويذكر ابن إياس أنه باغت بقواته معسكر سليم الأول، وانضم إليه سكان القاهرة يلقون الحجارة على العثمانيين.
فر العثمانيون أمام الهجوم المباغت، وأخذ طومان باى بمساعدة الأهالى يسيطر على القاهرة،
كانت ليلة مرعبة بين كر وفر دارت فى القاهرة، سيطر طومان باى على أغلبها أول الليل، لكنه مع تقدم النهار عاد العثمانيون ليسيطروا على الجزيرة الوسطى – الزمالك حاليا – ثم بولاق، وهاجموا منطقة الناصرية وفعلوا بها مذبحة،
ثم توجه العثمانيون إلى القاهرة القديمة، واقتحموا ضريح السيدة نفيسة، ومساجد أخرى كان جنود طومان باى قد تحصنوا بها.
داهم العثمانيون مساجد الجامع الأزهر، والحاكم بأمر الله، وابن طولون، فتحوا الرصاص على الأهالى، ومن أخذ أسيرا قطع رأسه وألقى جثمانه فى النيل.
يقول المؤرخ المصرى الشهير ابن إياس عن تلك الواقعة: "قتل جنود السلطان المماليك، وكل من يشتبه بأنه جركسى حتى فى الجوامع، ونهبوا كل شىء وصلوا إليه، وبلغ من هول المجزرة أنه لم يمر مثلها على مصر إلا أيام نبوخذ نصر، وهولاكو".
من جديد نظم طومان باى جنوده، وعاد مرة أخرى إلى القاهرة، وبعد شهرين من واقعة الغارة الدامية على القاهرة، عاد طومان باى من جديد بجيشه مغيرا على القاهرة من جهة الجيزة، والتقت قواتهما فى المعركة الأخيرة قرب قرية "الوردان" بالجيزة ، وانهار المماليك أمام العثمانيين سريعا.
فر طومان باى مرة أخرى ولكن إلى الشمال تلك المرة، حيث لجأ إلى صديقه حسن بن مرعى فى البحيرة، لكن الصديق كان خائنا فأبلغ عنه العثمانيين، ليقع طومان باى فى الأسر.
أقتيد طومان باي إلى مجلس السلطان العثماني سليم الأول ، وأخذ السلطان يتأمله معجبا بشجاعته وفروسيته، ثم عاتبه واتهمه بقتل رسله الذين أرسلهم لمفاوضته في الصلح، فنفى طومان باي التهمة عن نفسه، وبرر استمراره في القتال بأن الواجب يحتم عليه هذا،
وكاد السلطان العثماني من إعجابه بشجاعة طومان باي أن يعفو عنه، ولكنه لم يفعل تحت تأثير الوشاة الذين حرّضوا السلطان على قتله بحجة أن لا بقاء لملكه في مصر ما دام طومان باي على قيد الحياة.
وألح خاير بك الذى أصبح واليًا على مصر على سليم الأول بإعدام طومان باى،
ليستمر حبس آخر سلاطين المماليك سبعة عشر يومًا حتى أعدم فى ربيع الأول عام 923 هـ - أبريل 1517 م، لتسقط بإعدامة دولة سلاطين المماليك التي أستمرت حوالي قرنين ونصف قرن من الزمان و أيضاً سقوط الخلافة العباسية.
كانت لحظة إعدام طومان باى مؤلمة وحزينة، ولما شنق وصعدت روحه، صرخ الناس عليه صرخة عظيمة، وكما يقول ابن إياس، كثر عليه الحزن والأسى، ليكون أول سلطان مصرى يشنق على باب زويلة، وآخر سلاطين المماليك.
ظل طومان باى يحتل مكانة كبيرة فى وجدان الناس فى مصر، واستمرت تلك المكانة لأجيال عدة بعد إعدامه على باب زويلة، فقد ظل الناس يقراون الفاتحة عند مرورهم تحت باب زويلة فى الموقع، الذى شنق فيه طومان باى حتى سنوات قليلة مضت ترحما على الرجل، وكانوا يشيرون إلى بقايا حبل
فى الخطف الموجود بسقف الممر الذى يتوسط الباب باعتباره الحبل الذي شنق به طومان باى.
اليوم حين تزور "قبة الغورى"، لا تنس أن تقرأ الفاتحة على روح آخر طومان باى، الذى دفن فى القبة التى كانت مخصصة لسلفه السلطان الغورى، دفن طومان باى فى قبر بلا ملامح، لا تستطيع تمييزه اليوم فى القبة.

جاري تحميل الاقتراحات...