من خطورة اقحام العقليات في المسائل الإيمانية في تاريخ الإسلام مبكرا هو أن أهل الكلام أخذوا يعتقدون أن طرق الاستدلال على الإيمان هو ذاته الإيمان، ومن هنا من لا يتفق مع أطر استدلالهم (وإن كان مؤمنا) يصبح مبتدعا أو زنديقا أو جاهلا على أقل الأحوال...
وقد سلبوا الإيمان من أهم أركانه وهو أنه تجربة حية بالمقدس، وليس قواعد وأقيسة يزعمون أنها كلية، لقد عبرت بعض الرؤى على أن الإيمان هو فطري (ويقارب ذلك لكن لا يطابق مفهوم التجربة المعيشية بالمقدس) لا يحتاج إلى استدلالات متعنة ومقولبة سلفا لمسائل إيمانية بالأصل، تحجم منه...
تجربة الغزالي الثرية التي دونها في كتابه "المنقذ من الضلال" دالة هنا، فلم يقنعه تلك المماحكات العقلية(رغم أنه كان سيدا من سادات علم الكلام)ولم يهتد إلا بعد ان عاد إلى التجربة الحية الإنسانية التي تحض على الإيمان، ومن هنا كتب كتابه الأهم "احياء علوم الدين"، لأنه يعتقد انها ماتت...
الملفت أن كلا من الغزالي وابن رشد وابن تيمية اتفقوا على هذه المسألة (أن الإيمان تجربة وليس استدلالات منطقية في أساسه) لكن عبروا عن ذلك برؤى مختلفة، رغم انشغالهم بالكلاميات، ورغم الاختلافات بينهم.
خطورة هؤلاء أنهم لم يعدوا فقط يحتكرون الدين (إذ يعتقدون أنهم هم الفرقة الناجية) ولا حتى اطروحاتهم النخبوية التي كانت بعيدة عن احساس الإنسان البسيط إيمانا بربه، بل أخذوا يحتكرون العقل/المعرفة، وحبسوه في قفص، رغم أن التاريخ المعرفي تجاوز اطروحاتهم، هي سلفية لكن عقلية، وهي أسوأ!
لقد أبدى ابن رشد ملاحظة ملفتة على هؤلاء، فلا هم الذين اجادوا العقل البرهاني، وهم الذين فلحوا في الاحساس الفطري بالدين (أي لا معرفة ولا شعور اجادوا)، بل شوشوا مسألة الإيمان على الناس، ورأى ابن رشد أنهم كفار بذلك، لأنهم يصدون الناس عن الحق!
الملفت أن ابن رشد قدر أن يموضع مستويات الفهم بتأثير من أرسطو في بنى معرفية (خطابية، وجدلية وبرهانية)، وقد تأثر الجابري بذلك (مع تظافر ذلك بالفكر البنيوية سيما لدى فوكو) بقراءته عن الانساق المعرفية وتقسيماتها (بيانية، عرفانية، برهانية).
جاري تحميل الاقتراحات...