وبعد أن تجاوزت الأربعين لازلت أقيم في هذا البلد لظروف العمل، سافرت لإسبانيا ودرست فيها لأول مرة قبل ٢١ سنة، كان يرى البعض أني أخطأت بقرار الدراسة والبعض يقول عني "ما هو صاحي"، كيف يختار الدراسة في إسبانيا ويترك أمريكا وبريطانيا.
كتبت هذه الكلمات على عجالة، لعلها تكون مقدمة لمذكراتي في إسبانيا التي جربت فيها العيش كطالب وكموظف، كأعزب ومتزوج، كمغامر ورحّال، كمشاغب وهادئ.
كما كانت لي تجربة جميلة خلال إقامتي في فرنسا سنة كاملة لتعلم اللغة الفرنسية وبالتحديد في مدينة "ليون"، وقد كانت تجربة جميلة مثرية زرت فيها العديد من مدن وقرى فرنسا وسويسرا، ولم تكن هذه الزيارات سياحية فقط، بل هي زيارات ثقافية واستكشافية.
وقد أفادتني الإقامة في إسبانيا بالتعرف على البلدين المجاورتين لإسبانيا "البرتغال" وهي الجزء الثاني من بلاد الأندلس، والمغرب، فقد زرت هاذين البلدين كثيراً للتعرف على معالمهما وحضارتهما وتاريخهما. كون هذين البلدين جزء من التاريخ الأندلسي.
من نعم الله علي أن حياتي في الخارج وتعلمي للإسبانية والفرنسية والإنجليزية لم تُغيّر من هويتي واعتزازي بها، ولم أُدخل الكلمات الأجنبية في حديثي بالعربية، عدا كلمة "أوكي" التي كنت ولا زلت أحاول التخلص منها.
رغم أن أبنائي قد عاشوا ودرسوا في إسبانيا، إلا أن اللغة العربية هي جزء من هويتهم، فلست أشتكي ولله الحمد من ضعف لغتهم العربية، ولا من اعتزازهم بهويتهم العربية والسعودية.
كنت معتزاً دائما بكوني مسلماً وأني من المملكة العربية السعودية، متعلقٌ دائماً بهوية وثقافة الجزيرة العربية وتراثها، خصوصاً "نجد". لم أنقطع خلال العشرين سنة عن زيارة المملكة بشكل كثير ومستمر.
لا أعرف من أين أبدأ في سرد الذكريات، هل أبدأ من فكرة الدراسة في إسبانيا والتجهيز لها وكيف أقنعت والدي رحمه الله بالموافقة. أم بسرد نقاط متنوعة متفرقة.
قد أبدأ بالنصيحة للدارسين في الخارج، وأولها ضرورة التعرف على ثقافة وأدب وديانة البلد الذي تدرس فيه. فمن المهم فهم عقيدتهم وثقافتهم وعاداتهم، لا لغتهم فحسب.
فقد كانت هي ثاني كتب أقرأها في مقارنة الأديان، بعد الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة من إصدار الندوة العالمية، ثم أتبعتها بكتاب الشيخ عبد القادر شيبة الحمد في الأديان، ثم كتب محمد أبو زهرة والدكتور عبد الله سمك وصابر طعيمة وغيرهم.
كنت مخطأ عندما اعتقدت حينها أن كتب الشيخ أحمد ديدات ومناظراته هي الأفضل لمن يرغب "بالبدء" في القراءة في مقارنة الأديان. لكن القراءة له جميلة ومفيدة لكنها ليست البداية.
وقبل أن يقرأ القارئ في الأديان الأخرى فعليه أن يكون ملماً بدينه أولاً، لذا فإني أنصح بكتب استفدت منها حينها ككتاب الشيخ علي الطنطاوي "تعريف عام بدين الإسلام" و"معالم الثقافة الإسلامية" لعبد الكريم عثمان. وبمؤلفات محمد دراز ومحمد الغزالي ومصطفى محمود رحمهم الله.
فقد استفدت كثيراً من كتب مصطفى محمود حينها مثل كتابه "حوار مع صديقي الملحد" وكتاب "رحلتي من الشك إلى الإيمان" ومؤلفات الغزالي مفيدة لمن يعيش في الغرب. وأنا أرى كتبهم مهمة للمبتدئين في القراءة ولمن يعيش في الغرب، وللشباب بشكل عام.
@mmssee_oo الشرف لي
ولما تعمقت أكثر، قرأت الرحيق المختوم لصفي الرحمن وفقه السيرة للغزالي والبوطي، ومؤلفات محمد علي مغربي "سلسلة أعلام الصحابة" وكتب قصص الأنبياء وقصص القرآن، ومؤلفات علي الطنطاوي رجال من التاريخ وقصص من التاريخ وقصص من الحياة وأعلام من التاريخ. وغيرها من الكتب الجميلة.
وبدأت في المرحلة الثانوية بقراءة بعض كتب التراث كبعض مؤلفات ابن كثير "قصص الأنبياء وأشراط الساعة والبداية والنهاية الذي قرأته في مدة طويلة لكني استمتعت بها، كما قرأت سيرة ابن هشام، بالإضافة لقراءة الصفحات المتعلقة بالسيرة النبوية والدولة الأموية عند ابن الأثير وابن خلدون والطبري.
وقد كانت قرائتي المبكرة للبداية والنهاية خطأ، فقد كان هناك ما هو أولى وأهم في هذه المرحلة كون مثل هذه الكتب هي مناسبة للمتخصصين.
كان تعلقي بشكل كبير بالتاريخ وما ارتبط به بالإضافة لكرة القدم، فقد كنت شغوفاً بها وكنت حريصاً على متابعة مباريات الهلال والمنتخب وتسجيلها حتى أستطيع لاحقاً إعادة متابعتها، فقد كانت أول مباراة سجلتها هي مباريات كأس العالم للناشئين عام ٨٩
كان رقمي المفضل هو "خمسة" بسبب حبي للكابتن صالح النعيمة @S_AlNeayma وكنت حريصاً على متابعة كل أخباره وجمع صوره، وكان اعتزاله صدمة لي آنذاك كونه كان غير متوقع. وكانت كل قمصاني الرياضية تحمل رقم الكابتن صالح.
وكنت متابعاً شغوفاً لكرة القدم حتى اعتزال الكابتن يوسف الثنيان @YousifAlthunian واكتملت بخسارة المنتخب من ألمانيا الخسارة الشهيرة، كوني تابعت هذه المباراة في إسبانيا وسببت لي الإحراج الكبير آنذاك، فودعت متابعة كرة القدم.
ومع هذا فقد كان حضوري للملاعب نادراً، فأتذكر أن جميع المباريات التي حضرتها في المملكة قليل جدا قد تصل ل ٦ أو ٧ مباريات فقط رغم اهتمامي الكروي آنذاك.
لكن لم أتوقع حضوري في الملعب وقت المباراة كمترجم لنادي فالنسيا الإسباني في حفل اعتزال يوسف الثنيان @YousifAlthunian ومترجماً للمؤتمر الصحفي آنذاك.
توجهت للسفارة الإسبانية للحصول على تأشيرة، قدمت أوراق بسيطة واستلمت التأشيرة بعد سويعات. جهزت الحقيبة وأنا حريص على حمل كل شيء معي على أن لا يتجاوز الكيلوات المسموحة على الخطوط السويسرية، وحملت بعض الأغراض معي داخل الطائرة، إلاّ أن حقيبة اليد داخل الطائرة كانت أثقل من حقيبة الشحن
جلست مع أخي خالد "شفاه الله" صاحب الخبرة في الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية مطلع الثمانينات، فأعطاني من توجيهاته ونصائحه، ومنها أن أتوجه للسفارة السعودية لتسجيل جواز سفري فور وصولي لمدريد.وكان قد سبقني في تعلم اللغة الإسبانية بشكل عام هو وإخوة آخرين.
قمت بدراسة كتاب لتعلم اللغة الإسبانية "تعليم ذاتي" حفظت فيها الأحرف والكلمات الأساسية وبعض الجمل والعبارات، وكان من أهمها كلمة "خنزير"، كي أتحاشا أكله.
توكلت على الله بالجمس، وزفني ٩ من أصدقائي للمطار لتوديعي، ومريت على صيدلية واشتريت "حلاو فيكس". ورأوني ولأول مرة "بقميص وبنطلون"، وكان منظراً غريباً بالنسبة لهم
علماً بأني قمت بمغامرة قبل توجهي للمطار، وهي أني ذهبت لأسواق التميمي في شارع الثلاثين مشياً على الأقدام، وهي التي كانت يوماً من الأيام "ملعب كرة قدم لأبناء الحواري القديمة" مثلها مثل الأرض الواقعة فيها الآن أسواق "لوكا لايزر" التي شاركنا فيها في بطولة حصلنا فيها على المركز الأخير
والمغامرة أني ذهبت لأسواق التميمي لابس قميص وبنطلون، وكنت أتحاشى المشي في الشوارع الواسعة كي لا يراني الجيران أمثال @Athbi_Alaqeel كي لا ينتقدني أحد بهذا اللبس، لكني أردت القيام بالمغامرة وتجربة البنطلون والمشي به، فلم ألبس هذا اللبس إلا في سفراتي السابقة لمصر الحبيبة.
لكن الدورية داخل الحارة أوقفتني واستغربت من ذلك الذي يمشي في تلك الحارة لابس "قميص وبنطلون"، فطلبوا اثباتي "وقد كانت حارتنا مشدّدة أمنياً بعد تفجيرات العليا، وكان الدخول لحارتنا يتطلب تفتيشا أمنياً استمر سنوات، كون الحي مليء بإسكانات الأجانب من أمريكا وأوروبا.
وقد أدت هذه التفجيرات الغاشمة لإغلاق أحب سوبرماركت لنا في مرحلة الطفولة الذي حضرت يوم افتتاحه عام ١٤٠٥هـ وهي أسواق البيت الأخضر في شارع التحلية "وهو الشارع الذي كنت نلعب في طريق الخدمة فيه قبل إلغاءه وترصيفه "كرة القدم" التي نقوم فيها بتحديد عارضة المرمى من خلال "الأحذية"
وكان ملعبنا تحديداً أمام ثانوية العليا التي كانت آنذاك مقراً لمدارس البنات "الاحتياجات الخاصة"، فانتقلت ملكيتها من الرئاسة العامة لتعليم البنات لوزارة المعارف ثم أصبحت ثانوية العليا بعد ذلك ودرست فيها.
ها أنا ذا في المطار مقبل على إسبانيا والأندلس، في رحلة قصيرة، لم أتوقع أن تكون طويلة، كانت رحلة دراسية في مدينة واحدة، وكنت أرغب فقط بزيارة قرطبة وغرناطة واشبيلية، لكني لم أتوقع أن أجول في مدنها وجبالها وجزرها، لم أتوقع في تلك اللحظة أني ما زلت فيها بعد أكثر من عشرين سنة.
رحلة بدأت فيها في التعمق بقراءة تاريخ الأندلس من خلال حسين مؤنس، بعد أن كونت فكرة عنها من خلال ما قرأته لبسام العسلي ومحمود شيت خطاب وشوقي أبو خليل وآخرين، فها أنا أبدأ بالتعرف على الأندلس حضارةً وتاريخاً. ليس من مصادره العربية فحسب، بل من الإسبانية.
فقد تميز من تأثرت كثيراً بمنهجهم كالعلامة حسين مؤنس والعلامة محمد عبد الله عنان والدكاترة السيد عبد العزيز سالم ومحمد مكي وأحمد العبادي والحجي بأنهم قرأوا المصادر العربية والإسبانية والأوروبية بلغاتها، ولم يكتفوا بقراءك المصادر العربية فقط، لذا قدموا لنا دراسات تاريخية مقارنة.
لذا من المهم أن تكون دراسات المؤرخين اليوم عن منهجية هؤلاء المؤرخين وطريقتهم في البحث التاريخي الذي قلّ للأسف نظيرهم اليوم ولم يبق منهم سوى قلة مثل الدكتور @aaelhajji حفظ الله والدكتور حتاملة وآخرين.
بدأت مسيرتي بالدراسة في مدينة سلمنكا "شلمنقة" التي تضم إحدى أقدم جامعات العالم والتي تشرفت بدراسة الدكتوراه فيها. حيث تأسست هذه الجامعة سنة ١٢١٨م، فهي رابع أقدم جامعة أوروبية مفتوحة وأقدم جامعة على مستوى إسبانيا وعلى مستوى الدول الناطقة بالإسبانية.
أتاحت لي هذه الانطلاقة من مدينة سلمنكا التعرف أكثر على الثقافة الإسبانية، فمن الخطأ الشائع عند كثير من الطلبة في الخارج هو بحثهم عن تعلم اللغة، ويعتقدون أنهم تعرفوا على ثقافة البلد بدراستهم للغة أو بتعرفهم على بضعة أصدقاء.
بل إن الثقافة تعني التعرف على حياتهم اليومية ومعيشتهم وفكرهم وفنونهم وأدبهم وتاريخهم، فقد عرفت طلاباً عرباً في إسبانيا ليست لديهم أدنى فكرة عن "دون كيخوتيه" تلك الرواية الأدبية الشهيرة.
ولم أقم بتفحص هذه الترجمة حتى الآن، وقد لا يعلم البعض أنني تخصصت في اللغات والترجمة بجانب التخصص في التاريخ. وهناك ترجمات لم تنشر بعد لهذا العمل قام بها أبو ملهم وعبود، و ترجمة التهامي الوزاني التي نشرت بعض فصولها في جريدة الريف وهي ترجمة ذات مستوى عالي.
وصلت لإسبانيا لأول مرة، وركبت التاكسي وقلت له بالإنجليزية أني سأذهب للسفارة السعودية، فرد علي رداً لم أفهم منه شيئاً، فقلت له كلمة Casa وتعني "بيت" وقلت له Arabia Saudí وهي السعودية، فمن خلال هذه الكلمات شرحت له "بيت السعودية في مدريد" ولوحت له بيدي لأشرح له ب "علم يرفرف"
فقال لي كلاماً لم أفهمه، ولكني اعتقدت أنه فهمني كونه بدأ بتشغيل السيارة، فقلت له Sí وتعني "نعم"، فانطلقنا للسفارة، بعد أن بحث عن عنوانها في دليل كان يحمله معه، فوصلت للسفارة ولله الحمد، لكني فوجئت بأنها مهجورة.
فبدأ صاحب التاكسي بسؤال المارّة عن السفارة ثم تحدث عبر الجهاز مع تكاسي آخرين، ففهمت منه أنه يسأل عن السفارة وأنها قد انتقلت لمقرها الجديد.
وصلت ولله الحمد لمقر السفارة الجديد، وحاسبت التاكسي بعملة "البيسيتا" الإسبانية التي قمت بصرفها عن طريق فرع البنك الأهلي التجاري في شارع الثلاثين بالعليا.
ولما وصلت للسفارة رحب بي العاملون هناك، وهم مستغربون من قدومي للدراسة في إسبانيا، وما هي الأسباب التي دفعتني لاختيار هذا البلد وهذه اللغة، وأصبحت حديث السفارة آنذاك.
فقد استضافوني في الدور الرابع في طاولة كانوا يجتمعون عليها للإفطار، وقدم بعضهم للسلام علي كونه حدث غريب عليهم أن يأتي سعودي آنذاك للدراسة ويرغب بتسجيل جواز سفره!. المفارقة، أن طاولة الطعام في الدور الرابع تغيرت لاحقا. لتصبح مكتباً لي في السفارة بعد عملي في السفارة لاحقاً.
غادرت السفارة بعد ترحيب كبير، ورافقت أحدهم لمحطة القطار Chamartin المجاورة للسفارة، وقاموا بإبلاغ المعهد هنام عن موعد وصولي لمدينة سلمنكا كي يكون لدى العائلة الإسبانية خبراً بموعد وصولي.
ركبت القطار بعد أن أخذت شريحة جوال من شركة Airtel التي اندمجت لاحقاً مع شركة Vodafone، كنت سعيداً بوجبة الإفطار والحفاوة التي استُقبلت بها في السفارة، لكني تذكرت أني لم أقم بتسجيل جواز السفر وهو السبب الرئيسي في زيارتي للسفارة.
وصلت لمحطة القطار والتقيت بمدير المعهد الذي استقبلني بنفسه وأوصلني لبيت العائلة الإسبانية التي تسكن في الدور الرابع في عمارة لا يوجد بها مصعد كهربائي على منطقة مرتفعة، فيحتاج الوصول لها إلى جهد كبير، ولم يكن لدي استعداد لخسارة سعرات حرارية كوني نحيف وقتها.
كان المدير يتحدث معي في الطريق ولم أفهم منه شيئاً وقد رافقه طالب برازيلي في المعهد كي يستقبلاني وأرادا حمل الحقيبة عني، لكني أصررت على حملها للدور الرابع، لكنهما أخذاها مني، فحمل الطالب الحقيبة الكبيرة وأعطى المدير الحقيبة الصغيرة (وهو لا يعلم أن الصغيرة أثقل من الكبيرة)
مدير المعهد حمل حقيبتي مشكوراً، وهو مستغرب من ثقلها، وينظر الطالب البرازيلي برحمة لأنه يتوقع أنها أثقل من الصغيرة، وقد أعجب بنشاط البرازيلي ولياقته في الصعود عبر السلالم.
دخلت لبيت العائلة، وتعرفت على السيد والسيدة اللذين تجاوزا السبعين عاماً، كان تعباً جداً وجائعاً بالرغم من الإفطار في السفارة، فقد كانت رحلتي مروراً بزيورخ متعبة ونعرف جميعاً وجبات الطائرة.
ولما وُضع العشاء رفضت أكل غير السلطة خوفا من وجود "خنزير" في الأكل، إلاّ أن سيدة المنزل حاولت إقناعي بتقليد صوت "البقرة" والإشارة إلى الطبق، لكني لم أكن وقتها أعرف صوت "الخنزير" فخفت من وجود الشبه في الصوت بينهما، فاحتطت لنفسي ولم آكل سوى سلطة وخبز.
اتصلت على الأهل في الرياض لأطمئنهم، كوني لم أستطع شحن هاتفي "نوكيا" لاتصل عليهم بسبب نوع "فيش الكهرباء"، وأخرجت البوصلة لتحديد اتجاه القبلة، وتوضأت بعد أن أغرقت "الحمّام" بسبب طريقتي في الوضوء وكأني أتصارع، ثم صليت وبدأت بإفراغ حقيبة السفر.
وكنت حريصاً قبل سفري على حمل كل مقتنياتي الشخصية وكنت خائفاً من نسيان أي شيء مهم، فقد حملت معي المصحف والسجادة والبوصلة وكتاب "تعلم الإسبانية في ٧ أيام" ولو أني أستطيع تعلمها من خلال هذا الكتاب في ٧ أيام لما عنيّت نفسي بالسفر.
لم أعرف طريقة استخدام البوصلة، لكني اجتهدت في تحديد القبلة مستخدماً تقنية الرحلات البرية "اجعل الشمس على حجاج عينك الأيمن" ثم تذكرت أني في مغرب الأرض لا في براري نجد.
نمت بعد أن كنت منهكاً تعباً في غرفة عرضها أقل من مترين وطولها ٣ أمتار، أسمع كل حركة في البيت وحتى "نحنحة" سيد البيت وهو يتقلب في سريره ليلاً. فاستيقظت صباحاً لأسأل السيدة بلغة الإشارة عن مكان لشراء محول كهربائي لإشحن هاتفي المحمول.
لم أُكمل خمسة أيام في العائلة حتى انتقلت لعائلة أخرى بعد أن طلبت من المعهد التغيير بسبب أن البيت بعيد عن المعهد وأن العمارة بدون مصعد كهربائي، فتم نقلي لعائلة تسكن أمام المعهد مباشرة في الدور الأول، وتطل نافذة غرفتي على نافذة الفصل في المعهد مباشرة.
وكان الانتقال للسكن الجديد بعد أن باشرت الدروس في المعهد، وفي أول درس توقعت بعد أن تعرفنا في الفصل على بعضنا أن يسألنا المعلم أين سافرتم الصيف كما تعودنا في المدارس. لكنه سألني فقط عن اسمي ومن أي بلد.
وما أتعبني فترة هو أني أنادي المعلم في المعهد بكلمة "أستاذ" - وبالإسبانية Profesor ولا علاقة لهذه التسمية بدرجة الأستاذية الأكاديمية، فأي مدرس بالإسبانية يسمى "بروفيسور"- لأنهم ينادون المعلمين بأسمائهم المجرّدة.
فاستحيت أن أناديه بهذه التسمية، وقلت لعل لديه كنية "أبو فلان"، لكنها لم تكن لديهم، حتى تعودت بعد ذلك على ندائه باسمه المجرد. وكوني قلت "أبو فلان" ففي الإسبانية أيضاً كلمة Fulano "فلانو" وتعني "فلان".
ومن الاشكاليات التي لم أستوعبها في الدراسة هي أنه عند رغبتي في التوجه "لدورة المياه" فليس عليّ أن أستأذن من المعلم، فقط أخرج بصمت وأعود بصمت، وهذه كانت صعبة عليّ في البداية التعود عليها.
ففي أول مرة رفعت فيها يدي، توقع المدرسة أن لا يقاطعه أحد إلا بسؤال عن الدرس، فقلت له "إل بانيو" وهي "دورة المياه" فاستغرب وقال لي "تفضل، بالتأكيد" ولما كررتها مرة أخرى، قال لي لا حاجة لسؤالي مرة أخرى- المهم أن المقصد هو "التحرك" فلم أتعود أن أجلس ساعتين متواصلتين بدون حركة.
في الشهر الأول في الدراسة كنت أتأخر أحياناً، لكني وقتها لم أستطع التعذر بأن عجلة السيارة بنشرت كوني آتي ماشياً، أو أني أوصلت أمي لموعد في المستشفى فهي ليست معي، أو أن أتعذر بزحمة السيارات، كون غرفتي في بيت العائلة تقع مباشرة أمام نافذة الفصل ولا يفصل بينهما سوى شارع عرضه ٢٠ متراً
والعائلة الجديدة كانت مختلفة تماماً ففيها رجل قد تجاوز الستين من عمره، ويُفطر على مشروب الشعير "بيرة" وسيدة تجاوزت الستين من عمرها لكنها سيدة "بخيلة" جداً، وابنهم الذي لم أره إلا نادراً، وكان يُحب السهر كثيراً. وكان الأب والأم في خصام دائم.
ومما صدمني عند رغبتي في الإفطار هو إفطار الإسبان في بيوتهم، فهم يفطرون في بيوتهم على خبز محمّص وزبدة ومربى وحليب. وفي "الكافيتيريا" يفطرون بشكل مختلف قليلاً. فقد كنت أنتظر على الأقل رقائق الذرة "كورن فليكس"، لكني صدمت أم العائلة برغبتي بأن أفطر على "بيض"
فالبيض يتناولونه على الغداء، ومُستغرب جداً تناوله على الإفطار، فأنا قد صدمتهم بهذا الأمر. فثقافة الإسبان في الإفطار تقوم على وجبة خفيفة جداً، وكثيرٌ منهم يكتفي بقهوة مع الحليب والصدمة أنهم يتناولونه دافئاً أو بارداً.
فقد أتعبت كل مقهى ومطعم في إسبانيا أو حتى العوائل التي سكنت عندها خلال سنواتي إقامتي في إسبانيا، ولا زلت، ، وذلك برغبتي بالشاي أو القهوة ساخناً جداً، فهم يقدمونه لي يظنونه "ساخناً" وهو بالنسبة لي "بارداً"، فأصبحت أطلب من أي مطعم أو مقهى أن يُقدم لي الشاي "مغليّا".
تميز المعهد بأنشطته اليومية، فيوم الإثنين يخرج طلاب المعهد المسجلين في هذا النشاط للعب البلياردو والبولينج، فتعرفت على هذا المكان واتخذته مزاراً يومياً، وكان عندهم جهاز كمبيوتر موصول بالإنترنت، فكان هذا الجهاز متنفساً يومياً لنا لتصفح رسائل البريد الالكتروني.
فكنت أبعث الرسائل لإخوتي في المملكة للسلام والاطمئنان، وأتصفح المجموعات البريدية التي كنت مشتركاً بها وهي تمثل "رسائل الواستاب اليوم".
أسست في هذه السنة بريدي الالكتروني في Hotmail بعد أن كان بريدي فقط في Yahoo، فأصبح لدي بريدين لا يزالان معي حتى اليوم بالإضافة لبريدي في Gmail الذي أسسته لاحقاً.
ارتدنا خلال سنوات طويلة نادي البولينج أنا وأصدقائي حتى أُغلق تماماً، كنا نمر عليه بشكل يومي، فهو يوفر وجبات وألعاب، وفيه ملتقانا اليومي وكان له دور كبير في تطور لغتي بمحادثتي للغة الإسبانية مع العاملين فيه.
وهذا يقودني للحديث عن عادة الإسبان في الوجبات، فالإفطار الخفيف يكون مابين السابعة والعاشرة صباحاً، والغداء بين الواحدة والثالثة ظهراً، والعشاء بين التاسعة والحادية عشر مساءً.
لذا نجد المطاعم في إسبانيا تبدأ بوقت الغداء من الثانية عشر ظهراً وحتى الرابعة فتغلق وتعاود الافتتاح الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً حتى الثانية عشر منتصف الليل أو الواحدة صباحاً. لذا فعادتهم في المواعيد مختلفة تماماً عن بقية أوروبا.
فلك أن تتخيل أن بعض بلدان أوروبا ينامون الساعة التاسعة، بينما مطاعم إسبانيا تفتح أبوابها التاسعة مساء. وأغلب المطعم تغلق بين الرابعة والثامنة، فتجد كثيراً من السياح يواجه مشكلة في هذا التوقيت.
فالسائح العربي يأكل عندما يجوع، وعندما يجوع فهو يبحث عن أقرب مطعم، فإذا جاه بين الرابعة والثامنة فلا يستطيع الذهاب للمطاعم عدى مطاعم الوجبات السريعة، أو مطاعم Tapas لكن السائح العربي في إسبانيا لا يعرفها، فتفوته.
وللإسبان وجبة Merienda تكون بين الغداء والعشاء، وهي وجبة خفيفة كوجبة الإفطار بالنسبة لهم، ويسميها البعض في العربية "وجبة العصرونة"، وهي وجبة منتشرة في بلدان أمريكا اللاتينية وبعض البلدان الأخرى ولها تسميات مختلفة.
ومن عادات الإسبان اليومية التي ارتحت لها وأطمأننت لها هي "القيلولة" فهي مهمة لدى الغالبية، فهما فرحت لوجود عادة مشتركة بيننا وبين الإسبان. إلا أنّ قيلولتهم نصف ساعة أو ساعة على الأكثر، بينما قيلولتي "في ذاك الوقت" ساعتين على الأقل.
جاري تحميل الاقتراحات...