د. عوض بن إبراهيم العقل
د. عوض بن إبراهيم العقل

@TheThousand_MAN

18 تغريدة 382 قراءة Nov 06, 2019
أسطورة الديك والغراب:
١. ملخصها أنّ الغراب خدع الديك واستلب منه جناحيه ففقد الديك الطيران، وحظي الغرابُ بالطيران في الأرضِ كلها.
٢. تُطرحُ هذه الأسطورة لرمزية الخداع والسذاجة بين الغراب والديك
وهذا ما أشار له (عبدالواحد الدحمني) في (الأسطورة والسرد وجمالية الشعر: دراسة في قصيدة لأمية بن أبي الصلت).
٣. وقد تناول (عبدالواحد) هذه الرموز مركِّزًا على طريقة تقديم الأسطورة في الشعر العربي القديم.
٤. والذي لفتَ انتباهي في (أسطورة الديك والغراب) هو اقتران هذين
الطيرين في الثقافة العربية القديمة، وأنّ هذا الاقتران ليس تضادًّا في الحقيقة، بل هو بيانٌ لأثر المكان على السلوك من جهة أنّ الغراب طيرٌ يعيش في المدن وكذلك الديك، والفارق بينهما طيرانُ الغراب وعدم طيران الديك رغم ما يتمتع به الديك من حسن الصوت وجمال الألوان، وما يتصف به الغراب=
من بشاعة الصوت واللون وضعف البنية الجسمية.
٥. المكان هو الحانوت، والعمل هو المنادمة على شُرْبِ الخمر، والسلوك هو الخداع والسذاجة.
٦. ورغم ما وجدتُ من قراءة تجعل (الغراب) رمزًا للمكر والخديعة، و(الديك) رمزًا للأمانة في تأكيد على ثنائية التضاد حتى وإن كان التحليل لا يدلُّ على=
التضاد ولكنه في الحقيقة يكشف عن تأصل النظرةِ الثنائية للأشياء، ويدل على الرؤية الحدّيّة التي تقسم الأشياء إلى (مفيدٍ) و(ضار)، و(أسود) و(أبيض)، و(شر) و(خير)، وفي ذلك قال أميّة بن أبي الصلت:
(وخان أمانةَ الدّيكِ الغرابُ).
ولكن الذي يظهر لي أنّ (أسطورة الديك والغراب) رمزٌ =
للخلق في التجمعات المدنية من خلال ما يلي:
(١) الديك والغراب من سكان المدن.
(٢) الحانوت متجرٌ في المدن.
(٣) الحانوت ملتقى المختلفات بينما البادية تكون التجمعات فيها موحّدةً من قبيلة واحدة، ولا يسمح للغريب فيها إلا بعد معرفة الناس به.
(٤) الحيلة خلقٌ يكثر في المدن وقد أشار لذلك (ابن خلدون) في (مقدمته).
(٥) الخلقان المرموز لهما بصورة الغراب والديك ليسا متضادين بل هما رمز لخلقٍ يقف في الخلف، وهو تفسير لسلوكيات الحيوان فالغريب وإن كان مخادعًا لكنه ذكي، والديك وإن كان أمينًا لكنه ساذج.
إذن، نحنُ أمام موازنةٍ بين (الذكاء) وإن كان غرابًا، و(السذاجة) وإن كان ديكًا زاهي الألوان.
ويمكن أن نأخذ من هذه الأسطورة التحذير من الانخداع بالشكل أو الظن فيمن زها لونه، وكبر حجمه الذكاء والقوة، ونظن فيمن اغبرّ لونه وصغر حجمه الغباء والسذاجة بل لابد من التدقيق
والتحليل وعدم الاتكال على الكلام؛ لأنّ الكلام ليس ميثاقًا في التجمع المدني الذي يجمع أطيافًا مختلفةً من المخلوقات.
ولعل ظهور القصص على لسان الحيوانات علامةٌ من علامات العقلية الحضريّةِ التي تسكن المدن وتتمتع بالانفتاح على جميع الأطياف=
ومما يدفعني لهذا الكلام أنّ (أمية بن أبي الصلت) رجل من مدينة (الطائف)، وهو من دهاةِ العرب الذين أشار لهم (الجاحظ) في كتابه (الحيوان)، ولأنه مثقّفٌ ثقافةً تعليمية لم يكتسبها في البادية بل اكتسبها من دخوله في مراكز التجمعات البشرية الموجودة في زمنه.
ولعله أراد أن يستفيد من هذه الأسطورة في خدمة مشروعه ليكون نبيًّا يوحى إليه، فقد قال الجاحظ عنه:"كان داهيةً من دواهي ثقيف، وثقيفٌ من دُهاةِ العرب، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنه كان قد همّ بادّعاء النّبوة، وهو يعلم كيف الخصالُ التي يكون بها الرجل نبيًّا أو متنبّيًا إذا اجتمعت له"
هذه الصفات التي يحظى بها (أميّة) تكشف طريقته في إقناع الناس بالنبوة أو التمهيد لذلك من خلال طرح التعليلات الغريبة لأسطورةٍ متداولةٍ بين العرب؛ لأنه من غير المقنع أن يعيد (أمية) الأسطورة المتداولة دون أن يضيف إليها ما يخدم مشروعه التّنبؤي.
ومما يشير إلى ذلك قوله:
فلما أضاء الصبح طرّب صرخةً
ألا يا غرابُ هل سمعتَ ندائيا؟!
إنَّ هذا البيت تعليل جديد وغريب لزاويةٍ من زوايا أسطورة منتشرةٍ بين الناس، وهي (صياح الديكة) عند الصباح، وهذا التعليل مناسبٌ لما وصف به (أميّة بن أبي الصلت) من الدهاء من جهةِ أنّ في هذه الأسطورة زاويةٌ لم يتطرّق
لها التعليل وهي الصياح الذي يسمعه الناس كل صباحٍ من الديكة، وأنه بسبب الخديعة التي عملها الغراب في الديك، وبسبب سذاجة الديك التي لا يدلُّ عليها مظهره.
إنَّ التناقض بين شيئين أمرٌ يمكن تعليله أو اكتشاف سببه، لكنّ التناقض عندما يحدث في الشيء الواحد يدعو إلى التساؤل
ويبعث على البحث عن الحكمة خلف هذا التناقض الذي يحمله جسمٌ واحد.
وقد أشار (أمية) لعلّة هذا التناقض في قوله بأنّ الخمر سبب السذاجة وسبب الوقوع في حبائل الآخرين:
ولا غرو إلا الديك مدمن خمرةٍ
نديمُ غــرابٍ لا يمــلُّ الحوانيا
وبعد هذا يمكننا القول بأنّ (أمية بن أبي الصلت)
وظف الأسطورة الشعبية في وقته (الديك والغراب) لخدمة مشروعه (التنبؤي) من خلال كشف زاويةٍ غير معلّلة في (أسطورة الديك والغراب) وهي (صياح الديكة) عند الصباح، وهذا التعليل يعزّز حضوره المعرفي، وقد يقنع غيره بقبول تعليله مما يعزز من حظوظ
كونه (النبي) الذي سيبعث في العرب خاصةً إذا ربطنا ذلك بتثقفه العلمي، وتنوع مصادر ثقافته، ودهائه، وظنه أنّ النبوة منحة تأتي لمن حظي بقوة (التعليل) للأشياء غير المعللة، والله أعلم.
شكرًا لكم 🌹
@Rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...