22 تغريدة 56 قراءة Oct 31, 2019
يسكن صدري كلام لا نهاية له ، ولأول مرة سأتحدّث عن فقيدي الراحل وصديقي الصدوق الذي كان بمثابة أخي و لا عجب أن أنظر له في بعض الأحيان نظرة الإبن لأبيه وذلك من عظيم اهتمامه وحرصه في قراراتي واختياراتي وتمنّيه الدائم أن أكون في أعلى المراتب .
أحمد (رحمهُ الله) ذلك الشاب الخلوق الذي كان نعمةً عظيمةً من الله على كل شخص في حياته ولكن لم يمكث طويلاً في هذه الحياة وانتهت سيرته العطره ورحل ولم يترك أحداً خلفه يشكو منه ، فلقد كان سَمْحاً لطيفاً لا يظلِم ولا يعتدي وفي حديثه ينتقي أجمل الألفاظ ولا يجرؤ على كسر خاطرك مهما كان .
في فترة من الفترات قرأت بعض المواقف التي تحصل قبل رحيل الأشخاص عن عالمنا وتعجّبت من معرفتهم لهذا الأمر وكأنهم على علم تام بموعد انتقالهم الى رحمة الله ، ولكن مع أحمد (رحمه الله) عاينت هذا الأمر وتأكدت من شعوره بعد وفاته بأنّه كان على معرفة برحيله ..
من أكثر المواقف التي أثّرت فيني ، مُحادثَتهُ معي قبل أن يُسافر ، وكأنّه على علم بدنو أجله فقد كان يشرح لي شعورهُ الحالي ولكن للأسف لم يخطر في بالي أنّ رحيله بعد ساعات معدودة وكل ما كان يشغل بالي حينها أننّي سأراه بعد ٣ أسابيع وأستمتع بإمضاء وقتي معه كالعادة ...
لم تكن هذه المُحادثة فحسب بل اتّصل عليّ بعد نصف ساعة يُبّشرني بإنتهاء أمراً كان عائقاً له في إحدي إهتماماته، وكان ينثر في حديثه الفرح والسرور ولم أسمعه في حياته سعيداً بقدر تلك المكالمة ، ولكن في نفس الوقت يتطرّق للحديث عن بعض الأمور التي تدلّ أنّ هذا الرجل سيرحل بعيداً ..
من ضمن الأمور التي تحدّث عنها ، ذلك الدّيْن المنسي لدى عامل البقالة وكان مبلغاً قليلاً جداً وقد أمرني بالذهاب إليه وإعطاء المال لصاحبه وكالعادة فإنّ كرم وجود أحمد لا حدود له فقد أقسم على تحويل المبلغ إلى حسابي لحظة وصوله ... يا الله كم هي نفسٌ عزيزة وكم هي روح طاهرة .. رحمك الله
لا أودّ الإكثار من الحديث في ذلك الحادث الشنيع الذي تعرّض له ولكن بعد ساعتين من انتهاء حديثنا غَفت عينهُ الجميلة فانحرفت المركبة به وشذّت عن مساره وارتطم بإحدي المُجسّمات الجانبيّة ولم يسلم من بدنه شيء وتعرّض لكسور في كامل جسده الشريف ... ونُقل على إثرها لإحدي المستشفيات ..
وصل الى المشفى وقد كانت حالته سيّئة جداً وإنتقل الى رحمة الكريم مباشرة وبلغنا الخبر في اليوم التالي ومن تلك الساعة حتّى هذا اليوم لا زلت غير مُقتنع أنّه رحل وابتعد ولا زلت أشعر به ولا زلت على إنتظار رسالته ليبّشرني بوصولهِ بالسلامة كعادته الجميلة حين يسافر .
في مثل هذا اليوم وبالتحديد بعد ساعتين من وقت تغريدتي الحالية صعدت روح أحمد إلى خالقها واسأل الله يجعل داره وقراره الفردوس الأعلى من الجنة بصحبة محمد ﷺ وكما كتب الله صحبتنا في الدنيا اسألهُ بعظيم سلطانه أن يكتب لنا اجتماعاً في جنّته ... اللهم آمين
أودّ الحديث عن بعض مواقف أحمد في حياته ، فهُنا أجد راحتي وهُنا أجد السلام والطمأنينة وهُنا أشعر أنّه لا يزال حياً يُرزق فأرتوي من مواقفه ما يُصبّر فؤادي .
كان أحمد المثل الأعلى في البر والإحسان خاصةً بوالدته العظيمة ، ولا أخفيكم أنني كنت أغبطه على هذا الإحسان العظيم وأتمنى لو كنت مثله مع والدتي ، فكان كل شيء يتوقّف عند كلمة أمّه فلا يزايد بعدها أبداً ، وإذا أمرته بشيء فلا بُدّ من الفعل ولا يوجد عنده تعذّر او تأجيل مهما كلّف الأمر..
حتّى أنّه في إحدى المرات لم يحضر اختباراً مهماً فعندما سألته عن السبب بادر بتلك الإجابة الجميلة ( نمت مع أمي تعبانه ولا أبغى أتركها ) كان بإمكانه الخروج عنها ساعة واحدة ولن يحصل لها شيء ولكن أعلم أنّ ذلك القلب الطيّب لن يُقدِم على هذا الفعل ولن يدعها حرصاً وخوفاً منه .. رحمك الله
أُوتيَ أحمد فطنةً فطرية وكان مُوفّقاً ولديه قدره عجيبة على التنبؤ في كثير من الأمور وأذكر ذات مرّة قررّت أن أفعل أمراً ما ، في ظاهر الأمر وفي عيني أنّه خيراً كبيراً ، ولكن في نظر أحمد كان شراً ولا أزال أذكر تحذيره المُستمر حتّى قلت له ذات مرة ( أرجوك لا تُبالغ ) ..
فقال لي (الأيام بيننا وسترى) وفعلاً حصل ما كان أحمد خائفاً منه وذهبت إليه مُطأطأ الرأس أتحدث بنبرة خافتة فاستقبلني بتلك الإبتسامة المليئة بالأمل والمواساة ولم يقل لي حينها كنت قد حذّرتك (وهذا من لُطف أفعاله النادرة) ولكن قال لي ( لا تتضايق فالامر كله خير ولعلّه درساً لك )
من إحدى المواقف الجميلة جداً جداً
في أحد الأيام حصل بيني وبينه خلاف على أمر معيّن وقد غضب كُلٌّ منا وخرجنا مُفترقين لا نريد الحديث وكنت أظن أنّ صداقتنا قد انتهت ولكن في صباح اليوم التالي استيقظت على رسالته العذبة النقية ( عادي نفطر سوا حتى لو متزاعلين ?❤) .رحمك الله رحمك الله
يا الله قد أيش لحظتها حسّيت إني تافه وتيقّنت أنّ هذا الرجل عظيم عظيم عظيم لا مثيل له ، وتوصّلت إلى حقيقة بياض قلبه وصفاء نيّته ... يا الله لو يرجع الوقت إلى ذلك اليوم فقط، تالله لن أجعلك تغضب ولن أتجاوز في حديثي معك ولن أرضى إلا أن أراك سعيداً مطمئناً ولكن قدرة الله فوق كل شيء .
وغيرها الكثير من المواقف الجميلة التي خلّدها في صدري ولن أنساها ما حييت ... أتعبتني يا أحمد ... لا حول ولا قوة لي إلا بك يا الله .
قد يظن البعض أنّني أبالغ في حديثي ولكن مؤخراً توصّلت إلى أنّ أمثال هؤلاء الأشخاص النادرين ليس لهم حياة بيننا فهم مختلفين عنّا في كل شيء وما هيَ إلا سنين معدودة ويختارهم الله ويأخذهم إليه، لِعلمه بأنّ الدنيا داراً لا تُناسب أمثالهم وأن ديارهم جنات عدن يدخلونها بإذن لله .
سلام على روحك الطاهرة النقية وسلام على عفّتك وسلام على كرمك وجودك وسلام على حُسن عشرتك وسلام على سمو أخلاقك وسلام على وقفاتك الكثيرة معي واسأل الله يجعلها في ميزان حسناتك يا أخي .
اللهم عوض شبابه في الجنة وأدخله أعلى المراتب وأدخله الفردوس الأعلى من الجنة بلا حساب وﻻ سابق عذاب .
اللهم اجبر كسر قلبي بفراقه واجعل حياً في داخلي وقسماً بالله لن أنساك وهذا عهد بيني وبينك أنّ لك دعوةً في كل صلاة وطلب رحمة في كل يوم .
إذا كان في حياتك شبيهاً لأحمد ف أنصت إلى كلامي ..
تمسّك به وأحسن إليه وبادر قبله في كل شيء ولا تجعل بينك وبينه عداوة ، فالحياة لا تستحق ذلك ولا تجعلهُ يغضب منك وحاول قدر المستطاع أن ترسم على وجهه ابتسامةً جميلةً يشكرك عليها ...
عزيزي القارئ ، أعتذر منك لو حرّكتك كلماتي وزرعت فيك حزناً بسيطاً ، وكن على يقين أنّ كلامي لم أكتبه لكي تأتي وتواسيني أو تُشفق عليّ فالغاية من كلامي أن تترحم وتدعوا لأحمد وتسعده في قبره فقط ، إلى هُنا ينتهي حديثي ، في امان الله .

جاري تحميل الاقتراحات...