رحلتي مع الدبرسة والبحث عن معنى وهدف وعن إجابة لسؤال أراه مصيرياً: لماذا؟".
#ثريد
طبعاً ممكن يكون الكلام غريب أو مفاجىء أو حتى ما منطقي لكثيرين.. لكن منذ العام ٢٠١٢ تقريباً دخلت في دوامة مرهقة جداً نفسياً وذهنياً كان عندها أثر سلبي كبير جداً علي حياتي وغيرت شخصيتي للأسوأ..
#ثريد
طبعاً ممكن يكون الكلام غريب أو مفاجىء أو حتى ما منطقي لكثيرين.. لكن منذ العام ٢٠١٢ تقريباً دخلت في دوامة مرهقة جداً نفسياً وذهنياً كان عندها أثر سلبي كبير جداً علي حياتي وغيرت شخصيتي للأسوأ..
ما ح اتكلم هنا عن طفولة سيئة أو الطريقة اللي اتربيت عليها مثلاً أو مشاكل أسرية أو كدة.. ما لأنو مافي مشاكل أو إنّو الحياة كانت وردية أو لطيفة.. بس لأنو أنا عارف إنّو الحاجات دي كانت جزء من السبب بس ما كانت السبب الرئيسي..
الدوامة اللي باتكلم عنها بدت معاي بصورة واضحة أثناء فترة التحضير للدكتوراة.. السنة التانية تقريباً..
زيي زي أي واحد اتولد وعاش في السودان.. جات لحظة معينة ودخلت فيها المدرسة.. دخول المدرسة طبعا بيعني الدخول في سستم مرسوم سلفًا.. وهو انك بتدرس عدد معين من السنين في الابتدائية بعدها عدد معين من السنين في الثانوية وبعدها عدد من السنين في الجامعة.. طبعاً دي حاجة عادية..
الما عادي طبعاً انو السستم دة خصوصاً في بلد زي السودان ما بيسمح ليك أبداً تفكر انت عايش ليه أو عايز تعمل شنو في حياتك وما بيسمح ليك حتى تتخذ أي قرارت كبيرة.. يمكن اهم قرار مثلا إنك عايز تدخل أي كلية أو تدرس شنو بالضبط.. وحتى في الموضوع دة أغلب الناس بتختار حسب نتيجة الثانوي..
طبعاً دة بافتراض انو أهلك أو أحد الوالدين سمحوا ليك أصلاً إنك تقرر على حسب رغبتك.. وطبعاً في الغالب ما بنكون مبسوطين بالتخصص اللي اخترناه لأنو بعد ما مرت سنتين في الجامعة مثلاً اكتشفنا إنّو نحنا بنحب حاجة مختلفة لكن ما في مجال للتغيير بعد كدة لأسباب كتيرة..
باختصار يعني من عمرك ست سنين لحدي ما يبقى عمرك تقريبا ٢١ سنة انت ما بتكون اتخذت أي قرارات مهمة في ما يتعلق بحياتك ومستقبلك.. لحدي ما تتخرج من الجامعة كل السستم مرسوم.. بعدها فجأة بتلقى نفسك بقيت زول كبير ومسؤول عن نفسك وعن حياتك ولازم تبدأ تتخذ في قراراتك المصيرية بنفسك..
أول ما اتخرجت من الجامعة لقيت نفسي باسأل إنّو: "أها وبعدين؟ شنو الخطوة الجاية؟ أنا عايز أعمل شنو؟"
طبعاً لسة كان في حاجات باقية من السستم المرسوم لازم تتعمل زي مثلاً الخدمة الوطنية والبحث عن وظيفة..
طبعاً لسة كان في حاجات باقية من السستم المرسوم لازم تتعمل زي مثلاً الخدمة الوطنية والبحث عن وظيفة..
طبعاً قمت اتجاهلت الأسئلة اللي جات في بالي لأنو ما كنت قادر ألقى إجابات وشغلت نفسي بموضوع الخدمة الوطنية.. وبعدها بفترة لقيت وظيفة وبدين شغل كمهندس.. وعن قصد حاولت أشغل نفسي بالحاجتين ديل لحدي ما ألقى إجابات..
طب ليه أنا مشغلها لي نفسي كدة؟ كنت متخيل الموضوع فترة محدودة وتعدي.. و اهو الحمدلله في الآخر شغال والأمور ماشة كويس.. واحد سنيري في الجامعة قال لي ما تفكر كتير.. دي مجرد مرحلة بتاعت انتقال من حياة الجامعة لحياة العمل وح تعدي.. وببساطة قال لي احسن أركز مجهودي في إني "أطور نفسي"..
حاولت أعمل بي نصيحتو.. وفعلًا بديت أطور من نفسي في جوانب كتيرة وأفكر في تحضير الماجستير والسفر برة السودان وحتى في الزواج.. وأقنعت نفسي إنّو تفكيري كان غلط.. وشغلت نفسي بأشياء كتيرة عشان ما أفكر كتير..
وفعلاً في خلال سنتين قدرت أسافر برة السودان عشان اعمل ماجستير.. وكنت شايف اني باعمل في "إنجاز" كبير شديد.. وبعد الماجستير لقيت منحة للدكتوراة وكنت حاسي إني الأول على الكوكب كلو..
حتى جات فترة كنت باعمل محاضرات وورش تدريب وبقدم نصائح للناس عن كيف تطور نفسك وكيف تلقى الماجستير والدكتوراه اللي نفسك فيهم وكيف تخطط وكيف "تنجز" وكيف وكيف وكيف..
لما بدأت الدكتوراة كان عمري ٢٤ سنة.. وكنت مبسوط من نفسي وحاسي إني قاعد "أنجز".. جات لحظة معينة في السنة التانية وبدأت ترجع كل الأسئلة القديمة.. إنّو أها وبعدين؟ أنا عايش ليه؟ عشان أعمل شنو؟ وعشان أصل لشنو؟
في ناس كنت بحاول أتناقش معاهم وكانوا بيشوفوا إني أهبل أو باتدلع.. وحدين كانوا بيقولوا انت تخلص الدكتوراه عشان ترجع السودان تشتغل وتطور بلدك.. وحدين بيقولوا السودان ميؤوس منو، أحسن أستقر هنا وأعيش حياة حلوة ومرتبة.. وحدين بيقولوا تمشي الخليج وتاخذ راتب عالي وتعيش حياتك..
كل الإجابات كانت بتدور حول إنّو "عيش حياتك" أو "أعمل إنجازات أكتر وأكتر".. وكلها ما كانت مقنعة بالنسبة لي.. أنا كنت بفتش عن إجابة سؤال "وبعدين؟ ليه دة كلو؟" باختصار: "لماذا؟".. لأنو لو عرفت الإجابة دي تلقائياً ح أعرف أنا مفروض أعمل شنو..
حصلت ظروف معينة في ٢٠١٤.. كانت واحدة من أسوأ سنين حياتي.. عملت فيها حاجات كتيرة غلط.. ووثقت في ناس غلط.. وخسرت فيها ناس كتيرين كنت متخيلهم قريبين مني شديد و ح يفيقوا معاي في لحظة حوجتي ليهم.. المهم.. أكتر جملة كنت بقولها الوقت داك ولحدي الأسبوع الفات: "في الآخر، كلنا ح نموت"..
بقيت ما شايف أي معنى لحياتي.. ولا للحاجات اللي كنت متخيل إنها "إنجازات".. ولا للأفكار اللي كنت مؤمن بيها.. وبقيت ما شايف أي سبب لأي اجتهاد أو محاولة عمل أي شيء مفيد في الحياة.. وكانت بتمر فترات ما كنت بقدر أقوم من سريري لمدة كم يوم متواصلين..
ما كنت بعمل أي حاجة.. خسرت نص وزني تقريباً.. اهملت دراستي.. وقفت حياتي تماماً.. وفقدت الرغبة في الحياة.. ولأني عايش في غربة بعيد من أهلي ما كان في أي حد تقريباً يقدر يقدم لي أي شي أو يحاول يساعدني بأي طريقة.. حتى الناس اللي كانوا قريبين مني ما أديتهم فرصة يتدخلوا أو يعملوا أي شي
كانت فترة سيئة شديد.. الشىء الوحيد اللي خلاني أقدر أتماسك وأحاول ع الأقل أكمل دراستي هي أمي وأبوي.. كل ما كنت أتذكر إنهم منتظرني ومنتظرين يفرحوا بالدكتوراه و "بالإنجاز" بتاع ابنهم، كنت بأقدر أجبر نفسي أقوم وأواصل..
الحمدلله خلصت الدكتوراة بأعجوبة.. ولقيت نفسي وجها لوجه مع أسوأ كوابيس تفكيري: "أها وبعدين؟".. رجعت السودان ومشيت الجامعة قابلت بروف "..." اللي هو كان شخص عاش تجربة مشابهة.. عشان أقول ليه إني عايز أرجع أشتغل في الجامعة..
الرجل بكل بساطة وضع رجل على رجل، وقال لي: انت فاكر لو جيت عشان تشتغل معاي هنا في القسم ح تفيدنا بحاجة يعني؟ في الآخر ح تدرس مادتين او تلاتة وخلاص.. واللي هم حاليا بيدرسوهم الشباب اللي عملوا ماجستير عندنا هنا.. يعني انت ح تضيف شنو جديد؟
قال لي: انت فاكر انك اتعلمت شنو؟ في الآخر بحث الدكتوراة بتاعك عبارة عن بحث كبير في موضوع صغير جدا وبس.. وانت حالياً ما بتعرف حاجة غيرو.. يعني أصلاً ما عندك حاجة تفيدنا ليها كتير..
طبعا هو الكلام صادم بس انا كنت فاهم تماما هو بيقول في شنو لأنو انا أصلاً كنت بفكر في كلامو قبل ما هو يقولو.. انا عارف انو انا ما عندي اي إضافة حقيقة اقدمها.. قمت من عندو وطلعت من الجامعة وسافرت وما حاولت ارجع تاني..
ولسة التفكير كان شغال.. انا مين؟ وعايز شنو؟ وعايش حياتي ليه؟ والمفروض أعمل شنو؟
انا ما عايز أستعمل كلمة اكتئاب.. حاسي بيها كبيرة شديد.. لكن من ٢٠١٤ تقريباً في حاجات كتيرة في الحياة بقى ما عندها معنى.. بقيت ما عندي رغبة في أي شي وما متأكد من أي شي.. اهتمامي حتى بنفسي وشكلي اتلاشى تماماً.. بيتي جايط وحياتي ما مرتبة.. ومافي مواعيد نوم ولا اكل ولا غيرو..
الأيام كلها بتتشابه والليل والنهار واحد.. تسألني شاي ولا قهوة؟ أقول ليك أي شي.. ناكل هسي ولا بعدين؟ أقول ليك اللي يريحك.. ناكل شنو طيب؟ على كيفك.. نطلع ولا نقعد في البيت؟ على مزاجك.. التفاصيل كلها بقى ما عندها أي معنى.. أخبار الميلاد والموت والزواج والمرض.. ما في حاجة فارقة معاي.
كنت بمشي الشغل عشان لازم امشي الشغل.. غير كدة فأنا عبارة عن متفرج.. باتفرج على الحياة والناس كإني بتفرج في فيلم سينمائي أنا ما جزء منو.. الشيء المضحك إنّو أكتر حاجة كانت بتبسطني هي الآرسنال.. مع انهم كانوا بيتبهدلوا بس مباريات آرسنال كانت الحاجة الوحيدة البتخليني أحس إني عايش..
طبعاً في الإجابات الدينية.. "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".. "جعلكم خلائف الأرض".. "واستعمركم فيها".. "آمنوا وعملوا الصالحات".. وغيرها كتير.. ولأسباب كتيرة كانت بطلت تشتغل معاي.. كنت حاسي إنها بتجاوب على "كيف" أكتر من "لماذا"..
دخلت في نقاشات كتيرة مع شيوخ وعلماء دين.. سافرت بلاد مختلفة عشان أقابل ناس زي د. جاسم سلطان ود. السويدان ود. عدنان إبراهيم و د. عمرو خالد وغيرهم كتير.. بصراحة.. من غير أي إجابات مقنعة.. في وحدين كنت أرسل ليهم في حسابات السوشيال ميديا واتناقش معاهم نقاش طويل من غير فايدة..
اتناقشت مع ملحدين ومسيحيين ولا أدريين.. قريت كتب كتيرة وسمعت محاضرات في اليوتيوب.. من غير فايدة.. أكتر ناس بيغيظوني في الحياة هم الناس اللي "متأكدين" من كل شي.. عايشين في الكون وكأنهم خلقوه هم.. وهم في الغالب وصلوا بالحظ..
صديق مصري عندو ولدو اسمو يحيي.. قال لي يا أنس لو كان عندك يحيي في البيت منتظرك تجيب ليه الپامپرز، ما كنت فكرت في اللي انت بتفكر فيه دة.. أنا عارف إنو أكبر غلطة كان ممكن أعملها في حالتي ديك هي إني أرتبط وأتزوج.. بنت الناس ذنبها شنو؟ كانت ح تندم على عمرها كلو.. الحمدلله إنّو ما حصل
طبعا الوالدة الله يديها العافية مصرة من سنين اني لازم أتزوج.. وانا عارف إنّو أنا ما ينفع أتزوج.. أقول ليها طيب هاتي لي عروس.. فعلا تجيب بنت.. أتكلم مع البنت ألاقي أكبر اهتماماتها في الحياة ما بتعني لي أي حاجة.. وبعد خمسة دقايق من الكلام يكون كل الحاجات المشتركة بيننا انتهت..
تقريباً كدة أنا كنت غير صالح للزواج أو حتى للحياة البشرية بتفاصيلها المملة.. سؤال "وات إز ذا پوينت؟" كان هو المسيطر.. اتزوج واجيب أطفال؟ عشان شنو؟ العالم مليان أطفال.. طيب وبعدين؟ عشان انبسط وأكون أسرة؟ وبعدين؟ "في الآخر كلنا ح نموت".. سو "وات إز ذا پوينت؟"
جاري تحميل الاقتراحات...