أعود إلى الدراسة، بتخصص علم الاجتماع في @SehirUniversite بعد أربع سنوات ونصف منذ خرجت من سوريا وأنا أحاول رغم الضغط المادي والمعنوي والعملي أن أجد طريقًا للمقاعد الدراسية مرة أخرى، وبعد أن فشلت كل المحاولات بدءا من اسطنبول وانتهاء بالدوحة لأسباب خارجة عن إرادة دولٍ لا إرادتي فقط.
في 2015 سجلت رسالتي للماجستير بجامعة دمشق في تخصص الأدب الجاهلي، وبحثًا عن هدنة مع نفسي والحياة بعد إجبار الجامعة لي على نقل رسالتي من الأدب الأموي إلى الجاهلي وبعد أربع سنوات من ثورة هجرتني داخليًا مراتٍ عدة وأفقدتني أخي، سافرت اسطنبول لأرى أخي أيامًا عدة استحالت سنين عدادا
ورغم الثقب الأسود من الحاجات البدائية لمن يواجه الحياة بماديتها وعمليتها للمرة الأولى ببلد غير بلده، كان هاجس إتمام الدراسة حاضرًا ومؤرِّقًا مع السعي إليها بالمستطاع والمتاح؛ بدأت المحاولات بجامعة في اسطنبول تقدمت فيها لدراسة ماستر في العلوم الشرعية وقُبلت قبولًا مبدئيًا
إلا أن ما منعني من الذهاب هو أن أحد المقابلين هو أحد دكاترة جامعة دمشق في قسم الشريعة سابقًا، وهو من متخذي موقف علي جمعة والبوطي من الثورات أسوة، علاوة على ذلك كله كان قد شنّ علي حملة سب وشتم على صفحته في فيسبوك إثر بعض التقارير الصحفية التي كنت أكتبها
دفعني هذا بالضرورة بالبحث عن مجال أكاديمي أكثر اشتباك بالواقع وأكثر انبثاقًا من حاجاته وحاجتنا لفهمه فتوجّهت للبحث عن مكان لدراسة علم الاجتماع بوصفه الأهم -بنظري- في اللحظات التاريخية هذه.
انتهت المحاولات مطلع ٢٠١٩ في قطر؛ إذ تقدمت لدراسة ماستر علم الاجتماع في أحد المعاهد هناك، لكن طلبي لم يُرفع أصلًا إلى القسم؛ لأن شرط التقديم أن يكون الطالب المتقدم لدراسة برنامج علم الاجتماع قد تخرج من البكالوريس قبل 5 أعوام فقط
اعتذرت للمعهد ولنفسي من هذه السنوات التي -ويا للأحداث الغريبة عن واضعي الشرط- كانت كفيلة بتداعي أوطاننا وتهجرينا وبانهيار تحالفات دولية وتشكّل أخرى ولم تكن فقط مانعة لفتاة لا مكان لها بمعادلة محلية لا دولية عن الدراسة سنتين مقدستين في شرط المعهد لدراسة علم الاجتماع
كان ثمن هذا الرفض أنني أحرقت طريقًا خلفي؛ إذ لم يكن يمكنني العودة إلى تركيا التي سلمت كيملكي في المطار قبل خروجي منها، وانتقلت من بلد لآخر متأملة فسُجنت سبعة من الأشهر في بلد جديد ليس لي فيه شيء، وهذا الحرق والاحتراق والأمل والسجن لا يعني أحدًا من الأكاديميين واضعي الشروط
أشهر طويلة في قطر زهدت فيها بالدراسة والحياة والعمل، وثمة قصص طويلة من الخيبة بالأماكن والأشخاص ستسردها الأيام عني حتمًا، وستكشف عن معادن أصحابها، ههه دائمًا ما يفاجئك الناس بدركاتٍ لا منتهية من الانحطاط السلوكي المغلّف بمناعة.
وبُعيد منتصف عام 2019 وأنا في قطر قُبلت في جامعة اسطنبول شهير لدراسة برنامج ماستر علم الاجتماع باللغة الانكليزية، فكان المانع من إتمام التسجيل هو أنني لا أملك إقامة لأعود إلى تركيا وفي الوقت نفسه لا أستطيع تقديم طلب فيزا لتركيا لأنني تجاوزت المدة المسموح فيها للبقاء في قطر
وبتحنان الله بعد شهر ونصف من المحاولات ورفض فيزتين قُبلت فيزة الطالب وها أنا ذا هنا في جامعة اسطنبول شهير وبدأت الدوام من أسبوع.
وأنا على عتبة البدء ما زلت لا أعي أنني على مقاعد الدراسة مجتازةً الأزمات المادية والنفسية والاجتماعية التي عصفت بي، لا متجاوزة؛ فكل ما مرَّ ما زال حاضرًا.
هل كان لي أن أعبر ما راكمته السنوات الماضية على كتفي لولا أن أخذ بيدي أهل وأحبة وأفاضل؟
أبي وأمي اللذان أكاد أجزم أنه لم يكن والدان لابنهما كما هما لي تحنانا ولهفة ومحبة رغم المسافة اللعينة والسنين الطوال التي فرقتني عنهما جسدًا وقرّبتني منهما قلبًا وروحًا فصرت ألمس معناهما بي
أبي وأمي اللذان أكاد أجزم أنه لم يكن والدان لابنهما كما هما لي تحنانا ولهفة ومحبة رغم المسافة اللعينة والسنين الطوال التي فرقتني عنهما جسدًا وقرّبتني منهما قلبًا وروحًا فصرت ألمس معناهما بي
و عبيدة الذي صابر وما زال، و دارى نزقي وتعبي، والذي كلما رآني قد ابتعدت عن التفكير بعلم الاجتماع ذراعًا دفعني إليه باعًا.
والصديق محمد قدور الذي سعى لي سعيًا عمليا حثيثًا لتحصيل مقعد في جامعة اسطنبول شهير.
والدكتور المفضال @ammarkahf الذي لولا صبره وفضله ما كنت هنا الآن.
والصديق محمد قدور الذي سعى لي سعيًا عمليا حثيثًا لتحصيل مقعد في جامعة اسطنبول شهير.
والدكتور المفضال @ammarkahf الذي لولا صبره وفضله ما كنت هنا الآن.
والدكتوران الكريمان العزيزان @ThomasPierret وساري حنفي اللذان كان لهما الدور الأكبر في تحفيزي بثقتهما بي -التي عنت لي الكثير- وبدعمي بالتزكيات والاهتمام والتواصل حتى تمام الأمر.
ولم يكن دعم الصديق @Alqudaimi ليقل عن الفاضلين توماس وساري، وكذلك دكتوري القديم المتجدد أحمد جاسم الحسين أحد أهم عناصر ذاكرتي في جامعة دمشق.
حقيقة لا أستطيع أن أنهي كلامي دون ذكر أفنان وزوجها عمار والصديقة مريم الهاجري الذين أحمل لهم في قلبي امتنانًا كبيرًا إذ كانا في أصعب أيامي بقطر كتفًا وأذنًا صاغية. وكفضلهم بل أكثر كان فضل أهل عبيدة علي على بعد المسافة لهفة ودعوات حفّتني وحفظتني.
وعلى صفيحٍ من العمر تهبني الحياة طريقًا جديدًا بعد أن فقدت واحدًا وأجهضني الآخر وأنا بينهما يجمعني الفوات ويفرّقني الحنين وتصفعني التجربة. في الحقيقة يتنازعني منذ أيام أمران أأكتب عن تجربة البحث عن مسلك أكاديميٍّ جديدٍ تحتاجه ولا يحتاجك أم لا؟
غالبًا ما اخترت ألا أكتب غير أنني إذا ما هممت أحيانًا لأسرد القصة سالت مني البدايات الزمنية وضعتُ بين تغيُّرِ اختياراتي قسرًا وبين اقتراب الموت اكتئابًا مني في الأشهر القليلة الماضية لولا رحمة الله ورسالة تأتيني يوميًا من أمي "اصبري أنت مرضية الله ما بضيعك" ووجود الطيبين القلة.
جاري تحميل الاقتراحات...