على إثرها، يقول، برز اتجاهان فكريان؛ الأول الذي رأى أن الهزيمة نتيجة لتبني الإختيار الغربي، ومن ثم وجب مواجهة العدو "إسرائيل" بنفس سلاحه، أي بالتوحد الإسلامي.
أما الاتجاه الثاني؛ فقد دعا إلى المواجهة بمزيد من المعرفة والتأقلم مع حضارة العصر، لا من خلال مظاهرها، إنما عبر احترام العقل وإعلاء قيمة الإنسان، وهو الذي انخرط فيه فرج فودة.
اشتهر فرج فودة بمقالاته ومحاضراته وكتبه التي ينتقد فيها التطرف الإسلامي ويعارض فيها الدولة الإسلامية وسلطة رجال الدين، ودعوته إلى فصل الدين عن السياسة، وفِكرٌ مثل هذا يمكننا أن نخمن بسهولة كيف يمكن أن يواجهه الإسلاميون!
قام المشروع التنويري لفرج فودة على أربعة أعمدة، وهي: نقد الإسلام السياسي المعاصر، نقد الإسلام السياسي التاريخي، حتمية الاجتهاد وإعمال العقل، والدفاع عن أسس الدولة المدنية الحديثة.
وانتظر الجميع هذه المناظرة النارية التي سبقتها حملات إعلامية محمومة وتحشيد وتجييش من جانب الجماعات المتطرفة التي حاولت تهيئة الرأي العام لعدم تقبل أفكار فرج فودة والادعاء بكفره وإلحاده وارتداده عن الدين!
وقبل المناظرة بأيام أصدرت جبهة علماء الأزهر بياناً نارياً ضد فودة وطالبت لجنة شؤون الأحزاب بعدم الترخيص لحزبه الجديد "حزب المستقبل"، وزادت في بيانها قسوة عندما اتهمت فودة بالكفر ونشرت صحف موالية ذلك البيان وتلقفته أيادي أنصار الجماعة الإسلامية وأعدوه كمنشورات وزعوها وقت المناظرة!
وخلال تلك الكلمات كانت الصيحات تتعالى والصرخات تشتد والحناجر تزأر، وتخيف كل من يعترض على أحاديث الغزالي والهضيبي!
أفحم فودة مناظريه باستشهاده بكلمات لهم أنفسهم، فقد قال فودة إن الشيخ الغزالي ذكر أن الإسلاميين منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إلى الحكم دون أن يعدوا أنفسهم لذلك، كما أشار إلى ما قدمته بعض الجماعات المحسوبة على الإتجاه المؤيد للدولة الدينية، وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء!
واستشهد بتجارب لدول دينية مجاورة على رأسها إيران قائلًا "إذا كانت هذه هي البدايات، فبئس الخواتيم"!
وأضاف فودة في المناظرة: "لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم".
وذكر فودة في المناظرة كما تروي الصحف المصرية قائلاً: أنا أقبل أن تهان الشيوعية ولكني لا أقبل أن يهان الإسلام، حاشا لله، أما أن يختلف الفرقاء في أقصى الشرق وأقصى الغرب، ويحاولون توثيق خلافاتهم بالقرآن والسنة واجماع الفقهاء، فهذا حرام!
نزّهوا الإسلام وعليكم بتوحيد كلمتكم قبل أن تلقوا بخلافاتكم علينا، قولوا لنا ماهو برنامجكم السياسي.
ماذا عن اولئك الذين يسيئون إلى الإسلام بالعنف وهو دين الرحمة، اولئك منكم أم ليسوا منكم؟
ماذا عن اولئك الذين يسيئون إلى الإسلام بالعنف وهو دين الرحمة، اولئك منكم أم ليسوا منكم؟
ويختم فرج فودة كلمته قائلاً: القرآن بدأ بكلمة اقرأ، وسنظل نتحاور لنوقف نزيف الدم ونصل إلى كلمة سواء، وأنا أؤكد لكم أنه ليس خلافاً بين أنصار الإسلام وأعدائه، بل هو خلاف رؤى، وهذه الرؤى لا تتناقض مع الإسلام.
لكن الفريق الذى أنتمى إليه لم يرى أبداً أن الإسلام دين العنف، الإسلام هو دين القول بالتي هي أحسن، ولأجل هذا نحن ندين الإرهاب لأنه قول وفعل بالتي هي أسوأ.
التاريخ نقل إلينا حوار أبي حنيفة مع ملحد، وكان الحوار بالحروف لا بالكلاشينكوف، أدعوا الله للجميع أن يهتدوا بهدي الإسلام وهو دين الرحمة، وأن يهديهم الله ليضعوا الإسلام في مكانه العزيز بعيداً عن الاختلاف والفُرقة والإرهاب، وعن الدم والمطامح والمطامع.
انتهت المناظرة وشعر الجميع أن فودة أطلق كميات من الثلج على رؤوسهم، فقد توقفت الصيحات وتحولت لهمهمات، واختفت الصرخات وحلت محلها أصوات تصفيق الحاضرين من المؤيدين للدولة المدنية ولفودة.
فسأله المحقق وهل تعرف الدكتور فرج فودة؟ وهل قرأت كتبه؟ فأجاب بالنفي، وقال إنه لا يجيد القراءة ولا الكتابة! ولكنه سمع من قادة الجماعة أن هذا الرجل يهاجم الإسلام ويدعو للكفر والإباحة والعلمانية!
وعندما سأله المحقق وهل تعرف معنى العلمانية؟ قال نعم أعرفها هي الكفر وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية وإباحة المنكرات مضيفاً أن فودة كان يدعو لرفع الهلال مع الصليب، ويطالب بمساواة المسيحيين مع المسلمين في الحقوق والواجبات، لذا قررت أن أقوم بقتله وتخليص المسلمين منه ومن أفكاره!
يقول القاتل في اعترافاته:
"خططنا لحرقه حياً عن طريق سكب البنزين عليه وإشعال النيران فيه، لكن وجدنا أن الفكرة غير واقعية ويمكن أن تفشل وينقذه المارة أو جيرانه، لذا قررنا قتله بالرصاص"!
"خططنا لحرقه حياً عن طريق سكب البنزين عليه وإشعال النيران فيه، لكن وجدنا أن الفكرة غير واقعية ويمكن أن تفشل وينقذه المارة أو جيرانه، لذا قررنا قتله بالرصاص"!
ختمه بقوله: "إن فرج فودة هو الذي قتل نفسه، وإن الدولة قد سهلت له عملية الانتحار، وشجعه عليها المشرفون على مجلة أكتوبر وجريدة الأحرار، وساعده أيضًا من نفخ فيه، وقال له أنت أجرأ الكتاب وأقدرهم على التنوير والإصلاح".
تأييد الأزهر لعملية الإغتيال:
الشيخ محمد الغزالى، الأزهري الذى يصفه الكثير من الناس بالوسطية والموضوعية، والذي كان زعيم المناظرة الأخيرة ضد فرج فودة قال نصاً: "إنهم قتلوا شخصًا مباح الدم ومرتد، وهو مستحق للقتل، وقد أسقطوا الإثم الشرعي عن كاهل الأمة
يتبع
الشيخ محمد الغزالى، الأزهري الذى يصفه الكثير من الناس بالوسطية والموضوعية، والذي كان زعيم المناظرة الأخيرة ضد فرج فودة قال نصاً: "إنهم قتلوا شخصًا مباح الدم ومرتد، وهو مستحق للقتل، وقد أسقطوا الإثم الشرعي عن كاهل الأمة
يتبع
وأضاف:
إن بقاء المرتد فى المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحضّ الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس".
إن بقاء المرتد فى المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحضّ الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس".
دوافع الإغتيال:
لماذا وصل الأمر مع فرج فودة تحديداً إلى حد القتل؟ حيث كان من المعتاد بالنسبة لأجيال التنويريين السابقة أن يُفصلوا من وظائفهم أو أن يُقدموا إلى المحاكمة أو أن يتم التضييق عليهم فى المعيشة كما حدث مع طه حسين وعلي عبد الرازق..
لماذا وصل الأمر مع فرج فودة تحديداً إلى حد القتل؟ حيث كان من المعتاد بالنسبة لأجيال التنويريين السابقة أن يُفصلوا من وظائفهم أو أن يُقدموا إلى المحاكمة أو أن يتم التضييق عليهم فى المعيشة كما حدث مع طه حسين وعلي عبد الرازق..
أو أن يكون الأمر سجالا فكرياً بين دعاة العلمانية ودعاة الدولة الإسلامية كما حدث مع زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا وسعيد العشماوى ونور فرحات وغيرهم.
جاري تحميل الاقتراحات...