خلف البادي
خلف البادي

@ellbadi

24 تغريدة 133 قراءة Oct 09, 2019
أنا عملت في أكثر من بيئة. بعد شوي بتكلم لكم عن البيئة الغريبة اللي أنا فيها.
قبل الحديث عنها، لابد وأن أسرد لكم طبيعة الأعمال التي قمت بها سابقاً. أول تجربة عملية لي كانت سكرتير تنفيذي لرائد أعمال فذّ، طموح ومتمكن، مذهل جداً، أعطاني الفرصة لمجرد أنه رأى فيني القدرة والإمكانيات، لم أمتلك خبرة إدارية سوى بضع تجارب اكتسبتها من العمل مساعداً لوالدي سابقاً.
قال لي في أول الأيام: "أشوفك تقدر، واسمح لي بسألك؛ تبغى تكون عادي يا خلف؟" وكأنه رأى في عيني عقدتي ومعتركي في الوجود، والخوف من العاديّة. وأنا الذي لم يُقدم على أي عمل أو جهة حكومية إطلاقاً، لإيماني بأن النماء وإختبار القدرات الحقيقية وتطويرها يكون في القطاع الخاص بالدرجة الأولى.
كانت البيئة ديناميكية، نشيطة للغاية، نعقد الإجتماعات يومياً وندير حوالي ٩٠ فرع والعديد من المصانع، ونتحدث عن أنشطة وأعمال أخرى. كانت ثقته فيني وتوليّي في غيابه مسؤوليات الإدارة، أكبر دروس معرفية حقيقية للعمل والتعامل وتحديات اكتسبت منها مهارة جعلتني اليوم أشعر بإمتنان دائم له.
كان الموظفين من جنسيات عربية مختلفة، وكان هناك زملاء سعوديين أصحاب خبرات، كوننا علاقة جيدة معاً ونتشارك الأعمال والمهام ونتعاون على أكمل وجه. وكان المبنى، يضج بالحديث والأصوات ومزدحم غالباً. وكان الجميع يلقي التحية رغم المعتركات وبعض الحساسيات السخيفة التي تحدث في كل بيئة عمل.
كان إنطباعي عن البيئة جيد عموماً، أما عملي معه كان الإستثناء المتميز فعلاً. كان دقيق الملاحظة على المظهر والسلوكيات العامة والروائح. كان ذلك بالرياض، وبعد تجربة عظيمة حصلت لي فرصة العمل في شركة أخرى، عالمية وهي الأولى في مجالها، في الإعلان الخارجي. وكانت في جدة، وهنا رحلتي الأخرى
الشركة أوروبية تتواجد في معظم دول العالم، في الشوارع ووسائل النقل والمطارات بشكل خاص. كانت المقابلة الأولى صعبة للغاية، شفع لي فيها شغفي بالمجال وإطلاعي فيه، وخبرتي مع والدي في مجال الدعاية والإعلان منذ الصغر كانت كافية لأمتلك القدرة على الأجوبة، وبعدها حصلت على الوظيفة الحلم
الإنتقال من مدينة لأخرى لم يكن سهلاً، حيث أني لم أكن أعرف أحداً في جدة التي سرعان ما عرفتها وكونت أجمل العلاقات فيها. تلك المدينة الساحلية التي تملأ صدرك حباً ورحابة. ولكن الصعوبة بحق كانت في التأقلم مع بيئة عمل تختلف جذرياً عن كل تصوراتي، عن ثقافتي، أفكاري وأسلوبي..الخ
كان المظهر العام مهماً للغاية، لا يسمح لك أن تبدو بشكل غير لائق، ولا إرتداء الصندل والأحذية، يجب إرتداء جزمة لائقة، لفتني التنظيم والإنضباط المذهل للموظفين في العمل، والإنقيادية مع القائد، المدير، والإنضباط والإخلاص التام في العمل وإنهاء كل شيء في وقته، أو قبل وقته.
كان التدقيق أكثر في القسم الذي عملت فيه، كوننا نتولى مسؤولية التفاوض ولقاء الشخصيات عالية المستوى، أصحاب القرار، في الشركات والجهات الحكومية. كان جميع الزملاء يلقون تحية الصباح كواجب أساسي، الإبتسامة ملازمة لك حتى في أصعب الأيام. فلابُد وأن تكون بشوشاً وعنصراً إيجابياً متفاعلاً.
كانوا من جنسيات مختلفة من العالم، وكان الموظفين في المبنى كاملاً، هنا أتحدث عن الجيران من الشركات المجاورة لنا، يتمتعون بعلاقة جيدة معاً، يتصرفون غالباً بشكل يوحي بفكرة جيدة عن أنفسهم، يدركون أهمية إعطاء إنطباع إيجابي عن أنفسهم.
الحيوية تملأ المكان بموقعه المتميز على طريق الملك بقرب الكورنيش، لأن الشركات العالمية المتميزة والأولى في مجالها تدرك أهمية (البيئة). كنت أشعر بالإنتماء وتغير مفهومي للحياة برمتها، وتكون مفهومي الجديد بأن الحياة رحلة عمل، ولابد أن تكون رحلة مشوقة، مليئة بالمحاولات الجيدة للنجاح.
بعد ذلك، انتقلت إلى الرياض مجددا بعد فرصة عمل كإداري ومطور أعمال، التحدي عظيم ويعطي سيرتي العملية خبرات أكبر. ولكن الصدمة كانت في المبنى، تصميم حديث، في منطقة متميزة في الرياض. ولكن الجيران من أسوأ ما يكون، غرباء، أعني يتصرفون بطريقة غريبة، لا يلقون التحايا، بل ويتحاشونها!
كما لو أنهم يخافون من بعضهم البعض. ثيابهم رثّة، لا يهتمون بمظهرهم، ولا يتجاوبون، وأحياناً ما يتجاهلون بعضهم تماماً. هنا بدأت الملاحظة على السلوكيات العامة، حين أتى رجل يسأل عن مكتب معين، وسأل بصوت عالِ المتواجدين، كانوا ثلاثة، ولم يجيب أحد! وهنا جاوبته واتجه لها، بقيت مستغرباً!
مالذي يجعل هؤلاء يتصرفون بهذا الشكل؟ ماهي العوامل التي أسهمت بتشكيل جو عام سلبي ومنفر وفاشل وكئيب إلى آخر حدود التعاسة؟
ينزلون إلى الطابق السفلي ليدخنوا سجائر رديئة، لا يتحدثون معاً، كما لو أن كل فرد منهم يعاني من الرهاب الإجتماعي، أو يخشى التواصل لسبب ما.
هنا حاولت كسر كل ذلك، ألقيت التحية وتجاوب شخص واحد بخجل، بدأت الحديث عن مجالهم، من يدري قد يكون هناك فرصة لتعاون من نوعٍ ما؟ يحصل ذلك دائماً. كان موظفاً جديدا، بفترة التجربة، براتب زهيد، واتضح لي لاحقاً أن شركات المبنى كاملاً لاتعطي رواتب عالية بإستثناء الإدارات ربما
تعرفت عليه، ونلتقي من حين لآخر، وكأنه أصبح أكثر جرأة. وعلى أية حال نحن جميعاً نعاني إذا أسأنا فهم الإشارات التي نتلقاها من الفئات الإجتماعية المختلفة، فمن طبيعتنا كبشر أن نفترض أن ثقافتنا ومفاهيمنا هي تعريف ماهو "طبيعي" ونستخدم هذه العدسة عندما ننظر إلى الآخرين.
وبناءً على قدراتنا الشخصية ومهاراتنا بإمكاننا تجاوز كل ذلك، في سبيل تحقيق علاقات إنسانية صلبة تتيح لنا تبادل المصالح المتوقعة إن أمكن. لطالماً كانت ولا زالت البيئة هي العامل الأكثر تأثيراً على الإنسان، وبطبيعته يتفاعل معها، وهو العنصر المؤثر والمتأثر.
المهم، حين رأيت فيه بذرة جيدة، قمت بالفعل وعرضت عليه العمل براتب ضعف راتبه تقريبا، وهو مرتب جيد لخريج حديثاً، لكن رأيت فيه ما يمكن إستثماره، كان متحمساً، ولكن بعد ذلك سرعان ما تبخر الحماس في اليوم التالي للقاءه، وكان ينظر إلي برهبة وإحترام مبالغ فيه كما لو أني مديره السيء.
بعدها عرضت عن ذلك، ورأيته يفضل الإنطواء كحال البقية، يا للغرابة! هل يتوقع بأني سأعرضها مجدداً؟ سأترجى؟ هنا أستذكر قول أحد أخصائيّي علم النفس، حين قال في ندوة حضرتها أيام الجامعية. أن الشخصية السعودية بشكل عام تخشى الجمهور، وأن قلة ممن يتمكنون من مواجهته ويحسنون صنع العلاقات.
البيئة بشكل عام سيئة للغاية، البقاء فيها مهما كانت المميزات تستهلك راحتك، وتلغي الشعور بالأُلفة في المكان ومع الجيران، قلّة من يلقون التحية، نسبتهم تقترب إلى الصفر. يتضح أنهم يرون أن العلاقات مع بعضهم قد تقودهم إلى ما لا يرضيهم، وليس العكس. فيتصرفون بكبرياء سخيف متجاهلين بعضهم.
أما نحن الآن، مع شركة أخرى تعرفت عليهم وزرتهم في نفس المبنى، عبر بريطاني وهندي إلتقيتهم بعد إلقاء تحية لطيفة، نبحث الآن التعاون للقيام بعمل آخر. لا يوجد أفضل من التعاون، وأفضله مع جيرانك دائماً. تبقى البيئة الحاكمة بسوءها تفرض أهمية بحث عوامل تغييرها لبث الحيوية في المكان.
كل بيئة عمل يفرض طبيعتها العاملين فيها، وأفضل بيئة هي المتكاملة من حيث الخدمات، والكادر البشري المُنتقى فيها. هنا بتجربتي البسيطة عرفت قيمة العمل مع السعوديين، وعلى رأسهم مديري السابق وصديقي حالياً. مع ملاحظة بسيطة بخصوص الإهتمام ببعض المسائل للشباب الخريجين حديثاً خاصة.
فبناءً على تجربتي، ثقافتك ووعيك، ومرونتك وشخصيتك، أسلوبك وإهتمامك بمظهرك الذي يعطي الآخرين فكرة بأنك مهتم لكيف تبدو دائماً، وترك إنطباع جيد للجميع بشكل وآخر، قطعاً وبلا شك سيعطيك فرصة لتكون أفضل مما تتصور.

جاري تحميل الاقتراحات...