ريّم مُحاربة السرطان.
ريّم مُحاربة السرطان.

@cvirem

37 تغريدة 103 قراءة Nov 10, 2019
"قصة إصابتي بسرطان الدم الحاد"
الإنسان لا يستطيع السير على وتيرة واحدة لذلك و أنت تتمعّن عند قراءة قصتي سوف تواجه ضعفي و قوتي وجميع تناقضاتي تحت سقف واحد مما مررت به في حياتي..
كانت الساعة التاسعة مساءً, مضى على موت أبي شهرًا وثلاثة أيام, بينما البيت لا يزال مكتظ بحزنِ فراق والدي من بيننا, كنا جميعنا بغرفةٍ والدتي و أصبحنا حول جناحٍ واحد بعدما كان لدينا جناحين و قد فُقد الآخر..
لم يكن يدور في خلدي يومًا أنني سأكون من المصابين بمثل هذا المرض الخطير..
كانت البداية في الساعة السابعة مساءً شعرت بألم أشبه بالحمى الشديدة, ازدادت رجفة قدماي لم أعد أستطيع الوقوف عليها, لازمني الغثيان و الكفّ عن الطعام, وأصبح الدم يخرج من حلقي بكثرة..
خبئت ألمي عن والدتي كي لا تقلق أكثر فهي لا تزال تحت صدمة فقدان والدي, لكنها الأم تشعر ولو خبئت ألمك خلف مئة جدار..
كانت الخطوة اعتيادية, أرادت والدتي أنت تذهب بي إلى أقرب قسم طوارئ و صرف علاج لي, وصلت إلى المستشفى, استلقيت على السرير و أنا أقول "ما كان له داعي يمه أنا بخير وهذا من تغيرات الجو"..
استلقيت و لم أكن أعلم ما الذي كان ينتظرني..
أجريت تحليل الدم أصبحت أنتظر النتيجة لساعات طويلة , كنت قلقه بشأن الدم الذي يخرج من فمي لأكثر من مرة!
لكني لم أكن أسمح لهذا القلق أن يبين على ملامحي من أجل عائلتي..
مضت الساعات و طلبت من والدتي أن تذهب وتسأل أحدى الممرضات لماذا تأخرت نتيجة التحاليل؟
لحظات محيرة كانت تراودني مليئة بالشكوك و الخوف والدعاء..
سرعان ما قطع هذه اللحظات صوت أمي و هي تقول "راح يجي الدكتور يا بنتي"
قلقت أكثر و أكثر فبالغالب تكون النتيجة مع أحدى ممرضات الطوارئ ليس الطبيب بنفسه!
آتى الطبيب أصبح يسأل عن حالي و بماذا أشعر, و لم تكن إجاباتي سوى أنني بخير وبصحة جيدة و أنني لم أعد أشعر بآلام أخرى, أقترب مني أصبح يلمس عيناي و يكشف عليها, أصبح يطرحُ عليَّ وابلًا من الأسئلة المخيفة..
هل سبق أن نُقل لك دم؟ كيف كانت صحتي النفسية تسير في الأشهر الماضية؟ و كيف أصبحت الآن بعد موت والدي بسبب السرطان؟
كنت أشاهد نظراته إليَّ كانت مليئة بشيء من التردد و الحسرة, ازدادت معها نبضات قلبي التي جعلتني أتذكر حال أبي و تعبه و كل ما كان يشعر به بجانبنا, لم أعد قادرة على الإنتظار, قاطعته قائلة: ما الذي حل بي؟
فأجابني بكل أسف , أنتِ مصابة ب "Acute leukemia" "سرطان الدم الحاد"
لم أكن أستطيع أن أصف تلك اللحظة الثقيلة جدًا, الشيء الوحيد الذي لن أنساه هو أنني أردت البكاء فلم أستطيع, تمالكت نفسي, سرعان ما تذكرت أبي و وجهُ أبي و النظرةُ الأخيرة من أبي..
سرعان ما احتضنتني والدتي و ذرفت دموعها و أصبح صوتها يعلو بالدعاء و المناجاة..
كتبَ لي الطبيب أجراء فحوصات أخرى في الأيام القادمة, أصبح يواسي و يطمنُ والدتي بأنني قوية وقادرة على تجاوز هذه الأيام..
كتبَ لي الطبيب أجراء فحوصات أخرى في الأيام القادمة, أصبح يواسي و يطمنُ والدتي بأنني قوية وقادرة على تجاوز هذه الأيام..
خرجنا من المستشفى و قدماي لم تعد تقوى على حملي, أصبحت أفكر و أتسأل, كيف أُصبت بهذا اللعين؟ كيف لم يعد يكفّ و يكتفي وهو الذي سلب أبي مني؟
كيف سيصبح شكلي؟ كيف سأتحمل أن أنظر لخصلات شعري الطويلة و هي تتساقط على الفراش؟
كيف سأنظر إلى عيناي و هي لم تعد تحاوطها رموشي الكثيفة؟
كيف لملامحي أن تتغير؟ كيف للون وجهي أن يبهت؟
كيف سأحبُ نفسي؟ كيف سأكمل دراستي و كيف سأصبح فتاة منعزلة تمامًا عن البقية؟
وصلت إلى المنزل, ذهبت إلى غرفة أبي أريد أن أنام بها لم تسقط دموعي بعد..
الجميع كان يبكي و في حالة تعجب و صدمة بشأني و كيف لم أبكي و أهتم مثلهم؟
في الحقيقة أنا حزينة جدًا وخائفة جدًا ولكن لم أكن أريد أن أصدق الذي سمعته, أريد أن أكذب كل شيء لكن دون جدوى..
غفوت و حين استيقظت ذهبت مُسرعة لوالدتي مرددة " ما ابي أموت ما ابي أخذ الكيماوي واموت مثل ابوي ابي ابقى كذا قولي لهم انا بخير ما أحس بألم".
حينها بكيت دفعة واحدة, كما لو أن حزن هذا الشهر خرج في هذه اللحظة, بكيت حتى عُدت غفوت في حضنها..
مضت الأيام, أصبحت شخص مختلف كثيرًا, لم أعد أحب نفسي, لم أعد قوية, لم أعد أفكر أن أحاول في ممارسة ما تبقى من حياتي بشكل جيد, فأنا أنتظر الموت فقط..
آتى موعد الحديث بالخطة العلاجية للمرة الأولى, ذهبت إلى الموعد برفقة أمي حين دخلت أحسست وكأن بجدران المستشفى قد سقطت على قلبي واحدًا تلو الآخر لم أكن قادرة على شيء..
أخبرتها بأنني أريد أن نخرج ونعود للمنزل و نؤجل الموعد بيوم آخر, ولكن لم يكن الأمر سهلًا فأنا يجب عليَّ أن أبدأ العلاج بأسرع وقت..
أقبلت على الطبيب تحدثنا بجميع الجوانب المتعلقة بعلاجي و بالجرعات الكيماوية التي ستسري بأوردتي لتحرق كل نقطةٍ بي..
حدد لي موعد أول جرعة, سوف تكون بعد ثلاثة أسابيع من هذا اليوم, ختم حديثه بأنه سوف يرافقني من البداية و سوف يعمل جاهدًا كي أكون محاربة منتصرة بعيدة عن الاستسلام , خرجت من عنده و أنا أجرُ خطاي, و أتخيل كيف ستكون الجرعةٍ الأولى؟ كيف سيكون الألم؟ كيف سيسقط شعر رأسي أمامي؟
مضت الأسابيع, أقبلتُ على الجلسة الأولى, و أنا لم أكن أخشى الموت بقدر خشيتي من أن أفقد شعري الذي أحبه كثيرًا, شعري الذي تمسحُ عليه والدتي في كل ليلة, دخلت النار أوردتي, أحرقتني بالكامل, وسلبت مني كلُ جميل, و ما أخشاه قد وقع..
مضت أربعة أشهر و لم يتغير شيء بشأنِ حالتي, لم أكفَّ عن سؤال أمي, في كل لحظة أريدها أن تجاوبني متى سينتهي كل هذا؟
تعايشت مع المرض, كنت مليئة بالطاقةٍ السلبية, و كل الذي كان بداخلي ما هي إلا تساؤلات, كم تبقى من عمري لأموت؟ و كيف سأموت؟ و ماذا سيحلُ بحالِ عائلتي و أصدقائي؟
بعد مضي فترة قصيرة آتت لزيارتي أحدى صديقاتي, كانت تعملُ جاهدة بأن تخفف عني ما أمرُ به, و لكن هذا أيضًا بدون جدوى..
تحدثت معي قائلة لماذا لا تقومين بفتح صفحة لك على أحدى مواقع التواصل الاجتماعي و تكونين العديد من الصداقات أو تقومين بمتابعة أشخاص مُلهمين يبثون روح الأمل والقوة بداخلك و تصبحين بحالةٍ جيدة بإذن الله..
في البداية لم أوافق على ما تحدثت به, فأنا أريد أن أنعزل عن الجميع, لا أريد أن يروني الأخرين فتاةٍ بلا شعر و بلا رموش تجمّلُ عيني و بلا حاجبان مرسومان كما في كنت في السابق..
أعلم أنني أصبحت فتاة مختلفة عن باقي من الفتيات, وبالرغم من درايتي هذه إلا أن لم يكفُّ البعض عن تذكيري بها , لا أريد نظرات الشفقة تتوجه إليَّ , ولا سأسمح..
آتى اليوم الآخر, فكرت كثيرًا بحديثها معي, قدمت لنفسي السؤال لماذا لا أجرب هذه الخطوة؟ إن لم تنجح و تفيدني للأحسن فهي لن تغير شيئًا بي.
فتحت صفحتي ببرنامج "twitter""
قمت بمتابعة حسابات دينية تقوي ما بداخلي, بدأت أحفظ أجزاءً من القرآن و قريبًا سأكون حافظة له بإذن الله.
أقبلت على متابعة جمعيات مكافحة السرطان, أصبح لدي صديقات, أصبح بيني وبين من يتابعني مشاركة اليوميات و تطورات المرض بشكل عام وكأنهم عائلة أخرى لي , يهتمون لأمري, يخافون و يقلقون..
بيوم من الأيام تحدثت مع شخص ما كأي حديث عادي , ولكن الغريب أن هذا الشخص كان بعد الله , السبب في إسترجاع قوتي و ثقتي بالله و الرضا بما قد حلَّ بي..
كان مختلفًا , كان مبهرًا , لم أكن على درايةٍ بأني سأكون قوية بهذا القدر برفقته, لم يخطر لي بأنني سأكون سعيدة بهذا القدر بجانبه, و كيف أصبحت أتخلص من قلقي في كل مرة قبل أن أقبل على الجرعات..
أنه بروحي ,أشعرُ به دائمًا كان ولا يزال جميع من أحبّ, أعلم أنك تقرأ كلماتي هذه , أعلم أنك فخورًا بي الآن, رغم اشتداد المرض عليَّ, ونهشهُ في جسدي, و استوحاش الأصحاب والأقارب, كنت أنت البيّنة الوحيدة بالنسبة لي..
أنت من رافقني بأيامي السيئة قبل الجميلة , أنا سعيدة جدًا بك , لن أيأس, لن أتعب , سأستعيد حياتي السابقة و سأقف على قدماي مجددًا , سأكون قوية لأجلك..
اليوم فقط أكملت شهري التاسع مع هذا المرض , لا أعلم هل سيتوقف ويكتفي بهذا القدر أو أنه لا يزال ينتظرني الكثير برفقته, و لكني أعلم بأنني سأبقى قوية, في كل صباح كنت أرى خصلات شعري تتساقط واحدة تلو الأخرى , والآن قد سقط بأكمله..
الآن كل ما عليَّ و أن مت أموت و أنا محاربة قوية صامدة لا تخضع , سأحارب إلى أن أنتصر, و إن لم يُكتب لي الإنتصار أريد أن أموت صابرة محتسبة..
بعد أن يتوفاني الله بهذا المرض أو بعد أن يطهرني منه, أريد أن تكون قصتي و معاناتي هذه مصدر قوةٍ لكم..
ينفطر قلبي لأنني مضطرة أن أنهي قصتي, وأن تسببت لكم بالحزن , أعدكم بأني أحارب حتى النهاية..
ريّم
١٠,نوفمبر ٢٠١٩

جاري تحميل الاقتراحات...