فهد.
فهد.

@I0ll

32 تغريدة 1,024 قراءة Oct 19, 2019
هنا سِلسلة من التغريدات أعرِض فيها -بإذن الله- حديث المسيري عن علي عزت بيجوڤيتش -رحمهما الله- وكتابه «الإسلام بين الشرق والغرب». جمعتُ المادة من كتب المسيري واختصرتها وتصرَّفتُ بها حتى ينتظم الخرز. أرجو أن يكون في التغريدات ما يُثري وينفع.
نبدأ بما ذكره في «رحلته الفكرية»، يقول: وكانت تربطني بالرئيس علي عزت بيجوڤيتش، رئيس البوسنة، رابطة فكرية عميقة. فقد قرأتُ كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» وأدركتُ أنني أمام عمل فكري متكامل من الطراز الأول، فهو يقدِّم تحليلاً عميقاً للحضارة الغربية.
وحين حضر إلى القاهرة عام ١٩٩٥م عقدتُ على شرفهِ حفلاً حضره بعض المثقفين المصريين وأجاب عن أسئلتهم بطريقة تبين مدى اتساع ثقافته. ولكنه قال إنه ترك الثقافة منذ مدة طويلة، لأنه أصبح مشغولاً بأمور أخرى سياسية مباشرة، مثل توفير السلاح للمجاهدين البوسنيين =
الذين يحاولون إثبات أن التهام أهل البوسنة ليس بالأمر السهل ولا يمكن أن يتم في عدةِ أيام (كما كان يتصور الصرب وأوربا من خلفهم، التي كانت على أتم استعداد لأن تقيم مأتماً لإحياء ذكرى البوسنيين بعد إبادتهم!). وعند هذه اللحظة بكى بيجوڤيتش، ومسح الدموع من عينيه واستمر في الحديث مبتسما.
قال عنه في تقديمه لكتابه: [هو] صاحب اجتهادات مهمة في تفسيرِ ظاهرة الإنسان في كل تركيبيتها. وهذه التركيبية، المرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية لنظامه الفلسفي. ثم يشير المسيري إلى أنه ليس مجتهدًا فقط، بل مجتهد ومجاهِد.
لأنه يحلل الحضارة الغربية ويبيّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومِها ونموذجها المهيمن، ثم يتصدّى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه. ولعلّ إيمانه بالإنسان (النابع من إيمانه بالله) هو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج .. دور المجاهِد والمُجتهد، ودور الفارس والراهب.
وفي «الثقافة والمنهج» يقول: ومِن أهمِّ الكُتب التي أثرت فيّ بعد أن تبلورت فكرياً كتاب علي عزت بيجوڤيتش الذي يحمل عنوان «الإسلام بين الشرقِ والغرب»، الذي ترجمه الأستاذ محمد عدس ترجمة ممتازة، بل إن ترجمته العربية أفضل من النصِّ الإنجليزي بمراحل.
لو كنتُ قرأت هذا الكِتاب في مقتبل حياتي الفِكرية لوفر عليّ وقتاً كبيرًا، لأنه قدّم رؤية إنسانية إسلامية للكون، رائعة وعظيمة. فبيجوڤيتش ينطلق من الإنسان إلى الماوراء ومنه إلى الله، وليس من الله إلى الإنسان كما يفعل كثير من المُفكرين والدعاة.
فعلى سبيل المثال فهو يذهب إلى أن الإنسان كائن ميتافيزيقي، دائم البحث عن المعنى، وأنه لا يمكنه أن يدور في إطار النموذج المادي وحسب، ولذا لابد أن يؤمن بشيءٍ ما متجاوز للسطح المادي، فإن لم يؤمن بالإله، فإنه قد يؤمن بالعِرق أو بالجنس أو بالآيسكريم! فهي ميتافيزيقا بلا أعباء أخلاقية.
وقد حاول بيجوڤيتش تقويض النظرية الداروينية المادية ليس عن طريقِ الإتيان بأدلة علمية وإنما عن طريقِ توضيح عجزها عن تفسير كثير من جوانبِ الظاهرة الإنسانية. فيشير إلى مقدرةِ الإنسان على أن يضحي بنفسه من أجلِ الآخرين، وكيف أن هذا يتنافى مع القوانين الطبيعية.
وفي موضعٍ آخر يقول:
لقد وجدتُ أن المنظومة الإسلامية كرؤية للكون تفسر لي الواقع تفسيرًا مركباً، والأهم من هذا أنها تفسر الظاهرة الإنسانية. فلا يمكن للمنظومة العلمانية أن تُفسِّر ظاهرة الإنسان. ومن هنا أرى أهمية كتاب علي عزت بيجوڤيتش «الإسلام بين الشرق والغرب».
فهو لا يذكر الله أو الإسلام إلا في الجزء الأخير. في بدايةِ الكتاب يأخذ ظاهرة الإنسان ويقول: فلننظر في هذا الإنسان؛ يقول الماديون إنه مادة، حسناً! هذه المادة الإنسانية عاشت جنباً إلى جنب مع الحيوانات: اصطادت مثل الحيوانات، جرت مثل الحيوانات.
لكن في يومٍ من الأيام توقف الإنسان وبدأ يقدِّم القرابين، فماذا حدث لهذا الحيوان؟ لقد أُصيب بشيء ما! يسميه علي عزت بيجوڤيتش ”الدوار الميتافيزيقي”. أُصيب بدوار فتوقف، وبدل أن يجري مثل بقية الحيوانات متبعاً برنامجاً طبيعياً وقف وبدأ يقدِّم قرابين..
ويرسم وشمًا أو يعبد صنما. وهذه كلها أفعال تدل على أنه ليس حيوانا، وأنه في حالةِ قلق، أُصيب بدوار. ومنذ تلك اللحظة التي يسميها بيجوڤيتش ”اللحظة الفارقة” أصبح الإنسان إنسانا.
وقال في «الهوية والحركة الإسلامية»، وبعد أن تحدث عن عمليته العقلية في مراقبةِ الطبيعة البشرية، وكيف أن الإنسان لا يمكن أن يُستوعب في النظامِ الطبيعي، وأنه يشير إلى شيء وراء الطبيعة، قال: وفي كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» يلجأ بيجوڤيتش إلى الأسلوب نفسه.
فهو لا يقتبس من القرآن والسنة، وحين يفعل ذلك فإنه يضع النصوص التي اقتبسها -غالباً- في الهامِش، أي إنه يبين أنها ”مرجعيته النهائية”، وهو في الوقت نفسه يقدِّم تحليلات وتفسيرات في العمق والجدة، فهو يطرح قضية الإيمان في مقابل الرؤية المادية الإلحادية بطريقة عقلانية.
عقلانية بمعنى أنها تنطلق من حقائق النفس البشرية. فبين حاجة الإنسان إلى الميتافيزيقا، ويبين أن الإسلام يقف في الوسط؛ بين الماركسية التي تؤكد الجانب المادي في الوجود الإنساني، والمسيحية التي تؤكد الجانب الروحي في هذا الوجود. فكلاهما يهمل ثنائية الجسد والروح التي تسم الوجود الإنساني
وقد قال نيتشه: ”إن آخر مسيحي مات على الصليب”. أي إن المسيح كان أول المسيحيين وآخرهم، وهي عبارة متطرفة (مثل معظم أقواله) ولكنها دالة. ويرى بيجوڤيتش أنه إذا كانت الماركسية تطرح رؤية مادية مستحيلة، فالمسيحية تطرح رؤية روحانية لا تقل عنها استحالة.
على عكسِ الإسلام الذي يرى بيجوڤيتش أن بنيته هي ذاتها بنية النفس البشرية في ثنائيتها المادية والروحية. ثم يضيف أن هذا هو سبب مشكلة الغرب مع الإسلام، فهو لا يعرف إلا المادية المتطرفة والروحانية المتطرفة.
ولذا فهو تارة يتهم الإسلام بالغيبية والروحانية، وتارة أخرى يتهمه بأنه مادي ويتسم بغياب الروحانية. ثم يقول المسيري: فأنا لا أرفض المادية بوصفها نموذجا تفسيريا لبعض جوانب الوجود الإنساني، وإنما أرفضها نموذجا لتفسير مجمل الوجود الإنساني.
إذ يوجد في الإنسان ما يستعصي على التفسيرات المادية، فالإنسان ليس محصورًا بالسقفِ المادي، ولذا أحتضنُ الرحابة الإنسانية غير المادية وأدافع عنها، باعتبارها دفاعا عن الإنسان وشاهدًا على وجود الله تعالى.
وفي كتاب «رحابة الإنسانية والإيمان» والحديث عن كتاب بيجوڤيتش، يقول: فالإسلام -كما يقول علي عزت- ”ليس مجرد أمة بالمعنى البيولوجي أو الإثني أو العرقي، وليس حتى جماعة دينية بالمعنى الروحي الخالص للكلمة، وإنما هو دعوة لأمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي تؤدي رسالة أخلاقية”.
وانطلاقاً من ذلك يؤكد بيجوڤيتش أنه لا يمكن إغفال المكوِّن السياسي للإسلام وقصره على النزعة التصوفية الدينية؛ لأن في هذا ”تكريساً صامتاً للتبعية والعبودية”. ولا يمكن كذلك إغفال المكوِّن الديني (الروحي) في الإسلام؛ لأن في هذا كذلك رفضاً صامتاً للقيام بالأعباء الأخلاقية.
إن الإسلام الحقيقي ليس مجرد دين روحي أو طريقة حياة فقط، بل هو منهج ومبدأ لتنظيم الكون أكثر منه حلّاً جاهزاً، إنه المركب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة.
إن الإسلام ليس ديناً ودولة كما يقول البعض (الذين وقعوا صرعى التعريفات العلمانية الغربية، والتي تعطي مركزية هائلة للدولة)، بل هو دين ودنيا يتوجه للجانبين الروحي والمادي في الإنسان.
ختاما:
يرى بيجوڤيتش أن هناك ظروفاً أساسية في حياة الإنسان يُطلق عليها «الأوضاع الحدية» [وهي الأوضاع التي يوجد فيها الإنسان اضطرارًا]. من المؤكد أن واجب الإنسان هو أن يبذل جهده لتحسين كل شيء في هذا العالم بما في مقدوره. ومع ذلك فسيظل هناك مشاهد مأساوية حتى في أكثر المجتمعات كمالا.
والإنسان على أحسنِ الفروض قد يستطيع أن يقلل من كم المعاناة في هذا العالم، ومع ذلك سيبقى الظلم والألم مستمرين. العالم ليس يوتوبيا تكنولوجية، يمكن فهم كل شيء فيها، والتحكم في كل المخلوقات التي تسير فيها، إذ سيظل هناك المجهول وغير المتوقع.. سيظل هناك الخير والشر.
ماذا يفعل الإنسان في مواجهةِ ذلك؟ هناك إجابتان مختلفتان عن السؤال نفسه، الأولى التمرّد والانحراف والعدمية. ولكن هناك أيضًا التسليم لله، والاعتراف بالقدر، أي الاعتراف بالحياة على ما هي عليه، وقرار واعٍ بالتحمل والصمود والتجمّل بالصبر.
والتسليم لله هو ضوء يانع يخترق التشاؤم ويتجاوزه. فأن ندرك حقيقة وضعنا في هذا العالم يعني أن نستسلم لله، وأن نتنفس السلام، وألا يحملنا الوهم على أن نبدِّد جهودنا في الإحاطة بكل شيء والتغلب عليه. علينا أن نتقبل المكان والزمان اللذين أحاطا بميلادنا، فالزمان والمكان قدر الله وإرادته.
إن التسليم لله هو الطريقة الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروفِ الحياة المأساوية. إنه طريق للخروج بدون تمرّد ولا قنوط ولا عدمية ولا انتحار. هذا هو الموقف الإنساني الوحيد الممكن الذي لا يقذف بالإنسان في هوّة الظلمات والتشاؤم والعدمية.
وفي نهاية المطاف يخلص بيجوڤيتش إلى أن الإسلام ”لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا محرماته، ولا من جهودِ النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها، وإنما من شيء يشمل كل هذا ويسمو عليه..
من لحظةٍ فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني، من قوةِ النفس في مواجهة مِحن الزمان . . من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود من أحداث، من حقيقةِ التسليم لله. إنه استسلام لله.. والاسم: إسلام!”.
والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...