د.صغير العنزي
د.صغير العنزي

@arab14361

15 تغريدة 64 قراءة Oct 21, 2019
حين سألتك توقعت أن يكون هذا جوابك، وهو -أيضا- جواب أغلب من نقدوا ربطي الحرب بمصرع الناقة، فهل يتوقعون أن أجهل مثل هذا-وهو من المطروح في الطريق -على حد تعبير عمنا الجاحظ-...
سأوضح فكرة ربطي (مصرع الناقة) بمشكلة العقل العربي، وسأناقشها -وحدها- في سلسلة تغريدات هنا.
حديثي منذ التغريدة الأصل عن العقل المندفع الذي يخضع لاستفزاز اللحظة، ويستجيب لانفعالاته وعواطفه فلا يبصر، ولا ينزل الأمور منازلها، ثم ما يقتضيه ذلك من مواقف وقرارات غير موزونة، وبعدها نتائج فادحة. وسأتناول هذه القضية في نقطتين، تحت كل واحدة منهما تفريعات عليها.
١-بدءًا، كان جساس رجل كليب المدلل، وحمى كليب لم "يكن يرعاه أحد إلا إبل جساس" كما تنص المصادر، وهذا الاستثناء الخاص مفصلي حميمي، يؤكد أنه لم يكن بينهما تشاحنٌ سابقا، وأن الحادثة بنت ساعتها.
٢-جساس لم يخبر كليبًا بناقة جاره، والدليل أنه كما -تقول المصادر-: "نظر إليها فأنكرها، فرماها"، وفي أعرافهم صاحب الحمى يُستَأذن في حماه، ولهذا كان رد كليب عليه: "أتراك مانعي أن أذبّ عن حماي"؟
٣-العرب لا تعير من لم يكن الاعتداء بحقه قصدا، ولا تعامل خطأ السلوك كعمده، ولا يلام الجار في مثل هذه الحال إلا حين عجزه عن أداء التعويض المادي، ولهم أعرافهم البينة في مثل هذه الحادثة سواء في عرف القبيلة الجاهلية، أو في أحكام القبائل قبل عقود.
٤-في مثل هذه الحال، يعد جار جساس في أعرافهم مخطئا في تجاوزه الحمى، ومجموع ما سبق يؤكد أن غضبة جساس تعد انفعالا عاطفيًّا مندفعا لا يخضع لأعرافهم المراعاة في هذا الجانب، وليست غضبًا لكرامة انتهكت، فالجار مشارك في الخطأ والتجاوز، وقتل الناقة عن جهلٍ بمنزلة صاحبها من جساس.
٥-لم يكن الانفعال نتيجة حدة خطاب لاحق بين جساس وكليب، وإنما كان أمر القتل مدبرًا منذ معرفته خبر مقتل الناقة وانفعاله بسبب مصرعها، فقد قال لخالته-مبكرا-:"ليقتلن غدا جملٌ هو أعظم عقرا من ناقة جارك".
الجمل (كليب) مقابل ناقة جار الخالة.
٦-القدماء انتبهوا إلى أنها ليست قضية اعتداء متعمد على كرامة جساس وقومه، ومن هنا ضربوا المثل بالمؤججة فقالوا: "أشأم من البسوس"، وورد في خطابهم لجساس: "أتقتل ربَّ وائل بناب"، أي بناقة، وأول من عاتبه على هذا والده، فقد رآها جناية لا غضبا لكرامة.
٧-وهذا ما أكده النابغة الجعدي:
كليبٌ لعمري كان أكثر ناصرًا
وأيسر ذنبًا منك ضرج بالدمِ
فلو رآها النابغة غير عقر ناقة منفعل، لما قال (أيسر) ولا يمكن أن يعد عربيٌّ الاعتداء على الكرامة أمرا يسيرا، على أننا لا نعدم من يذكر أن ذلك بسبب ظلم كليب، وسأرد عليهم في النقطة الثانية.
أما النقطة الثانية، فمسألة ظلم كليب قومه، وزهوه عليهم، فهنا أنطلق من سؤال:
هل كل التجاوزات والإهانات التي صدرت منه بحقهم يمكن الصمت عليها، ولا تنتفض كرامتهم إلا مع مصرع ناقة دخلت حماه، وجهل أن لها علاقة بإبل جساس؟
سأقص حجم هذه التجاوزات؛ لنحكم:
•تجاوز في مسألة الحمى، وبلغ حدًّا مهينًا نوّع فيه أساليب ذل رعيته، ومنه:
-حمى مواقع السحاب.
-كان يجير الصيد فيما يشاء من أمكنة، فلا يهاج.
-كان يضع كليبا له في الروض الذي يعجبه، وحيثما بلغ عواؤه، فهو حمى له، ورمزية صوت الكلب بلغ فيها غاية الاستخفاف بقومه، وأقصى درجة في امتهانهم.
••بلغ من استهتاره برعيته أن منع أن يوقد أحد نارا إن أوقدت ناره، وأن يتكلم القوم في جليل الأمور في حضوره، وألا ينبس بحرف في مجلسه، وقد آلم المهلهل عودة الحرية إلى القوم بعده:
نبئت أن النار بعدك أوقدت
واستب بعدك يا كليب المجلس
وتكلموا في أمر كل عظيمة
لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا.
•••لم يكتف قومه بالصمت أمام طغيانه بل وجد هذا الطغيان قبولا شعبيًّا، وجُمِّل بأفخم ألفاظ اللغة، فقيل: "أعز من كليب وائل"!
ولم يكن الاحتفاء به وقفا على الجاهلي، بل سنجد متأخرا كالميداني يعد ذلك (عزا)، فيقول في مجمعه: "وكان من (عزه) ألا يتكلم أحدٌ في مجلسه، ولا يحتبي أحد عنده".
••••ومن هنا، فهل قبل قومه كل هذا الهوان المبين المستنزف لقيمة إنسانيتهم، ولم تفق نخوتهم إلا على رغاء بعير متجاوز في حكم أعرافهم، والتعويض المالي أقصى مطامح صاحبه؟
ثم أليس جساس نفسه شريك كليب في قصة حمى المرعى بتبعياته المهينة؟
وختامًا، فتواشجًا مع تغريدتي عن العقل العربي، فإن مما يؤكد فتنة هذا العقل بحلول الانفعال والطيش أن الذاكرة الشعبية تكاد تذهل عن أسماء فرسان العرب الرائعين، بينما يملؤها المهلهل، على الرغم من نذالته ورداءة شخصيته، وسنجد أن حضوره الطاغي بسببٍ من بطولاته المتهورة المتمادية في طيشها.

جاري تحميل الاقتراحات...