سعيد صالح | Saeed
سعيد صالح | Saeed

@s3eed_176

52 تغريدة 283 قراءة Oct 03, 2019
"لم يستطيعوا الرد على أفكاره إلا بالرصاص، وانتهت حياته على يد قاتل لا يعرف القراءة والكتابة!"
القصة الكاملة لإغتيال المفكر المصري "فرج فودة" وتفاصيل ربما تقرأها لأول مرة:
ولد فرج فودة في بلدة الزرقا بمحافظة دمياط (مصر)، في الـ20 من أغسطس سنة 1945. حصل على دكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس عام 1981، ثم عمل مدرساً لفترة بالعراق، قبل أن يعود إلى مصر ليعمل خبيراً اقتصادياً ويؤسس مجموعة استشارية متخصصة في دراسات تقييم المشاريع.
كانت هزيمة 5 يونيو 1967 فارقة في حياة فودة، وقد أحدثت أثرا بالغا في نفسه، يحكي عن ذلك قائلا: "خُيّل لي أن مصر قد ماتت وانتهت" فودة اعتبر هذه الهزيمة من الأسباب التي أدت إلى بروز ونمو التيارات الدينية في مصر والدول العربية.
على إثرها، يقول، برز اتجاهان فكريان؛ الأول الذي رأى أن الهزيمة نتيجة لتبني الإختيار الغربي، ومن ثم وجب مواجهة العدو "إسرائيل" بنفس سلاحه، أي بالتوحد الإسلامي.
أما الاتجاه الثاني؛ فقد دعا إلى المواجهة بمزيد من المعرفة والتأقلم مع حضارة العصر، لا من خلال مظاهرها، إنما عبر احترام العقل وإعلاء قيمة الإنسان، وهو الذي انخرط فيه فرج فودة.
اشتهر فرج فودة بمقالاته ومحاضراته وكتبه التي ينتقد فيها التطرف الإسلامي ويعارض فيها الدولة الإسلامية وسلطة رجال الدين، ودعوته إلى فصل الدين عن السياسة، وفِكرٌ مثل هذا يمكننا أن نخمن بسهولة كيف يمكن أن يواجهه الإسلاميون!
قام المشروع التنويري لفرج فودة على أربعة أعمدة، وهي: نقد الإسلام السياسي المعاصر، نقد الإسلام السياسي التاريخي، حتمية الاجتهاد وإعمال العقل، والدفاع عن أسس الدولة المدنية الحديثة.
في أثناء ذلك، ألّف فودة عدداً من الكتب، مثل “قبل السقوط”، و”الحقيقة الغائبة”، و”حوار حول العلمانية”، كما نشرت الصحف المعارضة مقالات له، خاض فيها بمواضيع شتى، من حقوق الإنسان، إلى الدولة المدنية، وليس انتهاء بمعاركه الفكرية ضد الإسلاميين.
ثم بعد ذلك، جاءت عدة مؤلفات أخرى، مثل “النذير”، كدراسة لنمو التيار الإسلامي، وقد خلص فيها إلى أن الأخير قد نجح فعلاً في تكوين دول موازية، اقتصادها متمثل في بيوت توظيف الأموال، وجيشها متمثل في الجماعات الإسلامية المسلحة، فيما كيانها السياسي يتمثل في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين.
في الأول من يناير 1992 أعلنت الهيئة العامة للكتّاب برئاسة الدكتور سمير سرحان، عن إقامة مناظرة تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، دعت إليها الشيخ محمد الغزالي، والمستشار محمد مأمون الهضيبي، المتحدث باسم جماعة الإخوان حينها، والدكتور محمد عمارة.
في مواجهة فرج فودة والدكتور محمد أحمد خلف الله، العضو بحزب التجمع.
وانتظر الجميع هذه المناظرة النارية التي سبقتها حملات إعلامية محمومة وتحشيد وتجييش من جانب الجماعات المتطرفة التي حاولت تهيئة الرأي العام لعدم تقبل أفكار فرج فودة والادعاء بكفره وإلحاده وارتداده عن الدين!
وقبل المناظرة بأيام أصدرت جبهة علماء الأزهر بياناً نارياً ضد فودة وطالبت لجنة شؤون الأحزاب بعدم الترخيص لحزبه الجديد "حزب المستقبل"، وزادت في بيانها قسوة عندما اتهمت فودة بالكفر ونشرت صحف موالية ذلك البيان وتلقفته أيادي أنصار الجماعة الإسلامية وأعدوه كمنشورات وزعوها وقت المناظرة!
نتيجة لهذا التجييش الإعلامي حضر المناظرة التي أقيمت في استاد القاهرة ما لا يقل عن 30 ألف شخص أغلبهم من أنصار الجماعات المتطرفة والإخوان، وسط هتافات مدوية واعتراضات وصيحات وهتافات ضد فودة الذي لم يكن قد بدأ الحديث بعد!
قبل دقائق من انطلاق المناظرة، ضجت القاعة بالتكبير والحمد والثناء، وتعالت هتافات "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"!
هكذا كان المشهد معبئاً على هامش مناظرة جدلية، حملت عنوان : "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية".
بدأت المناظرة بكلمة للشيخ الغزالي ذكر فيها أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية وتبعه المستشار الهضيبي المتحدث بإسم الإخوان الذي ركز على أهمية أن يكون الجدال والنقاش بين "الدولة الإسلامية" و"الدولة اللاإسلامية" مؤكدا أن الإسلام دين ودولة وليس ديناً فقط.
وخلال تلك الكلمات كانت الصيحات تتعالى والصرخات تشتد والحناجر تزأر، وتخيف كل من يعترض على أحاديث الغزالي والهضيبي!
فرج فودة كان آخر المتحدثين، أمسك الميكروفون بثبات ورباطة جأش، رغم الحرب النفسية التي شنها عليه أنصار التيارات المتطرفة، وبدأ كلامه للرد على ما دار من حديث، بالإشارة إلى دولة الخلافة وما بعد الخلافة الراشدة، مُستشهدًا بكلمات للشيخ الغزالي نفسه لتؤكد حديثه.
أفحم فودة مناظريه باستشهاده بكلمات لهم أنفسهم، فقد قال فودة إن الشيخ الغزالي ذكر أن الإسلاميين منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إلى الحكم دون أن يعدوا أنفسهم لذلك، كما أشار إلى ما قدمته بعض الجماعات المحسوبة على الإتجاه المؤيد للدولة الدينية، وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء!
واستشهد بتجارب لدول دينية مجاورة على رأسها إيران قائلًا "إذا كانت هذه هي البدايات، فبئس الخواتيم"!
وأضاف فودة في المناظرة: "لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم".
وذكر فودة في المناظرة كما تروي الصحف المصرية قائلاً: أنا أقبل أن تهان الشيوعية ولكني لا أقبل أن يهان الإسلام، حاشا لله، أما أن يختلف الفرقاء في أقصى الشرق وأقصى الغرب، ويحاولون توثيق خلافاتهم بالقرآن والسنة واجماع الفقهاء، فهذا حرام!
نزّهوا الإسلام وعليكم بتوحيد كلمتكم قبل أن تلقوا بخلافاتكم علينا، قولوا لنا ماهو برنامجكم السياسي.
ماذا عن اولئك الذين يسيئون إلى الإسلام بالعنف وهو دين الرحمة، اولئك منكم أم ليسوا منكم؟
ويختم فرج فودة كلمته قائلاً: القرآن بدأ بكلمة اقرأ، وسنظل نتحاور لنوقف نزيف الدم ونصل إلى كلمة سواء، وأنا أؤكد لكم أنه ليس خلافاً بين أنصار الإسلام وأعدائه، بل هو خلاف رؤى، وهذه الرؤى لا تتناقض مع الإسلام.
لكن الفريق الذى أنتمى إليه لم يرى أبداً أن الإسلام دين العنف، الإسلام هو دين القول بالتي هي أحسن، ولأجل هذا نحن ندين الإرهاب لأنه قول وفعل بالتي هي أسوأ.
التاريخ نقل إلينا حوار أبي حنيفة مع ملحد، وكان الحوار بالحروف لا بالكلاشينكوف، أدعوا الله للجميع أن يهتدوا بهدي الإسلام وهو دين الرحمة، وأن يهديهم الله ليضعوا الإسلام في مكانه العزيز بعيداً عن الاختلاف والفُرقة والإرهاب، وعن الدم والمطامح والمطامع.
انتهت المناظرة وشعر الجميع أن فودة أطلق كميات من الثلج على رؤوسهم، فقد توقفت الصيحات وتحولت لهمهمات، واختفت الصرخات وحلت محلها أصوات تصفيق الحاضرين من المؤيدين للدولة المدنية ولفودة.
في 3 يونيو 1992، نشرت جريدة "النور" الإسلامية بياناً من ندوة علماء الأزهر يُكفِّر به فرج فودة ويدعو لجنة شؤون الأحزاب لعدم الموافقة على إنشاء حزبه حزب المستقبل، ويطالب بإقامة حد الردة عليه!
بعد نشر هذا البيان بـ 5 أيام وفي 8 يونيو قبل أيام من عيد الأضحى، انتظر شابان من الجماعة الإسلامية، هما أشرف سعيد إبراهيم، وعبد الشافي أحمد رمضان، على دراجة بخارية أمام مكتب المفكر المصري الراحل بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة..
وفور خروجه بصحبة ابنه أحمد وصديق له يدعى وحيد رأفت، وتوجههم كي يستقلوا سيارة فرج فودة، انطلق أشرف إبراهيم بالدراجة البخارية، وأطلق عبد الشافي رمضان الرصاص من سلاح آلي كان بحوزته، فأصاب فرج فودة بإصابات بالغة في الكبد والأمعاء، وأصاب ابنه وصديقه وفرّا هاربين!
بعد أن تلقى الرصاصات الغادرة في صدره، لفظ ببضع كلماتٍ وهو يحتضر، وقال لمرافقيه في السيارة التي نقلته إلى المستشفى في محاولة يائسة لإسعافه "يعلم الله أنني ما فعلت شيئاً إلا من أجل وطني"
وحاول جراح القلب د. حمدي السيد إنقاذ حياة فرج فودة، لمدة ست ساعات، لفظ بعدها أنفاسه الأخيرة..
بعد القبض على الجناة اعترف عبدالشافي رمضان "مطلق الرصاص" أن أبو العلا عبدر ربه هو من زوده بالسلاح والأدوات المستخدمة وحدد له طريقة التنفيذ والموعد واختار الموعد قبل عيد الأضحى بأيام قليلة "ليحرق قلب أهله عليه"!
وعندما سأله المحقق بناء على أي نص قتلت الرجل؟ فقال إنه قتله بناء على فتوى للدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية الذي أفتى بقتل المرتد.
فسأله المحقق وهل تعرف الدكتور فرج فودة؟ وهل قرأت كتبه؟ فأجاب بالنفي، وقال إنه لا يجيد القراءة ولا الكتابة! ولكنه سمع من قادة الجماعة أن هذا الرجل يهاجم الإسلام ويدعو للكفر والإباحة والعلمانية!
وعندما سأله المحقق وهل تعرف معنى العلمانية؟ قال نعم أعرفها هي الكفر وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية وإباحة المنكرات مضيفاً أن فودة كان يدعو لرفع الهلال مع الصليب، ويطالب بمساواة المسيحيين مع المسلمين في الحقوق والواجبات، لذا قررت أن أقوم بقتله وتخليص المسلمين منه ومن أفكاره!
يقول القاتل في اعترافاته:
"خططنا لحرقه حياً عن طريق سكب البنزين عليه وإشعال النيران فيه، لكن وجدنا أن الفكرة غير واقعية ويمكن أن تفشل وينقذه المارة أو جيرانه، لذا قررنا قتله بالرصاص"!
تأييد جماعة الإخوان المسلمين للإغتيال:
بعد اغتياله أعلن المستشار مأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان آنذاك عن ترحيبه وتبريره لاغتيال فرج فودة، وبعد أسابيع من الاغتيال، ألّف الدكتور عبد الغفار عزيز، رئيس ندوة علماء الأزهر كتابًا أسماه "من قتل فرج فودة؟"
ختمه بقوله: "إن فرج فودة هو الذي قتل نفسه، وإن الدولة قد سهلت له عملية الانتحار، وشجعه عليها المشرفون على مجلة أكتوبر وجريدة الأحرار، وساعده أيضًا من نفخ فيه، وقال له أنت أجرأ الكتاب وأقدرهم على التنوير والإصلاح".
تأييد الأزهر لعملية الإغتيال:
الشيخ محمد الغزالى، الأزهري الذى يصفه الكثير من الناس بالوسطية والموضوعية، والذي كان زعيم المناظرة الأخيرة ضد فرج فودة قال نصاً: "إنهم قتلوا شخصًا مباح الدم ومرتد، وهو مستحق للقتل، وقد أسقطوا الإثم الشرعي عن كاهل الأمة
يتبع
وأضاف:
إن بقاء المرتد فى المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحضّ الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس".
بعد انتهاء التحقيقات والإستماع للإعترافات، قضت المحكمة وبإجماع الآراء بإعدام عبدالشافي أحمد محمد رمضان" مُطلق الرصاص"، وقضت بمعاقبة أبوالعلا محمد عبدربه "مدبر العملية"، بالسجن لمدة 25 عاماً.
" ابو العلا عبد ربه" مدبر عملية الإغتيال نال أحكاماً اضافية بالسجن وصلت لـ 55 عاماً، على قضايا مختلفة منها قضية فرج فودة والهجوم على حافلة سياحية وغيرها من قضايا الإرهاب.
لكن في العام 2012 وعقب وصول الرئيس المصري السابق محمد مرسي للسلطة أفرج عن" أبو العلا عبدربه" بعفو رئاسي ليطلق هذا الإرهابي للعالم مرة أخرى!
ظهر هذا الإرهابي بعد خروجه من السجن في لقاء تلفزيوني ولم يبدي أي ندم على ما فعل، وقال: "قتل المرتد تطهير له، وعلماء الأزهر أفتوا برِدّة فرج فودة"!
بعد عزل الرئيس مرسي هرب عبد ربه الى سوريا، وانضم حينها إلى تنظيم داعش، ثم إلى جبهة النصرة، حتى لقي مصرعه عام 2017 في غارة جوية.
دوافع الإغتيال:
لماذا وصل الأمر مع فرج فودة تحديداً إلى حد القتل؟ حيث كان من المعتاد بالنسبة لأجيال التنويريين السابقة أن يُفصلوا من وظائفهم أو أن يُقدموا إلى المحاكمة أو أن يتم التضييق عليهم فى المعيشة كما حدث مع طه حسين وعلي عبد الرازق..
أو أن يكون الأمر سجالا فكرياً بين دعاة العلمانية ودعاة الدولة الإسلامية كما حدث مع زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا وسعيد العشماوى ونور فرحات وغيرهم.
لقد كان فرج فودة حالة مختلفة عن أغلب نظرائه من دعاة العلمانية ورفض الدولة الدينية، ويرجع ذلك إلى عدة اعتبارات منها تلك اللغة السهلة التى تميز بها والتي تخاطب عامة القراء من متوسطي التعليم والثقافة بابتعادها عن تعقيدات المصطلحات التى قد تُعجز حتى البعض من النخبة.
فقد كان يعرف أن هدفه فى الأساس هو القارىء العام الذى ينبغى أن يتوسل إليه بأبسط الأساليب وأعمقها، ومن هنا كانت خطورته على دعاة الإسلام السياسي، لأنه يستهدف نفس الفئة الاجتماعية التى يستهدفها هؤلاء الدعاة.
لقد تنبأ فرج فودة بغدرهم، عندما كتب في مقدمة كتابه "نكون أو لانكون" : إلى زملاء ولدي الصغير أحمد، الذين رفضوا حضور عيد ميلاده، تصديقا لمقولة آبائهم عني، إليهم، حين يكبرون ويقرؤون، ويدركون أنني دافعت عنهم وعن مستقبلهم وأن ما فعلوه كان أقسى عليّ من رصاص جيل آبائهم"!
رحل فرج فودة، وبقيت أفكاره شوكة في حلوق المتطرفين، وخُلِّد إسمه في صفحات التاريخ "شهيداً للكلمة ورمزاً للتنوير".
-انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...