المحامي نايف آل منسي
المحامي نايف آل منسي

@nayef_almnsi

17 تغريدة 213 قراءة Oct 19, 2019
١
لدى الصحويين نظرية "البيئة النقية"
وهي تقول:
يجب منع كل مظاهر السفور والاختلاط لأن بها تشيع الفاحشة ثم يحل علينا عقاب الله!
وأقول لهم:
التاريخ يقول لنا إنه في زمن النبي ﷺ والخلفاء كانت شريحة من النساء يخرجن بين الناس بشعورهن ونحورهن ويباح النظر لهن ولايجب غض البصر
يتبع
٢
وهؤلاء النسوة شابات وشقروات وحسناوات -غالبا- وممنوع عليهن ارتداء الخمار والجلباب وهن في الغالب غير محتشمات لكثرة تداول الرجال لهن.. وأعني بذلك الجواري!
ووجه عدم التزامهن بما تلتزم به الحرائر أنهن سلع يجوز بيعها وشراؤها وبالنالي يجوز للرجل النظر إليها دون تحفظ لأنه قد يشتريها!
٣
فوجود الجواري في المجتمع الأول على الكيفية السالفة ينقض النظرية الصحوية من أساسها وهي التي تريد حماية المجتمع من السفور والاختلاط!
في حين وجدنا أن مجتمع النبيﷺ كانت تسير فيه شريحة من النساء سافرات
فكان التعويل على الالتزام الذاتي وحرص كل مؤمن على دينة بدلا من الوصاية والحماية
٤
وقد كان بإمكان الشرع أن يفرض على الجارية ما يفرضه على الحرة تحقيقا للبيئة النقية وحماية الشباب من مشاهدتهن بغير حجاب
لكنه اكتفى بالأمر بغض البصر وحفظ الفرج وترك حياة الناس تسير بانسيابها ووكل المؤمن إلى ديانته وخوفه من الله!
فلم يكن هاجس مراقبة الناس والوصاية عليهم معتبرا!
٥
وباستعمال هذه النظرية الصحوية القائمة على تعقيم المجتمع بالقوة.. وجدناهم يحشرون أنوفهم في كل صغير وكبير ويتدخلون في أدق التفاصيل في لباس المرأة ودورها في المجتمع بما أوجد العنت والتنطع!
حتى أرادوا منعها من التعليم والعمل -حتى في بيع ملابس النساء الداخلية-!!!!
٦
وهم إلى اليوم يتوعدون الناس بالعقاب الجماعي من الله عندما يشاهدون بعض النساء يخرجن سافرات أو حتى كاشفات لوجوههن (الحجاب الشرعي المعتمد عند كل أمة محمد اليوم) ويذكروننا بحديث السفينة وغيره
ويقيمون المناحات والبكائيات في (الواتس) عند أي ممارسة
مع أن بإمكانهم اجتنباب ما لا يريدون
٧
لكن نظرية البيئة النقية تجعلهم في قلق دائم ويشعرون بالتهديد المستمر ويرون أنفسهم مسؤلين أمام الله عن تصرفات الأفراد وضبطها!
ووجدنا مؤخرا وجود جماعات ودول معادية استفادت من هذه النظرية لتجنيدهم تحت شعار الانتصار للدين
فانطلقوا بكل غضب وحماس وغباء لإنقاذ المجتمع من الغرق
بزعمهم
٨
والأسوأ من ذلك انضمام فريق آخر من "المستشرفين" إلى هذه الجيوش -ممن لا يؤمنون بالنظرية الصحوية في الوصاية على المجتمع- وليس لهم أي اهتمام بالشرع لا علما ولا عملا
ولكنهم فقط يدعمونهم بشعار "أحب الصالحين" ولاعتقاد بعضهم أن كل ما يقوله الشيوخ يجب بالضرورة أن يكون هو الدين الواحد
٩
مع أن الثابت هو أن أساس التكليف قائم على عمل الفرد واختياره بين الصواب والخطأ وعشرات الأدلة القرآنية تخاطب النبي -وهو النبي ﷺ- بأنه ليس وكيلا ولا مصيطرا على الناس وإنما هو مبلغ وناصح ومرشد
ولذلك كان يوجد في عهده ﷺ الزناة المحصنين مما يؤكد على أن المجتمع لم يكن مقفلا بالكامل
١٠
فإذا كان النبيﷺ وهو المسئول عن هداية الناس حصر الله دوره في البلاغ والنصيحة فكيف يصح إجبار الناس:
﴿إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾
﴿وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل﴾
﴿وما أنت عليهم بجبار﴾
﴿إنْ عليك إلا البلاغ﴾
﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونو مؤمنين﴾
١١
فالشرع لم يأت للوصاية على الناس ومنعهم من الخطيئة بالقوة والإكراه لأن هذا ينافي طبيعة التكليف الذي يقوم على امتحان المؤمن واختبار التزامه بأحكام الله وتأجيل محاسبته ليوم الحساب!
وقد يقال:
لماذا إذن شرع الله حد الزنا ولم يترك الناس يختبرون إيمانهم ويؤجل حسابهم ليوم القيامة؟
١٢
فالجواب:
إن الزنا محرم وشيوعه في المجتمع محرم وعليه العقاب ونحن لا نتحدث عن الزنا ولكن نتحدث عن التضييق على الناس خوفا من وقوع الزنا!
فكل الحدود الشرعية إنما تجب عند رؤيتها ونهى الشرع عن التلصص ومراقبة الناس من أجل تطبيقها بل أمر بإسقاطها لأدنى شبهة وفتح باب التوبة مُشرَعا
١٣
فالحاصل:
أنه ليس من مقاصد الشريعة إيجاد البيئة النقية المعقمة بالكامل لمنع الناس بالقوة من الوقوع في الخطيئة ومراقبتهم على ذلك!
وأن التكليف الإلهي علاقة فردية تقوم على الوازع الديني بين العبد والرب
وأن الله أوجد الخير والشر في الدنيا ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾
١٤
فمحاولة مخالفة الطبيعة الكونية والحرص المبالغ فيه على إيجاد البيئة النقية وفرضها بالقوة ليس من هدي النبي ﷺ
فقد وجدنا -خلافا لموضوع خروج الجواري سافرات- أنه لم يغلق على المرأة حياتها خوفا عليها
فسمح لها بالخروج والتجارة والمشاركة في الحرب والصلاة في المساجد
وكان بإمكانه منعها
١٥
والأهم في الموضوع هو فرض الرأي الواحد وإلزام النساء بأحكام فقهية مختلف فيها وتم اختيار الأشد منها تحت هاجس صناعة البيئة المعقمة
والغريب أن نظام الدنيا يظل ساريا مهما حاولنا تغيير مساره بالقوة
ونسب الجرائم الأخلاقية عندنا مشابه للدول المجاورة ولم تفلح كل هذه القيود في منعها
١٦
فالواجب أن ندع الحياة تسير بطبيعتها دون خوف زائد أو وسوسة ونترك للناس خياراتهم الفقهية ويتم التركيز على النقاء الفردي الحقيقي وليس نقاء النفاق المفروض بالقوة!
فإن الدين أتى في الأساس لتهذيب الفرد ولم يأت لإيجاد محاضن معقمة يعيش فيها من ﴿يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾
ليس في القرآن أن الله يسأل المرسلين:كم هديتم من الناس!
لأن مسؤليتهم محدودة في البلاغ وليست في إكراه الناس على الحق أو حمايتهم من أنفسهم أو تأمين وتعقيم الأجواء لإبعادهم عن المعصية!
ولكنه سوف يسألنا نحن:
﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾
لأننا الوحيدون المسئولون عن صلاح أنفسنا!

جاري تحميل الاقتراحات...