سعيد صالح | Saeed
سعيد صالح | Saeed

@s3eed_176

26 تغريدة 115 قراءة Nov 08, 2019
#الموسيقي
"كان عبقرياً متعدد المواهب، وعلامة فارقة في تاريخ الفن العربي"
سلسلة تغريدات عن "زرياب"، المسلم الذي أسس أول معهد للموسيقى في التاريخ:
هو أبو الحسن علي بن نافع، الملقب بـ "زرياب"، تغلّب لقبه هذا على اسمه واشتهر به، وزرياب هي كلمة فارسية وتعني "ماء الذهب".
ولد زرياب في بغداد سنة 161 للهجرة، وتتلمذ هذا الفتى الموهوب على يد إسحاق الموصلي (الذي كان من أشهر المغنيين والموسيقيين خلال العصر العباسي والذي بلغ أعظم المنازل وأعلى الرتب عند ستة من خلفائهم) وكَبُر في كنفه.
والذي بدوره لم يبخل على زرياب بشيء يعرفه وبحكمة يملكها، فعلّمه ودرّبه وزوّده بالقيم والسلوكيات الحسنة ليجعل منه فناناً بارعاً قلّ أمثاله.
ولكن لم تستمر العلاقة بين المعلم وتلميذه بهذا الشكل الحسن، ورحل زرياب عن بغداد مع عائلته تاركاً أقربائه وأصدقائه خلفه ليتوجه إلى المغرب العربي ومنها إلى الأندلس.
حاملاً في جعبته العديد من العلوم والفنون الموسيقية، والكثير من العادات والقيم والتقاليد في مختلف المجالات العلمية والأدبية والاجتماعية لينقلها من المشرق إلى المغرب.
بداية رحلته نحو الإبداع:
بعد أن غادر زرياب بغداد مجبراً حلّ ضيفاً في المغرب العربي ولكنه لم يتمكن من البقاء هناك طويلاً فلم يجد أمامه سوى الأندلس، فراسل الخليفة الأموي الحكم بن هشام في قرطبة، ليأتيه الرد سريعاً دون تأخير برغبة الخليفة في حضوره وتواجد مثل هكذا بلبل في بلاطه.
ولكن وما إن وطأ زرياب أرض الأندلس حتى وافاه الخبر بوفاة الخليفة وتولي ابنه عبد الرحمن الثاني الخلافة، مما أولد حزناً لدى زرياب الذي وجد إن الأبواب تنغلق في وجهه واحداً تلو الآخر إلا أنه تفاجأ في النهاية بإرسال الخليفة الجديد في طلبه وإبداء رغبته في حضوره للبلاط الأموي.
فَقَدُم زرياب القصر مع عائلته ليستقبلهم الخليفة أحسن استقبال، استقبال يليق برجل موهوب وعبقري في مجالات عديدة، وراح يستمع إلى صوته العذب وألحانه المتقنة وأخباره عن الدول والبلدان والأمراء وأفكاره في مختلف العلوم والمجالات ليُعجَبَ به أيُّما إعجاب.
مما دفعه لأن يخصص له راتباً شهرياً يُقَدّر بمئتي دينار، ولكل فردٍ من عائلته عشرين ديناراً، بالإضافة إلى عقارات وبساتين تُقَدر بـ أربعين ألف دينار، إلى جانب القيمة والمكانة التي يستحقها، وهذا ما لم يكن يتوافر لكبار العلماء من قبله.
كل ذلك فتح المجال لزرياب لأن يبدأ رحلته نحو الإبداع والعظمة، ويمضي في تكوين أسمه وحفره على صفحات التاريخ، وتقديم ما لديه من أفكار للإنسانية.
إسهامات زرياب في المجال الموسيقي:
قدّم زرياب إسهامات عديدة وتجديدات عبقرية في المجال الفني مشكلاً بذلك أساس الفن الراقي والمبدع الذي أتى من بعده، والذي استمر فضله ودوره حتى يومنا هذا.
فقد أدخل تحسينات عديدة على آلة العود، فجعلها أخَف وزناً، وأستخدم في صناعة أوتاره مواداً جديدة كالحرير ومصران شبل الأسد، وكذلك قام بإضافة الوتر الخامس إلى العود والذي رأى فيه زرياب ضرورة لإستكمال مجموعة النغمات والأصوات التي تخرج من العود ولزيادة الحرية في أداء الألحان المختلفة.
بالإضافة إلى إنه قام بتغيير المضراب الخشبي الخشن والذي يؤذي الأوتار ويتسبب في اتلافها فيما بعد واستبدلها بمضرابٍ من ريش النسر الأكثر ليونة ونقاوةً وخفةً على الأصابع والذي يحافظ على سلامة الوتر لمدة أطول بكثير.
وقد نقل الزرياب كل ما سبق له معرفته من آلات موسيقية في بلاد المشرق إلى الأندلس، وأخذ يتفنن عليها ويبتكر فيها ليجتمع بذلك في الأندلس ثروة كبيرةً جداً من الآلات الموسيقية لم تجتمع في أي بلد قبله، ليصبح بذلك زرياب حلقة الوصل التي نقلت الفنون الموسيقية وآلاتها من الشرق إلى الغرب.
قام زرياب بتأسيس مدرسة للغناء والموسيقى، والتي تعدّ أول مدرسة في التاريخ لتعليم علوم الموسيقى وفنون الغناء وقواعد اللحن والإيقاع، والتي أصبحت في مدة قصيرة قبلة لعشاق الفن والموسيقى ليس من العالم الإسلامي فقط وإنما من مختلف بقاع العالم!
واتبع زرياب في مدرسته فلسفة تعليمية خاصة به تقوم على أسس علمية في الصوتيات والموسيقى، والتي كانت تبدأ بإجراء اختبار لأصوات المقبلين على المدرسة قبل البدء بتعليمهم، فبذلك يعد أول من وضع أسس وقواعد لفحص المبتدئين الراغبين في التعلم.
وضمت مدرسة زرياب طلاباً عرب ومسلمين وأوروبيين أيضاً، والذين ساهموا في نقل الموسيقى الأندلسية إلى أوروبا لاحقاً.
ويعتبر زرياب كذلك أول من وضع قواعد علم الصول فيج وتربية الصوت والسمع والقراءة الموسيقية، وأول من افتتح الغناء بالنشيد "الموّال" قبل البدء بالنقر والعزف، وكما أنه كان يتمتع بقدرة هائلة على حفظ الألحان والأغاني، فيُقال إنه كان حافظاً لعشرة آلاف مقطوعة بغنائها وألحانها!
إسهاماته في الحياة الاجتماعية:
لم يكتفِ زرياب بالإبداع في المجال الفني والموسيقي فقط وإنما أبى إلا وأن يترك بصمته الواضحة في الحياة الاجتماعية والعادات اليومية للمجتمع من حوله كذلك، ليضع بذلك أساس المجتمع الراقي المتقدم والمتحضر، وأساس الإنسان المدني المهذب بفعله وسلوكه.
حيث وضع زرياب للطبقات الراقية قواعد السلوك وآداب الجلوس والمحادثة والطعام حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آداب وسمّوه "معلم الناس المروءة".
ودرب زرياب هؤلاء على إعداد مائدة راقية، تقدم فيها الأطباق حسب ترتيب خاص، فتوضعُ أولا أطباق الشوربة والسواخن، تليها أطباق اللحم والطيور المتبلة بالبهارات الجيدة، وفي النهاية تقدم أطباق الحلوى.
واستبدل غطاء الكتان من موائدهم الخشبية بالجلد الأملس الناعم، لسهولة تنظيفه، وأيضاً ابتكر ألواناً من الطعام لم يعرفوها من قبل، إضافة إلى ما نقله لهم من ألوان الطعام البغدادي وطرق إعداده.
علم زرياب أيضاً أهل الأندلس فن التجميل والعناية بالبشرة ونظافة الجسد والبدن، حيث يعد أوّل من استخدم مساحيق ومركبات لإزالة رائحة العرق، ويُعتقد أنه أول من أستخدم ما يشبه معجون الأسنان في تنظيف أسنانه دون أن يتم إلى الآن معرفة محتوياته.
وعلمهم كذلك أناقة الملبس وتنويعه بين أوقات اليوم صباحاً ومساءً وبين الفصول الأربعة وتقلبات الجو المختلفة، وقام بإدخال قصات وتسريحات شعر مختلفة لكلا الجنسين لم يكن يعرفها الأندلسيون من قبل.
كانت هذه سيرة رجل عبقري ظلمه التاريخ الإسلامي، وتم اعتباره أحد أسباب سقوط الأندلس بحجة أنه ألهى المسلمين بالطرب والغناء! وما ذلك الا محض هراء، فالفن لا يسقط الدول، لكنها حجة الجهلاء.
فيا تُرى كم من مبدع تم تشويه تاريخه أو طمسه لأنه كان ضالاً أو زنديقاً في أعين المؤرخين؟

جاري تحميل الاقتراحات...