يغمض أحمد عينيه مصغيا لصوت أخصائية التأهيل ويردد أااه ، إييي ،، تكسو وجهه تكشيرة حائرة حين يكتشف انه أخطأ في تفسير أصوات اممممممم ، أوووووو ، اسسسسس ،، اشششش ، تطمئنه أخصائية التأهيل السمعي اللفظي : هذه الجلسة الأولى
نركز على أصوات "لينج " الستة لنختبر قدرة عمل الجهاز في جميع الترددات .. صدق انك تسمع ، القوقعة أتاحت الأصوات ، نحتاج للوقت والتركيز ليترجم المخ معناها ..الطريق طويل وهذه البداية
يضحك شقيقه كريم في خبث ويداعبه مستغلا قدرته الفائقة على قراءة الوجوه :
انت محبط كدا ليه ؟ انا لما مش بسمع كويس بقول لها تعيد الصوت تاني ....أصغي لأمومتي الحامدة ؛ كبر الطفلان .
انت محبط كدا ليه ؟ انا لما مش بسمع كويس بقول لها تعيد الصوت تاني ....أصغي لأمومتي الحامدة ؛ كبر الطفلان .
منذ مايقترب من ربع قرن التحق ابني احمد -الأكبر ذو الصمم العميق والذي يرتدي سماعتي أذن ويتواصل من خلال الكلام وقراءة الشفاه - بالمدارس النظامية كالسامعين ، كنا نخفي صممه كي لا يحول إلى مدارس أطلقوا عليها اسم " الأمل " لكنها لاتحمل أملا في الالتحاق بالتعليم العالي .
حرصنا على تميزه التحصيلي ليستمر ، كنا ندرس المناهج قبل تدريسها بالمدرسة للتغلب على صعوبات تواصله ، وكان مجتهدا شغوفا حريصا على مشاركة زملائه ،
يطلب يوما من زميله أن يكتب له السؤال الذي يلقيه أستاذه ...يرفع يده ...تبدو مفاجأة أستاذه من إجابته الصحيحة ...يصفق الزملاء ويظل صدى التصفيق في ذاكرة أحمد
وعلى الرغم من تقديراته ونتائجه الممتازة ، في صفه الرابع الابتدائي ، تصدمني عودته من المدرسة حزينا ليحكي كيف أخفى ( الأستاذ ) شفتيه بورقه وقال كلاما يشبه " اضضضغغغغغغغغغ " ، وتابع أحمد باكيا : لم أفهم ماقاله ... لم أسمع ...لكن عرفت : مفيش مدرسة تانى علشان مش سامع ،
لقد حرمه الظالمون من قراءة الشفاه وسيلة تواصله الأهم ، ثم أصدروا حكمهم بلا استئناف بحرمانه من التعليم النظامي العام ، و أجبر طفلي على ترك المدارس النظامية ، وتحملت الأسرة مسؤولية تعليمه مناهج السامعين منزليا ،،،،،،،،، ويصمم أحمد معنا على اكمال الطريق
لم تكن فرحتنا باجتيازالثانوية العامة كافية للتغلب على صعوبات صراع المنافسة في مكتب التنسيق ؛ فقرارات المجلس الأعلى للجامعات المصرية تسمح لمن لديهم إعاقة تعوقهم عن تدوين المحاضرات باستكمال دراستهم الجامعية في كليات نظرية هي الآداب والحقوق دون منافسة من غيرهم في مكتب التنسيق ،
ولم يكن ذلك-وفق رؤيتنا - طريق التمكين ،،تميز أحمد منذ طفولته بقدرة مبهجة على رسم شخصيات الأسرة بتفاصيل مميزة ؛ طنط أمل بشعرها القصير وفستانها المزدحم بالورود ، جدو بنظارته المربعة وشنبه المرتب يعلو فمه الضاحك ، صديقه محمد بشعره المجعد المميز وشورته القصير
وسعينا ليكمل دراسته العالية في الفنون التطبيقية .
يصفعني مسؤول كبير في المجلس الأعلى للجامعات : فنون تطبيقية ؟ دي كلية بتاخد اكتر من ٩٠٪ ،احمدي ربنا انه هيكمل تعليم عالي في اي حاجة وشجعيه يدرس حقوق أو آداب !!!
يصفعني مسؤول كبير في المجلس الأعلى للجامعات : فنون تطبيقية ؟ دي كلية بتاخد اكتر من ٩٠٪ ،احمدي ربنا انه هيكمل تعليم عالي في اي حاجة وشجعيه يدرس حقوق أو آداب !!!
تتعجب موظفة أخرى : إزاي أصم ودرس ثانوية عامة ؟ وأصرخ : عاقبونا لأننا حاولنا وتعلمنا ونجحنا.
ولم يكن أمامنا سوى معهد خاص بمصروفات بدت مرهقة لأسرة متوسطة تضم فردين من ضعاف السمع بما يتطلبه هذا الضعف من معينات سمعية وصيانة وبطاريات ،
ولم يكن أمامنا سوى معهد خاص بمصروفات بدت مرهقة لأسرة متوسطة تضم فردين من ضعاف السمع بما يتطلبه هذا الضعف من معينات سمعية وصيانة وبطاريات ،
، أعترف بأن هذه المصروفات -رغم ضخامتها في تصورنا - لايمكن مقارنتها بما فرضته زراعة القوقعة لاحقا من أعباء.
في المعهد العالي للفنون التطبيقية تخلص أحمد من اسم شهرته في المدرسة الابتدائية ( أحمد سماعات ) ، واختار لنفسه لقبا أحبه وصار اسم شهرته فيما بعد ، وأتيحت له دراسة عملية أحبها وتميز بها في قسم التصميم والإعلان ، وقدم له المعهد بعض الخدمات المساندة للتغلب على مشكلات التواصل
حرصت إدارة المعهد على توفير معظم المحاضرات في صورة مكتوبة ، وكان الأساتذة أثناء الاختبارات يكتبون تنبيهاتهم الشفوية لأحمد ، كما أتيحت له جلسات فردية بدعم المعيدين للإجابة على استفساراته في بعض المواد النظرية ،
لقد منح التعليم العالي في هذا المعهد لاحمد مجتمعا محبا داعما من الزملاء الذين كانوا يسألونه بعد كل محاضرة : فهمت كل الكلام ؟ لم يتوقف دعم زملائه على فهم المحاضرات بل يسروا مشاركته وقيادته لبعض الأنشطة حتى انتخابه في سنته النهائية ضمن اتحاد الطلاب .
حصل احمد على بكالريوس الفنون التطبيقية بتقدير جيد جدا على الرغم من اقامته في مدينة بعيدة عن الأسرة ، وتفرض موهبته في التصميم نفسها ويعمل متنقلا بين عدة شركات ، ويستقر في شركة عالمية موظفوها متعددو الجنسيات
جاري تحميل الاقتراحات...