خلنا نتكلم اليوم عن هوية الشهادة العربية والشهادات الأجنبية من منظور مختلف نوعاً ما،ومن باب أنه أتحدث بشكل أوسع عن نقطة الإنتماء والبحث عن وطن،الأمر خذ مني سنوات لأجل أن أصل لفهم لعمق هذه الإشكالية، ومن يدري ممكن أحد يقرأ هالكلام ويكون مصدر راحة له ويساعده في رحلته لتقبل نفسه.
من أول ما بدأت الدراسة في الجامعة، أو تحديداً من لحظة وصولي للسودان، كنت فعلا أحس أني مختلفة، طريقة اللبس، اللهجة الواضحة، أني أتكلم بلكنة ظاهرة،ربما حتى الأفكار والتوجهات وغيره،ما كان عندي معرفة عن البلاد إلا من كلام والدي ووالدتي الله يعطيهم العافية، ونظرا لظروف السكن...
كنا بعيدين عن نوعا ما عن الاختلاط بأهل البلاد، اضافة لأني درست مع جنسيات مختلفة وثقافات وديانات حتى مختلفة،فخلق عندي تنوع لغوي وفكري، بالرغم من صغر السن،لكن أظن العامل الحاسم هو المجموعات الي تكونت في فترة المدرسة، وأي حد درس في الخليج يعرف كيف تكون "الشلل"، اضافة لأننا كبرنا حول
ثقافة أهل البلاد،من اللغة إلى اللبس إلى الأكل،الشي هذا يساعد أنه في فترات عمرية مبكرة الشخص يتأقلم ويكون ارتباط بمجتمعه، فما ظهرت الحاجة لتوجيه الأسئلة من نمط "من أنا".حتى جا وقت الجامعة،يمكن لأنه الآن أنا أنظر بتعاطف وتفهم لشخصيتي، إني وصلت لرضا ومسامحتها بالرغم من كل الآلام.
لما جيت لهنا، كان التعليقات كلها عفوية، بابا وضح لي كيف أنه فكرة "المغترب" لها تبعاتها الثقافية والاجتماعية، وأنه تفهم من وين تيجي هالأشياء راح تساعدني،لكن مع ذلك كان الموضوع مزعج نوعا ما، خصوصا اذا ماكان الشخص يحقق جميع المربعات في قائمة التحقق لل"الشهادة العربية"، ووجود..
طبقات وصفية ثانية، الموضوع ما بدأ يأخذ حيز من رأسي وتفكيري إلا لما بدأت فعلا انتبه لبعض التعليقات وإلي أي شخص ممكن يميزها بسهولة
"بتركبي مواصلات"
"أكيد ما تاكلين..."
"ليش تلبسين جي؟"
"كلها كم شهر و..."
"عشان كده ناس الشهادة العربية..."
مرات كانت التعليقات عادية ومازحة ومرات كثيرة
"بتركبي مواصلات"
"أكيد ما تاكلين..."
"ليش تلبسين جي؟"
"كلها كم شهر و..."
"عشان كده ناس الشهادة العربية..."
مرات كانت التعليقات عادية ومازحة ومرات كثيرة
كانت جدا جدا جارحة، مرة من المرات كنت في استراحة الكلية وصدقا سمعت بنتين خلفي يتكلمون وواحدة فيهم تمت تشتم في "بنات الشهادة العربية" وكلام جدا جارح،ربما هي وصمة أو شي يلاحق الانسان، ما أدري بس كان الموضوع بدأ فعلا يؤذيني جدا،وكنت عقليا بعدني في مراحل وعيي الأولى،قضية الهوية...
ما كانت اشكالية في المدرسة،ربما لأنه لما يكبر الانسان في مجتمع متنوع ثقافيا يقدر يكون علاقات ويتعايش،ربما.
بدأت أني أغير في طريقة لبسي قليلا،في عقلي الوقت ذاك،"لو غيرت شوي ممكن الناس تتقبلني" شي بسيط مثل لون الحجاب أو طريقة لبس الأحذية،كنت موب راضية عن نفسي،لكن كان في خوف...
بدأت أني أغير في طريقة لبسي قليلا،في عقلي الوقت ذاك،"لو غيرت شوي ممكن الناس تتقبلني" شي بسيط مثل لون الحجاب أو طريقة لبس الأحذية،كنت موب راضية عن نفسي،لكن كان في خوف...
خوف من الرفض،خوف من أني لا أقبل،كانت بعض التصرفات من بعض الزملاء في الجامعة؛ والأهل جدا جدا جارحة،اضافة لأني بعيدة عن أهلي وما عندي معهم تواصل مباشر، وظروف أخرى مؤلمة جدا،الناس كان عندها رغبة غريبة في أنها تستخدمني كفأر تجارب لكل شي يحسون بالاستغراب حوله،هل راح أتحمل أكل معين...
هل راح أتغير؟هل راح أصير شخص سيء "سمعة سيئة" هل راح أحقق الصورة النمطية عن الشخص الي ولد وتربى في الخارج ومع غياب التوجيه راح ينحرف،ممكن الناس ما كان عندها نوايا سيئة،لكن تعاطيها هو إلي ممكن يفهم بطريقة مزعجة وأحياناً كتنمر فعلي،كأن في رغبة ضمنية تنتظر كم راح تتحمل قبل لا تنهار..
مع انتصاف أول عام دراسي صار الموضوع أزمة صدقا،أي شخص قريب لي من دفعتي ومن أصدقائي يذكرون كيف تغير طريقة لبسي، وإلي كنت مرتاحة فيها وكانت شي يمثلني،إلى محاولات يائسة لأني ألبس مثل الجميع، موب لأني أبا،بل لأنه كنت خايفة،كان الموضوع مؤلم ومحزن جدا، ممكن يقولون "عادي ملابس ما تفرق"..
لكن الملابس جزء من هوية الشخص أيا كان كيف يلبسها،كنت أحاول جاهدة أخرج من قوقعتي وأختلط مع الناس، كان وقتها عندي مفاهيم مغلوطة عن "الانفتاح الاجتماعي" وسعيدة أنه اطلاعي المتوسع ع علم النفس صحح هذي المفاهيم،ما كنت أحس بالسعادة، وصارت التعليقات أسوأ وأني "ملتزمة" ومفروض ألبس شي محدد
مع أنه حتى ما كنت أعرف أنه التدين مقسم وغيره، الناس الي أسكن معهم من أقارب كانت ردودهم جدا سلبية،وبعدي عن أهلي وأسرتي إلي أحصل منها السند والقوة خلتني أتخبط كثير.
ولما رسبت في السنة الأولى،كان الضرر كبير جدا، والشق أكبر من الرقعة،حاولت أجتهد وقلت أنه سبب فشلي هو إهمالي...
ولما رسبت في السنة الأولى،كان الضرر كبير جدا، والشق أكبر من الرقعة،حاولت أجتهد وقلت أنه سبب فشلي هو إهمالي...
وأنه شخصيتي ما تنفع ومحتاجين شخصية جديدة،ما كنت فاهمة في شي اسمه " culture shock صدمة ثقافية" ما كنت أفهم أنه الانتقال من بيئة لثانية ممكن يحدث تغيير جذري،ما كنت أعرف الكثير والكثير.
ظننت إني لو أجدت شخصية فرانكشتانية ممكن أقدر أنجو وأتعايش وحتى أنجح،وغيره الكثير طبعا بس ما يكفي.
ظننت إني لو أجدت شخصية فرانكشتانية ممكن أقدر أنجو وأتعايش وحتى أنجح،وغيره الكثير طبعا بس ما يكفي.
المجال لذكره. مع ذلك كنت أكره نفسي أكثر وأكثر،وأنا إلي فكرت أني ماراح اواجه كرهي لنفسي جسديا وعقليا بنفس الوضع.
أدري مفروض ما أرضي حد،لكن الحاجة للتقبل هي حاجة فطرية ووجودها مهم للإنسان،أكملت على عدم استقراري لفترة الإعادة الأولى، والغريب أني انعزلت أكثر وأكثر،كنت اتجنب اسير...
أدري مفروض ما أرضي حد،لكن الحاجة للتقبل هي حاجة فطرية ووجودها مهم للإنسان،أكملت على عدم استقراري لفترة الإعادة الأولى، والغريب أني انعزلت أكثر وأكثر،كنت اتجنب اسير...
المحاضرات، اضافة لأنه صحتي النفسية والجسدية تدهورت، إذا عزلنا طبعا عامل الرسوب الجامعي إلي كان ضرره أكبر من أني أتحمله ولكن هذا لوقت آخر،بعد نتيجة الإعادة الثانية، وكثرة المشاكل والاختلافات،واحساس أنه الفجوة بيني وبين الي حولي تحولت لهوة، بعدها لثقب أسود يبتلع كل شيء حرفيا...
انتكست بشكل مخيف،بعد محاولات من التأقلم صار الوضع لا يحتمل،أظن هذي كانت أولى بوادر الضباب المخيف إلي غطى علي كلي،رجعت لزيي القديم،وأذكر للآن أختي تقول "ما بتنسين لبس الراهبات هذا" وهي الصادقة، صار اللبس مجرد شي مافيه قيمة، قررت إني أنسى فكرة ألبس أو أحاول،مافي حل، الموضوع أشبه...
بالتماهي،كنت أتمنى بس متى ينتهي اليوم وأرد البيت،ماكان الموضوع بسيط ولا هين،لكن كان مفروض أكتمه داخلي وأتعايش لأنه محتاجة أنجح وأغير تخصصي،لأنه الوضع صار مخيف،كنت أخاف أنغمس في الألم لا قدر الله يصير عقلي يفكر بأشياء مخيفة،وطبعا هذي كلها بعيدا عن أي أمور أخرى من فشل دراسي..
لنوبات الهلع المتكررة، للخلافات والمشاكل،مع ذلك صدقا كانوا صديقاتي وبعض الأقارب والزملاء هم أكثر الداعمين لي،ما حد فيهم تضايق أو تملل مني،حتى زملاء ما عندي فيهم ارتباط سوى أنهم من نفس الدفعة أو الكلية كانت كلماتهم سند لي،وهذا شي كان نعمة كبيرة وضوء وسط مدينة مسكونة بالضباب والألم
مع نهاية عام 2016, اذكر مع مظاهرات جامعة الخرطوم واغلاق الجامعة،كانت فرصة أني ارتاح شوي واستعد لمعركة آخيرة،كانت فترة انعزالي فترة اطلاع هائلة؛والرغبة في البحث عن تفسيرات من منظور علم النفس والعلوم الاخرى شي مهم عندي، نظرا لأنه صرت أرفض الدورات التدريبية وعلوم الطاقة والجذب...
وغيره، ف بدأت أبحث عن مثلا "كبرت في بيئة غير عن بلدي الأم"وغيره، حتى وقعت ع تعريف أو مصطلح اسمه third culture kid أو أبناء الثقافة الثالثة وتعريفهم باختصار
أنهم من ولد وتربى في بيئة تختلف عن بيئة والديه في مراحل حياته الأولى فيكون لديه مزيج بين الثقافتين"ثقافة البلد/ثقافة والديه
أنهم من ولد وتربى في بيئة تختلف عن بيئة والديه في مراحل حياته الأولى فيكون لديه مزيج بين الثقافتين"ثقافة البلد/ثقافة والديه
تعرف بالثقافة الثالثة".
ما أذكر متى آخر مرة فرحت فيها في ذاك الوقت قبل ما أقرأ هالتعريف، تميت أصرخ
"هذي أنا!!!!!" كنت كمن وجد نفسه آخيرا، وتحولت الشهور الي بعدها إلى رحلة معرفية،بدأت أقرأ ليش نواجه مشاكل في التواصل،المميزات والسلبيات،نصائح للتعامل مع الاختلافات،كنت كمن وجد الخلاص
ما أذكر متى آخر مرة فرحت فيها في ذاك الوقت قبل ما أقرأ هالتعريف، تميت أصرخ
"هذي أنا!!!!!" كنت كمن وجد نفسه آخيرا، وتحولت الشهور الي بعدها إلى رحلة معرفية،بدأت أقرأ ليش نواجه مشاكل في التواصل،المميزات والسلبيات،نصائح للتعامل مع الاختلافات،كنت كمن وجد الخلاص
كنت سابقا ألوم نفسي،وأنه الناس سيئين وغيره، بس لما تفهم الظروف والأسباب يصير كل شيء واضح، بدأت أتفهم ليش الناس تتصرف جي، هي ما يخصها،كل الموضوع أني أعتبر "شخص خارجي"،المطمئن أكثر في ناس مثلي،ومن كل الثقافات والمجتمعات، وهذا شي منحني مسحة حانية على قلبي وأنه ألمي ومحاولاتي منطقية
وقضية الشخص "القادم من الخارج" موب محصورة عندنا في السودان فقط،في "شهادة عربية نسخة يابانية/كورية/...إلخ"، عرفت أكثر عن احساس أنه شعور الانتماء موزع، وأنه الرغبة في التعايش مع ثقافات مختلفة نابع من احساس انتماء عالمي،وأنه هويتي مختلطة هجينة، وأنه هذا شي مفروض أفخر فيه جدا..
تفهمت ليش الكثير من الشهادات الي يجوون هنا يصعب عليهم التأقلم ومرات ممكن ينزلقون لمخاطر كثيرة،ليش هم ما يقدرون يسوون مثل أهل بلدهم الأم، خصوصا لو كانوا نشأوا في المراحل العمرية الأولى إلي أغلب الشخصية تتكون فيها،هم ما لهم ذنب،فقط محتاجين توعية وتوجيه،ومحتاجين نرفع وصمة العار...
ونفهم شوي في علم النفس والاجتماع،وأنه "المغترب" ظروفه تختلف،الهوية مكون أساسي وفعلا محتاج أنه ما نهمله في أبناء ثقافة ثالثة حسموا هويتهم وفي لا والمفروض ما يكون في كلفة ولوم عليهم،سامحت الناس والمجتمع،سامحت أهلي،بديت أجوف الحياة من منظور مختلف،وأظن لهذا الوقت أعتبر نفسي محظوظة..
أني بدأت أبحث وأتعلم وأفهم، طبعا ما أبرر التصرفات الغبية والمهينة ولا النظرة الدونية للناس، والمفروض الشخص يعرف أنه فقط وضعه مختلف موب لأنه أحسن ولا شي، وهذا شي الحمد لله الوالد زرعه فينا من ونحن صغار وهذا أكثر شي أنا فخورة فيه.
فهمت أشياء كثيرة، وبعدني أتعلم،وحسيت ممكن أفيد..
فهمت أشياء كثيرة، وبعدني أتعلم،وحسيت ممكن أفيد..
لو كتبت هالكلام،ماني حانقة ع المجتمع ولا ع الظروف ولا ع شي، وصح مرات أحس بضياع وأنه اذا اعترفت بهوية معناه أنكرت الجانب الثاني،بس ع الاقل صارت عندي المعرفة الكافية أني أقيم وأفهم،وفوق ها كله صار عندي تقبل وسعادة نوعا ما بما وصلت له الآن.
راح أحاول إن شاء الله من فترة لفترة أترجم بعض النصائح عن التحول الثقافي والبيئة وأثرها، اضافة لنصائح الابتعاث والدراسة في بيئة مختلفة وأتمنى من كل قلبي تساعد الناس أنها تغير نظرتها لأبناء الثقافة الثالثة.ولهم نفسهم تساعدهم على التأقلم والتعايش والتقبل ❤.
سعيدة جدا أنه تكلمت عن شي لامس الكثيرين، وشكرا لكل شخص اعتبر مجرد كلمات منفذ مريح له وردودكم كلها فعلا تبين أنه الموضوع مهم ومحتاجين نشتغل عليه أكثر،أتمنى صدقا أني أقدر أعطي نصائح ولو بسيطة.وأقدر أساعد الجميع ?.
@Rattibha لو سمحت
جاري تحميل الاقتراحات...