Mohammed Mobarki
Mohammed Mobarki

@MobarkiMohm

5 تغريدة 601 قراءة Sep 22, 2019
فيض الخاطر " المثقفون والسعادة أحمد أمين" قرأت قول المتنبي : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * * * واخو الجهالة في الشقاوة ينعم وقرأت قول الآخر : كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * * * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
#فيض_الخاطر
هذا الذي ترك الأفهام حائرة * * * وَصَيّر العالم النحرير زنديقا
وقول ابن المعتز :
وحلاوة الدنيا لجاهلها * * * ومرارة الدنيا لمن عقلا
وقول ابن نباته :
من لي بعيش الأغبياء فإنه * * * لا عيش إلا عيش من لم يعلم وقرأت كثيراً مثل هذا في الشعر العربي يدور حول لعنة العالم ؛
لأنه يعذب العالم ، ويسعد الجاهل . فتساءلت : هل هذا صحيح ؟ هل العلماء في جملتهم أشقى من الجهلاء ؟ وهل العلم يسبب الشقاء ، والجهل يسبب السعادة ؟ إن كان هذا صحيحاً ، وكان العالم إنما يسعى وراء السعادة فالنتيجة المنطقية لهذا أنه يجب علينا محاربة العلم ،
ونشر الجهل ، وإغلاق المدارس ، وعدّ تأليف الكتب جريمة ، وطبعها جريمة ، والجامعة جريمة وكل حركة علمية جريمة ؛ لأنها تبعد من السعادة التي هي غاية الإنسان بطبعه ، أو على الأقل يجب أن تكون غايته . إذاً فلا بد أن يكون أحد الرأيين خطأ ،
أمّا والناس يكادون يجمعون على فضل العلم ، وأنه وسيلة من وسائل السعادة فوجب أن يكون الرأي الأول باطلاً ، ولكن أين وجه البطلان ؟
وجه البطلان من نواح عدة : أولها : سوء تصور الناس للسعادة : فالرأي السائد فيها أنها حياة كسل لا يكدرها عمل ، وحياة حقوق لا واجب فيها ، وحياة لذة مشتعلة لا خمود لها ، وأكل شهي من غير عناء ، وتنوغ ملاةً من غير انقطاع ، وارتواء باللذات من غير جهد ،
وبُغدُ الآلام من غير أن يتعب في إبعادها ، وحضور لكل ما يخطر بباله من مسرة من غير نصب في جلبها ، ونحو ذلك . وهو تصور فاش بين الناس حتى عقلائهم ، ومن لم يقله جهاراً اعتنقه سراً ، ومن لم ينله طمع فيه ، وتحرق شوقاً إليه ، ومن خرمه في الدنيا أمّله في الجنة ، وجعل عبادته وسيلة لإدراكه.
وهو تصور لمعنى السعادة باطل ، وفهم خاطئ ؛ وإني لأتخيل حياة من هذا النوع أشبعت فيها كل الرغبات من غير جهد ، وأتصور رجلاً أجري عليه كل أنواع النعيم :من قصور فخمة ، وحور ، وولدان ، وكل ما تشتهي الأعين ،وتلذ الأنفس ، فأجده بعد قليل قد صرخ من السعادة ، واشتاق إلى الشقاء ، وإن شئت فقل:
إنه يبحث عن سعادته في شقائه ، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ويطلب الفول ، والعدس ، والبصل بدلاً من المن والسلوى ، ويفضل المرأة الشوهاء على المرأة الحسناء ، ويشتهي جلسة على التراب بدل الأرائك والحرائر ، ويتمنى ساعة عذاب يتقي بها شر هذا النعيم المقيم .
هذا هو الإنسان ، وهذه طبيعته ، ليست سعادته في هدوء متضامن ، ولا في ركود مستمر ، إنما هي كما قال القائل : سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا * * * وتسكب عيناي الدموع لتجمدا والسعادة إنما هي في السعي للغرض أكثر منها في الغرض ،
والطريق إلى الغاية هو السعادة لا الغاية ، وإنما يسعد الإنسان باستخدام قواة وملكاتِه لبلوغ غايته ، فإذا بلغها تفتحت له غايات جديدة ، وبذل فيها جهوداً جديدة ، وظهر في أثناء الطريق صعوبات استخرجت أقصى الجهد في التغلب عليها ،
فشعر بلذة الجهد ، ولذة الغلبة ، ولذة اعتداده بشخصيته ، واستخدامه ملكاتِه ، واستكماله نَفسَه أكثر من لذاته بالغاية نفسها .

جاري تحميل الاقتراحات...