يتساءل : لماذا انهار مشروعنا الدعوي الذي دام عقودا ؟! ما أكاد أصدق ما أراه ؟!
فقلت له : ما تراه هو النتيجة الحتمية لأخطاء منهجك الدعوي ، الذي راهن على عزلة المجتمع عن العالم ، بحجة الخصوصية . والذي لم يعتمد على تنمية الرقابة الذاتية والقناعات العقلية ،
فقلت له : ما تراه هو النتيجة الحتمية لأخطاء منهجك الدعوي ، الذي راهن على عزلة المجتمع عن العالم ، بحجة الخصوصية . والذي لم يعتمد على تنمية الرقابة الذاتية والقناعات العقلية ،
وإنما اعتمد على ممار سة الوصاية والإجبار والتدخل في الخصوصيات ، ولا اكتفى بذلك ، بل ضم إلى هذه الخطايا المنهجية : تشديدات وغلوا في التحريم والمنع والتضييق في المباحات ، بحجج تافهة .
فدعك من الماضي !
فدعك من الماضي !
فإنك إذا أردت النجاح لمشروعك الدعوي مستقبلا : فلا تكلف مجتمعا غير مثالي بتورعات المجتمع المثالي واحتياطاته ، بل بيّن له آخر حدود المباح وغير المحرم .. إلى آخر حد المباح ، عساه أن يكتفي به .
بل يجب أن تبين له أن ارتكاب المعصية الصغيرة (وهي معصية) أقل شرا من الكبيرة ، لا أن توهمه بأن الصغيرة كبيرة ، ولا تخاطبه بما كان يُخاطَب به المجتمع المثالي : "لا تنظر إلى صغر الخطيئة ، ولكن انظر إلى عظم من عصيت".
أرأيت تدرج تشريع تحريم الخمر ، وكيف تدرج خطاب الله تعالى في القرآن الكريم في تحريمها ؛ لكي يكون التحريم بعد نزوله قابلا للتطبيق . ولذلك (كما في حديث صحيح البخاري) لما ذكرت أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) أن أول ما نزل من القرآن بمكة كان آيات تقوية الإيمان بذكر الجنة والنار ،
قالت : "حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام" تقصد بعد الهجرة ، أي بعد تربية إيمانية دامت ١٣ عاما على يد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وبوحي وهداية رب العالمين عز وجل ،
قالت :"حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام : نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا . ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنا أبدا" .
فإذا كان السابقون الأولون من المهاجرين محتاجين للتدرج في التشريع في أنكر المنكرات (الخمر والزنا)،
فإذا كان السابقون الأولون من المهاجرين محتاجين للتدرج في التشريع في أنكر المنكرات (الخمر والزنا)،
وأنهم كانوا سيعجزون عن الامتثال لو فوجئوا بالتحريم قبل ترسيخ الإيمان رسوخه بعد الهجرة (في تصور أم المؤمنين رضي الله عنها)، وهم الذين كانوا مضرب المثل في قوة الإيمان والثبات عليه ؛ فكيف بمن دونهم ؟!!
ذلك أنك إن وضعت مشروعا غير قابل للتطبيق ، فقد حكمت عليه بالفشل ، بل سيكون مردوده عكسيا ؛ لأنك إن ضيقت على الناس المباح بدعوى الاحتياط ، تجاوزوا احتياطك الذي لا يناسب واقعهم الإيماني ، وتجاوزوا معه حدود الشرع ، ولسان حال أحدهم : ما دمت مخالفا للشرع ، فلا فرق بين مخالفة وأخرى !
وإذا شددت عليهم في الصغائر وأوهمتهم أنها كبائر (هذا إذا كنت تميز بينهما أصلا)، فقد جعلتهم يقولون : "ما دمتُ فاسقا بارتكاب الكبائر ، فلماذا أتورع عن بعضها دون بعض" !! فيتجرؤون على بقيتها !!
طبعا : ليس المقصود تحليل الحرام ولا تصغير الكبيرة ، ولكن المقصود هو : عدم التضييق بحجة الاحتياط ، وعدم المبالغة في تحريم الحرام بحجة الغيرة ، وعدم التغليظ فيما لم يغلظه الشرع ، وعدم تقنيط الناس من رحمة الله ، وتوسيع رجائهم في رحمته الواسعة، وتعظيم رجائهم في قبول الاستغفار الخاشع،
وفي إتباع الحسنة السيئة لتمحوها .
ومخالفة ذلك : هو ما أدى لانهيار مشروع دعوي دام عقودا ، وهو المشروع الصحوي ، وبدت المجتمعات بعده مكشوفة من التحصين والرقابة الذاتية ، بسبب مناهج التشديد وفتاوى الغلو في الاحتياط .
ومخالفة ذلك : هو ما أدى لانهيار مشروع دعوي دام عقودا ، وهو المشروع الصحوي ، وبدت المجتمعات بعده مكشوفة من التحصين والرقابة الذاتية ، بسبب مناهج التشديد وفتاوى الغلو في الاحتياط .
ولقد كنت أحذركم من هذا منذ نحو خمسة عشر عاما ، وما زلتم تصرون على سياسة الفشل تلك !!
أشهد أنكم لستم أكفاء للإصلاح والدعوة !!
facebook.com
أشهد أنكم لستم أكفاء للإصلاح والدعوة !!
facebook.com
جاري تحميل الاقتراحات...