التشاؤم وعدم تقديم بديل عملي (أو بعبارات أخرى: تجاهل الواقع ومناقشة الأمور أكاديمياً وفلسفياً) تهم كثيراً ما كانت توجه لإدوارد سعيد. ولكنها تبدو لي، كما كانت تبدو لإدوارد، تهماً غير سليمة.
فلنأخذ تهمة "الواقع" مثلاً: أنت تتجاهل الواقع، هذه حساسية أو صوابية سياسية، إلخ.
فلنأخذ تهمة "الواقع" مثلاً: أنت تتجاهل الواقع، هذه حساسية أو صوابية سياسية، إلخ.
إدوارد كان مُصيباً حين وصف مثل هذا النقد والحديث عن إيجاد حلول عملية وما نحو ذلك بأنه تهرب من الواقع لا العكس، حيث يقول: "بالنسبة لي فإن هذا ببساطة يتفادى النقطة الأساسية، وهي أن هذا "الواقع" يجب أن يُحسَّن ويُغيَّر، لا أن يُتأقلم معه."
وهذا التغير كيف سيبدأ بدون المعنى؟
وهذا التغير كيف سيبدأ بدون المعنى؟
وأعلم أن استخدام كلمة "المعنى" هنا يبدو أن يُلقي بنا في ساحة الفلسفة المجردة، لكن دعونا نأخذ أمثلة.
ما معنى الإنجازات في دولنا المدمرة؟
كل شيء تفعله الحكومات والقيادات أصبح إنجازاً عظيماً، ولو كان افتتاح مصعد في بناية أو إلقاء خطاب أو العطس! فهل هذا معنى الإنجازات والانتصارات؟
ما معنى الإنجازات في دولنا المدمرة؟
كل شيء تفعله الحكومات والقيادات أصبح إنجازاً عظيماً، ولو كان افتتاح مصعد في بناية أو إلقاء خطاب أو العطس! فهل هذا معنى الإنجازات والانتصارات؟
اللغة فقدت معانها، الحكومات تتحدث عن انتصارات وإنجازات والشعوب إما لم تعد تستطيع تمييز الواقع من الخيال في هذه اللغة أو أنها اكتسبت مناعة ضد هذا الهراء، وفي الحالتين فالأمر خطير:
"اللغة لم تعد تعني أي شيء بالنسبة لطاغية يتباهى ببناء المطارات ويُصر على أن يُقارن بعمر بن الخطاب".
"اللغة لم تعد تعني أي شيء بالنسبة لطاغية يتباهى ببناء المطارات ويُصر على أن يُقارن بعمر بن الخطاب".
نفس الشيء يناقشه إدوارد في القضية الفلسطينية، اللغة التي تستخدمها الحكومة الإسرائيلية فقدت معانيها: فإسرائيل التي تحرم ملايين الفلسطينيين من حق تقرير مصيرهم هي "الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، إسرائيل لا تهاجم ولكن "ترد" في سبيل "الدفاع عن نفسها"، جيشها جيش "دفاع" لا احتلال.
نفس الشيء نجده في التعامل مع "الشرق" وخاصةً "الإسلام" بصفته العدو الحضاري للـ"غرب". ظاهرة الاستشراق ليست مجرد صوابية سياسية تتجاهل الواقع لتجامل مشاعر المسلمين، ولكنها نزع للمعنى من اللغة وإفراغ للواقع من الحقيقة مقابل بعض الصور النمطية الاختزالية.
فعند نقاش مشاكل دولة مسلمة مثلاً، يُختزل كل شيء في الدين والعقلية، ويتم تجاهل كل الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية.
مثل الخرافة التي تقول بأن العرب/المسلمين ليست لديهم قابلية للديمقراطية، وليس مهماً أنهم يعيشون منذ قرون تحت ديكتاتوريات قمعية! لا، المشكلة في عقليتهم فقط!
مثل الخرافة التي تقول بأن العرب/المسلمين ليست لديهم قابلية للديمقراطية، وليس مهماً أنهم يعيشون منذ قرون تحت ديكتاتوريات قمعية! لا، المشكلة في عقليتهم فقط!
وهذا يعود بنا لكلام إدوارد المُقتبس في الأعلى عن أن البديل الوحيد للواقع الحالي يبدأ بالاهتمام بمعاني الكلمات.
حين تعيد للكلمات والمصطلحات معانيها الحقيقية - أخذاً بعين الاعتبار الواقع بكل ظروفه - ستتمكن حينها من تشخيص مشاكل هذا الواقع التعيس للوصول إلى حلولها.
حين تعيد للكلمات والمصطلحات معانيها الحقيقية - أخذاً بعين الاعتبار الواقع بكل ظروفه - ستتمكن حينها من تشخيص مشاكل هذا الواقع التعيس للوصول إلى حلولها.
فالحديث عن الديمقراطية لا يكون مثلاً باستخدام مصطلحات جوفاء مثل "القيم الغربية" أو "العقلية العربية" إلخ، ولا حتى باستخدام شعارات "حرية الانتخاب" الرنانة، ولكنه يكون كما تحدث عنه إدوارد: بالحديث عن وجود مؤسسات رقابية وقانونية مستقلة، عن وجود محاسبة، عن وجود مجتمع مدني يمارس دوره.
الحديث عن الديمقراطية سيكون بلا معنى إن أصر على تجاهل الواقع.
هل تواجه الديمقراطية مشاكلاً كبيرة في أكبر دولتين ديمقراطيتين الآن (أمريكا وبريطانيا) بسبب عقلياتهم أم بسبب الفشل والفساد السياسي؟
هل نظرت المحكمة البريطانية العليا في عقلية وديانة بوريس جونسون أم في قانونية تصرفاته؟
هل تواجه الديمقراطية مشاكلاً كبيرة في أكبر دولتين ديمقراطيتين الآن (أمريكا وبريطانيا) بسبب عقلياتهم أم بسبب الفشل والفساد السياسي؟
هل نظرت المحكمة البريطانية العليا في عقلية وديانة بوريس جونسون أم في قانونية تصرفاته؟
وحين نصل للمعنى الحقيقي للكلمات، ولا نخلط بين المشاكل القانونية والمشاكل الثقافية، وبين الاستبداد والانهيار السياسي/الاقتصادي/الاجتماعي والعقليات والثقافات، حينها سندرك المشكلة الحقيقية وسنصل للقضية التي يجب أن نؤمن بها ونتمسك بها ولا نتنازل عنها أبداً، وهذا ثاني شيء قاله إدوارد.
وحين نكون قد استعدنا المعنى ووجدنا القضية وتمسكنا بها، حينها قد ندرك أننا نحتاج قيادات تدرك كذلك المعنى الحقيقي وتؤمن بقضايانا مثلنا، فندرك أن الشيء الثالث الذي ذكره إدوارد سعيد -نهاية القيادة الحالية - هو كذلك عنصر ضروري جداً لتغيير الواقع.
وعلى كل حال، ربما تجدر الإشارة لكتاب "نهاية عملية السلام" (يجمع مقالات له حول فلسطين)، ففيه نرى بوضوح أن عمل إدوارد ليس مجرد عبث فكري ضد الإمبريالية وصوابية سياسية تتهم الجميع بالاستشراق، ولكنه تطبيق عملي يمس الحياة والتزام بمبادئ إنسانية لتغيير الواقع لا التأقلم معه والرضوخ له.
اقرأوا لإدوارد سعيد دون خوف من النقد المجحف الموجه له وتذكروا:
"الوجود "في الخارج" والقدرة على التفكير بوضوح بدون أوهام سخيفة يبدو لي، وربما لبعض قرائي، شيئاً أفضل. الأمر يحتاج فقط لقلة من أصحاب الأرواح الجريئة ليرفعوا صوتهم ويتحدوا الوضع الراهن الذي يزداد سوءاً وتشظياً كل يوم."
"الوجود "في الخارج" والقدرة على التفكير بوضوح بدون أوهام سخيفة يبدو لي، وربما لبعض قرائي، شيئاً أفضل. الأمر يحتاج فقط لقلة من أصحاب الأرواح الجريئة ليرفعوا صوتهم ويتحدوا الوضع الراهن الذي يزداد سوءاً وتشظياً كل يوم."
جاري تحميل الاقتراحات...