إلياس
إلياس

@Eileas_

28 تغريدة 278 قراءة Oct 05, 2019
[ محنة الإمام أحْمَد | فِتْنَةُ خلْقِ القُرآن ]
سأقتطع من وقتك أخي القارئ الكريم، لأحدّثك عن "يوم الردة الثاني" ، فربما خفي عليك فضل هذا الإمام وما تلقّى من عذاب وامتحان وكيف صبر وظفر وأخذ بِزمام هذه الأمة بفضل من الله إلى صراطها المستقيم ..
اسمه: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ، الإمام أبو عبدالله الشيباني الذُّهلي
ولد في ربيع الأول سنة ١٦٤ هـ
جيء به حملًا من مرو، وولد في بغداد، وقد توفي أبوه محمّد شابّا، فتولته أمه فنشأ يتيماً
حفظ الإمام أحمد القرآن حين الصبى، وتعلم القراءة والكتابة، يقول عن نفسه:
"كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة"
في أحد الأيام طلب عمه أن يرسل معه رسائل للخليفة، فيها أحوال بغداد، فتورع عن ذلك ورمى بها في الماء تأثما من الوشاية، والتسبب لما عسى أن يكون فيه ضرر بالمسلمين، فلفت هذا المنظر الهيثم بن جميل فقال:
"إن عاش هذا الفتى فسيكون حجّة على أهل زمانه".
اتجه إلى طلب الحديث١٧٩-١٨٦هـ، فكانت نفسه تتذوق حلاوة الطلب، فيتحدث عن نفسه فيقول "كنت ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس أوحتى يصبحوا"
في سنة١٨٧هـ التقى في رحلته إلى الحجاز مع الشافعي وأخذ عنه الفقه والأصول
ومما يدل على علو همته مارواه ابنه صالح
"عزم أبي على الخروج لمكة ورافقه يحيى بن معين فقال أبي نحج ونمضي إلى صنعاء إلى عبدالرزاق، فلما دخلوا مكة فإذا بعبدالرزاق في المطاف وكان يحيى يعرفه فلما فرغنا من المطاف جاء إليه يحيى فسلم عليه ثم قام وانصرف فقال يحيى لأحمد ألا نأخذ الموعد؟
فأبى أحمد وقال: لم أغير النية في رحلتي إليه، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع عنه الكتب وأكثر عنه الرواية"
واستمر في هذا الجد حتى بلغ الإمامة في الحديث، قال أبو زرعة مخاطباً ابن الإمام أحمد "كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عنه الأبواب"
قال عنه الشافعي وهو إذ ذاك شيخه وهذا تلميذه! "خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه وأتقى من ابن حنبل"
كان الإمام أحمد لا يحدث ولا يفتي حتى بلغ أربعين سنة ليوافق السنة في نشر العلم في سنّ النبوة .. جلس وأقبل عليه الخلق فكان من يستمع إلى درسه نحو خمسة آلاف نفس
كانت تلك المجالس ترتع بالسكينة والوقار وحسن الإنصات وإجلال العلم، وكان للفقراء حظ مقدّم على الأمراء والأغنياء، يقول المروزي "لم أرَ الفقير في مجلسٍ أعزّ منه في مجلس أبي عبدالله، كان مائلاً إليهم، مقصرا عن أهل الدنيا"
ربما يقفز على الذهن تساؤل وهي وجهة نظر مقبولة:
لم هذا الزهد وشظف العيش والتشديد في العزوف عن الدنيا والأعطيات من السلطان ؟
فخذ هذا الجواب وستعلم أثناء سرد قصة المحنة كيف أثّر هذا الزهد في مواجهة البدعة التي كانت تتلظى وتقهر كل عزيز ولم يصمد أمامها إلّا هذا الرجل الصابر الإمام الحجة رضي الله عنه .. يقول أبو الحسن الندوي:
"وقد رأينا الزهد والتجديد مترافقين في تاريخ الإسلام؛ فلا نعرف أحدا ممن قلب التيار، وغيّر مجرى التاريخ، ونفخ فيه روحا جديدة في المجتمع الإسلامي، إلا وله نزعة في الزهد وتغلب على الشهوات وسيطرة على المادة ورجالها، ولعل السر أن الزهد يُكسب الإنسان قوّة المقاومة والاستهانة بالمادة"
هذه سيرة مختصرة جدا وموجزة عن نشأة هذا الإمام ولولا أن تملّ أو مخافة الإطالة أخي الكريم لسكبت عليك الماء العذب من فيض سيرته وتقواه فأقتصر على ماذُكر وأريد أن تبدأ معي بمعايشة لتلك الحقبة الزمنية كأنها رأي عين .. إنها فتنة خلق القرآن:
لم يكن للمعتزلة نفوذ سياسي ولا سلطة حتى ولي المأمون بن الرشيد، فاقترب منه المعتزلة لمحبته للفلسفه وحرية التفكير مع التقيد بأصول الدين وكان الإعتزال أقرب المذاهب إلى نفسه
تزعم المعتزلة القول"بخلق القرآن" وانتهزوا تلك الفرصة ليكون مذهبهم هو السائد في المملكة وعليه العداء والولاء
أصدر المأمون سنة٢١٨هـ رسالة إلى والي بغداد، أمر فيها بجمع القضاة وامتحانهم في عقيدة "خلق القرآن" وعزل من لا يقول بقول خلق القرآن من القضاء وإسقاط شهادته
ثم كتب إليه أن يرسل إليه سبعة من كبار المحدثين الذين عارضوا هذه العقيدة، ففعل، وأجاب هؤلاء على القول بالخلق، فأعادهم إلى بغداد
ثم أصدر الكتاب الثالث غلّظ فيه القول، وضيّق الأمر، وأمر بالتوسع في امتحان الناس، وامتثل الوالي أمره، فأحضر مشاهير العلماء ورؤوس الناس وامتحنهم، وكانت إجابات القوم مضطربة ومختلفة، فأرسل الإجابات للمأمون، فثار واشتد الغضب، وأمر بضرب رقاب بشر بن الوليد وإبراهيم المهدي إن لم يرجعا عن
قولهما وأمر بالعودة إلى امتحان البقية فمن يرجع يخلّى سبيله، ومن يتولى ويصر على المخالفة فيحملون موثقين أجمعين إلى عسكر أمير المؤمنين .. فإن لم يرجعوا حملهم على السيف
فاستجاب الخليفة وجمعهم ثانية، وقرأ عليهم كتاب المأمون، فأقرّ الجميع بأن القرآن مخلوق إلا أربعة وهم:
أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح؛ فاقتيدوا بالحديد، فاعترف سجادة بخلق القرآن، فأطلق سراحه، وكذلك القواريري بعده بيوم فأطلق سراحه، وانحصر من لم يقل بخلق القرآن في اثنين هما أحمد ومحمد بن نوح .. فشدّوا عليهما الوثاق وأرسلاهما إلى المأمون .. وهم في الطريق بلغهم خبر
وفاة المأمون وهو بالرقة، فأعيدوا إلى بغداد وهم في ذلك الطريق توفّي محمد بن نوح، حينها تركزّت رئاسة المعارضة عند الإمام أحمد وحدة، فكان زعيمها وعلمها ومتجه الأنظار فيها.
وصل الإمام أحمد إلى بغداد مقيّدا، وحبس في دار عمارة ببغداد ثم حوّل إلى سجن العامة، ومكث فيها ثلاثين شهرا ..
والآن حان حديث الإمام أحمد لنا مافُعل به في عهد المعتصم خليفة المأمون فيسطّر لنا البطولة الخالدة والإيمان الرائع فلتتجه القلوب والأبصار لقوله
"فلما كان في الليلة الرابعة وجه المعتصم ربيعا، فأمره بحملي إليه، فأدخلت على إسحاق فقال يا أحمد؟
إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف ..
إنه قد آلى إن لم تجبه (يقصد المعتصم) أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يقتلك في موضع لا ترى فيه شمس ولا قمر .. فجيء بدابة وحملت عليها وعليّ الأقياد، وما معي أحد يمسكني، فكدت أن أخر على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم، فأدخلت حجرة، وأقفل علي الباب، وذلك في جوف الليل، وليس هناك
سراج فأردت أن أتمسح للصلاة فمددت يدي، فإذا أنا بإناء فيه ماء فتوضأت وصليت، فلما كان الغد جاء الرسول وأدخلي على المعتصم وإذا ابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقاً كثيرا من أصحابه، فقال يا أحمد والله إني عليك لشفيق، فلم أزل أقول أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ يعضد قولكم
فطال المجلس وضجر وقال قوموا وحبسني عنده، فلما كان بعد المغرب، وجّه إليّ رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد، يبيتان عندي ويناظراني، حتى إذا كان وقت الإفطار ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل.
فلما كان اليوم الثالث أدخلت الدار وكانت غاصّة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف،قال اقعد
ثم قال: ناظروه! كلّموه! فجعلوا يناظروني فيتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه وجعل صوتي يعلو أصواتهم، ثم خلا بي وقال لي: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحوا مما كنت أرد، فقال لي: عليك! (وذكر اللعن) وقال المعتصم: خذوه واسحبوه واخلعوه قال: فسحبت ثم خلعت!
وجلس المعتصم على الكرسي ثم قال: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين، فمدت يداي، فهتف من خلفي: خذ نأي الخشبتين بيديك، وشدّ عليهما فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي.
ثم جيء إلى دار فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك، فقلت:
قد صلى عمر وجرحه يثعب دما ?"
- عذرا أخي على المقاطعة - أعد قراءة هذا النص فوالله إنه مليء بالعزة وبرد اليقين مع كل هذا الاستضعاف ومع ذلك لم يخنع ويذل نفسه.
"ثم خلي عنه، فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرا"
يقول ابنه صالح "كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاماً أو رغيفاً في تلك الأيام فلم أقدر، وأخبرني رجلٌ حضره، أنه تفقّده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه، فما لحن في كلمة، قال: وما ظننت أن أحدا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه"
وهكذا دحض البدعة وسدّ الثلمة، وأطفأ عقيدة خلق القرآن، وطفأت حركة الاعتزال، حتى بقيت مدفونة في كتب الملل والنحل، ورفع راية السنة، ونصر عقيدة الله في أرضه، ولا يزال الإمام أحمد حجة على خلقه .. قصة مليئة بالإيمان واليقين والثبات والعزة لم تأتي بلا جهد ومشقة ودربة ومجاهدة ..
يقول قتيبة بن سعيد أحد معاصريه
"إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة"
وقال الشاعر:
أضحى ابن حنبل محنة مأمونةً
ِ وبحب أحمد يعرف المتنسّك
وإذا رأيت لأحمد متنقّصاً
ِ فــاعلم بـــأن ستوره ستهتّــك
أختم بقول علي بن المديني "شيخ البخاري"
«إنّ الله أعزّ هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردّة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة»
رضي الله عن الإمام أحمد وألحقنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ❤️
تمت بحمد الله ..

جاري تحميل الاقتراحات...