27 تغريدة 116 قراءة Oct 23, 2019
[نسبية الحقيقة في ميزان الإسلام ]
الحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على خير الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
أما بعد :
فإنه في خضم النقاشات والجدالات العقدية والفكرية لا بد وأن تجد قومًا لا يحفظون من القول غير : '' أنتم تدعون أنكم أصحاب
الحقيقة المطلقة وغيركم على باطل ! " ..." إن كنت تعتقد أنك على حق فغيرك أيضًا يعتقد ذلك " ! " لا يمكن لأحد أن يمتلك الحق المطلق " ... إلى آخره من العبارات التي تصبّ في اتجاه واحد وهو اتجاه الشك المطلق المتمثل في القول بنسبية الحقيقة ، وغالبًا ما تجد هذا الطرح حاضرا عند الحديث عن
الشرائع التي لها علاقة مع غير المسلم كالجهاد والتكفير ، والولاء والبراء ... ، فيعمد الشاكون حينها لنفي الفرق بين الكفر والإيمان بدعوى نسبية الحقيقة وتعدد مشارب المعرفة وعدم تقيد الحق بقوم دون آخرين !
فمن سلف أصحاب هذا القول ؟ وما وزنه في ميزان الإسلام ؟ وما هو التوصيف والحكم
القائم بدعاته ؟وما هي أوجه الرد عليهم شرعًا وعقلًا ؟ ... ابتداءً قُسّم أصحاب الشك المطلق في الفكر الإسلامي إلى ثلاث فرق : العندية ، العنادية واللاأدرية ، وما يهمنا منها هي الفرقة الأولى " العندية " = [ وهم القائلون بنسبية الحقيقة وأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات ، وأن الإنسان
مقياس الأشياء جميعًا ، وهذا يعني أن المعرفة لا تتعلق بالموضوع المعروف بل بالذات العارفة ، فالحقيقة عندك هي ما تتراءى لك ، والحقيقة عندي هي ما تتراءى لي ، وأصل هذا المذهب يعود إلى " بروتاجوراس " الذي قال : (( إن الإنسان هو مقياس كل شيء )) ] [1].
فمقولة نسبية الحقيقة أصلها يرجع للسوفسطائيين (العندية منهم ) ونواة دعوتها كامن في قولهم أن '' الإنسان مقياس كل شيء " فالحقائق عندهم تابعة لكل إنسان على حدة فليس لها استقلال بذاتها عنه بل هي متغيرة بحسب تغير نظرة المرء لها فما أراه أنا حقًّا يمكن أن تراه أنت باطلًا فيحتمل
كلا الأمرين باختلاف الناظر لذلك أُطلق عليهم اسم ( العندية ) نسبة إلى لفظ (عند)؛ لأنهم يقولون أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس كما أسلفنا القول، فكل من اعتقد شيئاً فهو في الحقيقة كما هو عنده وفي اعتقاده
وعمومًا ليس القول بنسبية الحقائق بالقول الذي له وزن عقلًا أصلًا حتى نحتاج لنسج الحجج ورصّها للرد عليه فهو قول ذاتي الدحض من تأمله بإمعان تبين له سفاهته وبطلانه ، فالنسبية المطلقة أمر مطلق لا نسبي! ومن يقول: الحقيقة نسبية ولا توجد حقائق مطلقة! نقول له: قولك نسبي وليس حقيقة مطلقة!
ولا يتصور من ذي لب أن يقول به فضلًا أن يعتبره حجة وذريعة لإنكار الشرائع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : [حكي عن بعض السفسطائية أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات، ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى
، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله #عاقل سليم العقل] [2]، ولكن مع ذلك قد رد أهل العلم على هذا الطرح لعظم خطره على اعتقاد المسلم فهو قول أوله سفسطة وآخره كفر وزندقة !
قال ابن قدامة رحمه الله : [قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقاً، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين،
ويختار من المذاهب ما يروق لهواه ] [3] ، وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى : [هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه... وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي
والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال؛ وهذا كفر وزندقة ] [4].
فالقول إذن على ما يظهر من سفاهة طرحه وغباء منطقه إلا أنه خطير المآل ونحن نلاحظ انخداع الكثيرين بظاهره حتى اعتمدوه أصلًا لرد بعض الشرائع التي لا تماشي ثقافة الغالب معتذرين لأهل الكفر والزندقة والله المستعان
• ولكي لا يجد هذا القول استحسانًا من بعض الجهال ننقل ردود أهل العلم زيادة للفائدة :
• قال ابن حزم رحمه الله: [ويقال وبالله التوفيق لمن قال هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل:
إن الشيء لا يكون باعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقًا بكونه موجودًا ثابتًا، سواء اعتُقد أنه حق أو اعتُقِد أنه باطل. ولو كان غير هذا لكان معدومًا موجودًا في حال واحد في ذاته، وهذا عين المحال.
وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء، فقد أقروا بأن بطلان قولهم حق!! مع أن هذه الأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل ألبتة، إذ حسُّه يشهد بخلافها. وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المُتَنَطِّعين على سبيل الشغب. وبالله تعالى التوفيق] [5]
قال ابن الجوزي رحمه الله : [قال النوبختي: قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مراً، ويجده غيره حلواً.
قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه، واللون جسم عند من اعتقده جسماً، وعرض عند من اعتقده عرضاً. وهؤلاء من جنس السوفسطائية؛ فيقال لهم: أقولكم صحيح؟ فسيقولون: هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا.
قلنا: دعواكم صحة قولكم مردودة، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم! ومن شهد على قوله بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه] [6].
• قال ابن قدامة رادًا على من نُقل عنه مثل هذا القول من علماء المسلمين :
[وقول العنبري: كل مجتهد مصيب. إن أراد أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده، فمحال؛ إذ كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقاً، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه، وهذه أمور ذاتية لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها.
فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية؛ فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها وجعلها تابعة للمعتقدات] [7]
• وختامًا كي لا نطيل عليكم هذه خلاصة لما أردنا بيانه :
1/ القول بنسبية الحقيقة يدحض نفسه إذ كيف يخاطبنا دعاتها بنسبية الحقيقة ويقدمونها على أنها حقيقة ؟ فإن اعترفوا أنها حقيقة مطلقة ناقضوا دعوتهم القائمة على أساس لا حقيقة مطلقة ، وإن أقروا بنسبيتها فلا يلزمنا قولهم !! فالتناقض مصيرهم لا محالة.
2/ القول بنسبية الحقائق مناف بشكل قطعي لنظرة الإسلام للأمور ( حق/باطل) فالقول بالنسبية تسوية بين الكفر والإيمان ونقض للشرائع وإبطال الأمر والنهي وهذا كفر صريح لا يشك فيه أحد .
3/ إذا فُهمت مسألة الحق والباطل جيدا وأزيلت ترسبات السوفسطائيين من الأذهان سلمت العقول والقلوب من الشبهات القائمة على أساسها كالشبهات حول الجهاد وغيره من الشرائع ، فالشرائع كلها قائمة على مبدأ الحق المطلق والمشكك فيها والباث لشبهاته لا ينفك عن كونه أحد اثنين : مظهر للإسلام فيُلزم
بالنصوص الدالة على الحكم الشرعي المعين فإن أنكر لزمه الخروج من دائرة الإيمان ، أو كافر فيناقش في الأصل ( صحة دين الإسلام وبطلان غيره من الأديان ) ومن بعدها يلزم بما ألزم به المسلم.
هذا والله الموفق وهو يهدي السبيل.
[1] كتاب مدخل إلى نظرية المعرفة (ص38)
[2] : الفتاوى (19/135)
[3] : روضة الناظر (425/2)
[4] : الفتاوى (19/144-145)
[5] : الفصل في الملل والأهواء والنحل ( 1-45/44)
[6] : تلبيس إبليس (41)
[7] : روضة الناظر (20/
منقول

جاري تحميل الاقتراحات...