عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

25 تغريدة 35 قراءة Oct 24, 2019
Thread | عبدالرحمٰن خلف القُضبان
بعْدَما لدغت الشمس الأرض، وانجابت السُّحب مع ضحوة النهار، ذهبت لوالدي وطلبت منه أن أُسافر معه لرحلة صيد خارج البلاد حيث أحد المناطق التي تقبع في حدود أحد البُلدان، وبعد تتابع رتيب مني قَبل والدي طلبي، سعدتُ كثيرًا عند سماعي لهذا النبأ يا إخوة، وياليتني لم أسمعه
اغرورقت بالدُّموعِ عيناي اللتان طالما تطلعتا في شوقٍ ذائب إلىٰ هناك، واخضوضرت روحي المقفرة التي أمضَّها الشوقُ واللهفة إلىٰ السقيا من غيثِ تلك البقاع
القصّة كانت في عام ٢٠٠٤م كنتُ في ذلك الحِين صَبيًّا في السابعة من عُمري تقريبًا
وصلنا لمنطقتنا المنشودة، وكان معنا عمّي، وخالي، وكان معهم ابن خالتي "يُدعىٰ فهد"
أنا وفهد أعمارنا متقاربة من بعض، وليست الأعمار فقط، بل الأفكار الشيطانية تبدو متراقصة بين أسناننا، جميع الكوارث التي حدثت لي لابُد أن يترك بصمة لها ويكون هو السبب
وذات صباح، وبينما أخَذت الطيور في الشقشقة، مُعْلنة انبلاجَ يوم جديد، ذهبوا "الصيّادين" وحملوا بنادقهم المُعبأة بالرصاص، تاركين بعض من الطُّهاة في المخيم وتركونا معهم
وقد أخبرونا أن لهم بعض من الأمور في منطقة قريبة تبعد ساعة وسيعودون لنذهب نصيد معهم، وتركوا بحضرتنا قشّة مُعبأة بالذخائر والرصاصات، والأسلحة النارية
قال لي وجه النكبة: مارأيك نخرج هذه البنادق ونقوم بتجربتها! وكنت حينها محشوًّا بالحماس ازدادتْ طاقتي جرأة، وحركتي سُرعة، وبهجتي نشوة فقلت هاتها وأنا أصلًا لم يسبق لي حمل أي سلاح ولا أعرف أنواعها
أخرَج فهد "البواردي" سلاح وُضع للدفاع عن النفس، وزهق للأرواح البشرية، ولم يكن هدفه الصيد أبدًا، وهو أيضًا لايفقه بالأسلحة؛ بَل في كل أمور الحياة، فأخذته بكل حماس، وهممنا بالبحث عن الطائر الغلبان أو الغزال العاق الوالدين سنلقنهم درسًا لن يُنسى
فإذا بفهد يقول أرمِ فوق لنختبر قوّتها، فرفع سلاحة عبدالرحمن نحو السماء، وكانت نُذرُ الكارثة تلوح لكلِّ ذي بصيرة، وانطلقت العيارات النارية من فوّهه سلاحه المصوب إلىٰ الأعلىٰ، وكان السلاح الذي يحمله من نوع "رشاش" وليس بندقية صيد
تهاوىٰ السّلاح من يدي النحيلة نحو القاع وهو يرمي بكل رعونة، فإذا بفهد أبو راس، توارىٰ عن الطلقات خلف تلّة لحماية رأسه الضخم؛ رغم علمي أن هذا الرأس الضخم يستحيل أن يخترقه رصاص أو يُصاب بشضايا ... كبييير يا إخوة
لحظات فقط، وإذا بعددًا من الجنود مدججين بالسِّلاح، طوّقوا المكان ومعهم كلبُ شرطة؛ يلهث مخرجًا لسانه، بالرغم من الهواءِ البارد من حوله
فنزل رجلاً عملاقًا، كأنه مئذنة مسجدنا، فارع الطول، هامته تلامس السحاب، وكانت الأشجار الطويلة تصل إلى مستوى ركبتيه، ذو شنبٍ أبيض كثيف، ولحية خالية من شعرٍ إلاّ قليلاً في خضمّ النمو، متموّج قوامُه من فرط سمنته فجريت إلى باب المخيم مذعورًا، فتبعني بخطاه الواسعة حتى أمسكَ بي وبفهد
شعرت بالوهن، ظلّيت أسيرًا للعجز والهَرَم؛ وكأني كهل قد بدأَت الشيخوخة تنال من قوَّته، وتُزعزع طاقته
اصطحبونا نحو مركزهم الذي يبعد بضع من الكيلومترات فأتىٰ الضابط الشرير يسألنا قائلًا : هَل كنتم تنوون قتل جنودي؟ من الذي سمح لكم بالرمي؟ هاه ؟ أنتَ أيها الوغد الصغير هل ستعترف أم أنك ستواصل عنادك ؟
من هول الصدمة أُلجم لساني، تفصَّد العرق من جبهتي، تسمَّرت في مقعدِي كأنما شُلَّت جوارحي! فالتفتَ لفهد فلم يجد عنده أكثرَ مما وجد عندي، دفقاتُ الدماء في عروقنا توقّفت، أصبحنا كتمثالين حجريين من فرط صمتنا
وأخيرًا وبصورة مفاجئة نهض الضابط العملاق من كُرسيّة الدوّار ووضع يدَه على رأسي في رأفةٍ مصطنعة كاذبة: يبدو أنَّك ولد طيب ويواصل كلامَه معي وأنا لم أنطق بشيء، لقد ربط الله - تعالى - على قلبي فلم أتكلم
ثم سحبنا وخرج بنا إلى الزقاقِ، وهناك أجد الهولَ واقفًا أمامي، لقد كانت مصفحة قابعة بلونها القاتم، وأضاء سائقُها نورَها الباهر فجأة، فكدت أخرُّ صعقًا، وأوقفني أمام المصفحة قائلاً بلهجةٍ حاسمة:
هل ستعترف أم أنك ستواصل عنادك؟ قُل تكلّم ما زال يردِّدُها بما يشبه نباح كلب مسعور، ويلقي بي أمام المصفحة، ويُشير إلى السائق، فيدير المحرك، فيجعر بصوتٍ شيطاني يمزق صمتَ الفجر؛ يريد أن يضع رأسي المُستدير أسفل عجلاتها الضخمة
فيكاد قلبي ينفلتُ من بين أضلعي، ولكني كنت أشعرُ شعورًا حقيقيًّا أنَّ الموتَ أسهل علي ألف مرة من أن أفوه بكلمةٍ تُسكِّن غضبَ هذا النمرود
فإذا بالضابط يقترب مني، ويمد يده الضخمة نحوي، وكنت أعتقد أنه سيسحبني من أذني بكلِّ قوته ويجعلها تتلوىٰ بين أصابعه
لكن لم يفعل بل اقترب وهمس بإذني قائلًا: نحن أصدقاء والدك وأردنا المِزاح معكم، فصار وجهي شمعي الملامح؛ منسدلَ الجنبات، مرتخيَ الجفون، وشفتاي قد تطابقت على تيبُّس، وعلى كلماتٍ أخيرة ذابت حُروفها في جوفي، وكاد الدمع أن يترقرق من وجهي المُتشقق، لو لم يجف الدم منه، من لحظة قبضهم علينا
ثُمّ عادوا معنا نحو مبيتنا وقد شاركونا في وجبة العشاء جعلهم مايشبعون، وطيلة الوقت كنت أتجاذب أطراف النَّظرات مع الضابط، ونار الضغينة تكويني، وقد أصبح نهاري ذلك اليوم ليلاً سرمدًا، كئيبًا موحشًا، خبَّأ في جَوْفه ضوءَ الأمل، وغابَت عن سمائه شمسُ الرجاء.
ومن ذلك اليوم، وإلىٰ يومكم هذا لم أحمل أي سلاح حتّىٰ وإن كانَ خاوِ الذخائر، بَل أصبحت كاره البر والصيد وأهله.

جاري تحميل الاقتراحات...