أَشْرَف ⛅🌾
أَشْرَف ⛅🌾

@the_comrade7

35 تغريدة 121 قراءة Sep 12, 2019
«ثريد thread »
أهلا بكم مجددا..
في هذا 'الثريد' سوف أذكر لكم أسوء يوم مرَّ علي مُذ ولدتني أمي..??
جهّزوا دموعكم الحائرة وجروحكم الغائرة وعيشوا في تفاصيل خالط الألم فيها قهر الرجال..
ربما يكون فيها مواساة لإحدكم أو دفعة معنوية لآخر.
يوم الخميس،الأسبوع السادس،الفصل الدراسي الثاني،السنة الدراسية الثانية في جامعة مؤتة،الأردن.
في ذلك الفصل كان في برنامجي مادة دراسية اسمها(writing 2) كتابة 2، وكان المطلوب منّا أن يكتب كل طالب عن حدث حصل له بما لا يقل عن 10 صفحات وحددت الموعد وهي الساعة12 من ظهر اليوم السالف ذكره.
اخترت الموضوع وشرعت الكتابة فيه ولإنه لم يكن لدي حينها جهاز حاسب ولا جوال حتى كنت كلما انهيت كتابة صفحة أُرسل بها إلى مكتبة خدمات الطالب (مقهى الإنترنت)، حتى جاء يوم الأربعاء، قبل موعد التسليم بيوم وكنت قد كتبت آخر صفحة.
قلت في نفسي: لدي غدا محاضرة واحدة، سأخرج مبكرا وأذهب للمكتبة أعطيهم الورقة ومن ثم أطبع الأوراق وأذهب للجامعة.
خرجت من الشقة الساعة التاسعة، كنت أملك حينها ستة دنانير(30ريالا)والذي يملك مثل هذا المبلغ في يوم الخميس وقتذاك كان يعتبر من اثرياء الجامعة، وصلت المكتبة، أعطيتهم الورقة.
طبعها العامل في المكتبة بسرعة ثم قال لي: تقدر 'تشيّك' على البحث قبل طباعته.
وبالفعل امتطيت صهوة كرسيه وأنا أشعر بنشوة الإنجاز إذ أنه أخبرني أن كتابي قد تجاوز العشرة صفحات، شعرت أن هذا أعظم عمل أنجزته منذ دخولي الجامعة، إلا أن فرحتي لم تدم طويلا.?
هالني منظر الكلام الذي يعجز متخصصو اللغة عن فهم جملة واحدة فيه، كانت الكلمات متداخلة والحروف متغيرة فليس هناك رابط -ولو بسيط- بين ما كتبته وما هو مطبوع..
لك أن تتخيل أنك تتعب لفترة لإنجاز شيء وفي لحظة واحدة تَجِده هباءا منثورا..
سألته عن السبب فقال ببرود: معليش والله هذا ولد أخوي صفه أول ثانوي وأحيانا يساعدني، -الله لا يهينك- عدّل الاخطاء اللي فيه بسرعة ونطبعلك إياه وصلّى الله وبارك على نبينا محمد.
وهنا تُكمن مشكلة فيمن يقتلك بدمٍ بارد دون أن يشعر بأدنى حسٍ للمسؤولية.
دقت الساعة العاشرة ومعها زادت دقات قلبي واضطربت وكأن اليوم سيكون حافلا بالمصائب، قد يأتينا هذا الشعور أحيانا ويصدق،قرأت السلام على محاضرتي الوحيدة في ذلك اليوم إذ أنها ستبدأ بعد نصف ساعة،بدأت بإعادة كتابة الكتاب، استغرق وقت طويلا فلم أنتهي إلا وقد حانت الساعة الثانية بعد الظهر.?
ناديته ليقوم بطباعته وننتهي من هذا الموقف البائس،نظر إليه وقال:
ممتاز،الله يعطيك العافية،ثم سحب (الفلاشUSB) من غير أن يحفظ التعديلات التي أجريتها وذهب للحاسب المربوط بالطابعة.هنا تجمدت الدماء في عروقي،وجحظت عيناي وصابتني الجلطة إلا قليلا،من هول الصدمة عجز لساني عن النُطق ببنت شفه
نظر إلي وقال:
أستاذ ما أنت معدّل شيء ثم استدرك الموقف لما رأى منظري، وشعر بالحرج وأخذ يعتذر بكل ما أوتي من مفردات، لا أدري ما كان علي فعله إلا أن الذي أذكره أن رجلاي لم تقدر على القيام ويداي لم تستطع الحركة، وددت حينها أن أبكي،أن اضربه أن أكسّر الأشياء من حولي لكن ذلك كله لم يحدث
بقيت برهة وأنا أحدّق بالجدار وهو ملتزم الصمت، ثم أنني بدأت بإعادة التعديل مرة أخرى، لعلي ضغطت زر (over) في لوحة المفاتيح فكانت الكلمات التي أكتبها تلتهم الكلمات التي أمامها تماما كما التهم الهمُّ قلبي.
ألم يُقال من قبل: المصائبُ تأتي مجتمعة.
انتقلت إلى حاسوب آخر وانتهيت، صارت الساعة الخامسة مساء وبعد نصف ساعة سيحين آذان المغرب.
أعطيته حسابه وكان «خمسة دنانير ونصف» سامحني بنصف الدينار، وكان من حقي ألا أعطيه شيئا ولكنني آثرت أن يكون لي عنده وليس له عندي.
أخذا بالحديث (أدِّ الذي عليك وسلِ الله الذي لك)
المهم أنني ركبت 'الباص' المؤدي للجامعة وناولته الأجرة «30 قرشا» وبقي معي سبعين (ثلاثة ريالات ونصف). وصلت البوابة الجنوبية للجامعة ثم سرت حتى وصلت كلية الآداب فلم أواجه أحدا والأمل يحدوني أن أجد الدكتورة فأخبرها بمعاناتي لعل قلبها يرأف لي.
دخلت كلية فلم اسمع إلا صدى قرع نعليّ، وكأنها خاويةٌ على عروشها، فقد كان الجميع ينتظرون الخميس بفارغ الصبر ليرجعوا إلى أهليهم.
أكملت طريقي إلى البوابة الشمالية وأنا غارق بتفاصيل يومي الغابر وحظي العاثر، حتى وصلت مجمع الحافلات.
لم يكن هناك أي حافلة لمحافظتي أو بتعبير أدق لم يكن هناك إلا حافلة يتيمة ستذهب إلى العاصمة عمّان والتي تبعد عن محافظتي 30 كم وعن بيتي 60 كم، ولكن ذلك هان في عيني لمّا تذكرت أنني لا أملك إلا سبعين قرشا، ماذا عساها أن تفعل؟!
فكرت أن أرجع للشقة وأمكث فيها إلى الأسبوع القادم ولكن ماذا عساه أن يفعل المبلغ المتبقي لدي؟!
قد تضيق بنا الحياة حتى نكون أحوج ما نكون إلى كلمة أو ضحكة أو نكتة، أي شيء يستّل الحزن من قلوبنا أو التعب عن كواهلنا.
جلست على قارعة الطريق، مر ببالي سيل من الذكريات البائسة، ضاقت علي الأرض بما رحبت، وكأنني أتنفس من خرم إبرة، وددت حينها أن أضع رأسي بين يديّ وأبكي، لا أدري لماذا ولكن شيئا ما كان يعتصر قلبي.
مر بخاطري ذلك اليوم وأنا عائد من الجامعة للشقة وبعد أن ركبت 'الباص' تذكرت أنني لا أملك قرشا واحدا فرجعت للشقة ماشيا وتعللت برغبتي في المشي لمّا سألوني رفقاء السكن لماذا تأخرت؟!
وأنا في تيارات الحزن تلك جاء الفرج.
نعم لقد مرّ بي سائق سيارة أجرة سكنت في حيّهم سنتي الأولى وكان يعرفني وأعرفه، كيف لا أعرفه وهو القشة التي ستنقذني مما أنا فيه.
قررت أن أطلبه ما يبلغني أهلي.
والحقيقة أنني ترددت في ذلك فلم أعتد على مد يدي لأحد ولكنني كنت بحاجة أن أرى أمي كنت أشعر أنني إذا رأيتها سينجلي همي ، لا شيء غير ذلك فقط أريدها أن تحضنني وتطبخ لي شيئا أشعر بعطفها في نكهة الأكل.
أقبلت عليه وسلّمت عليه فحيّاني ثم قلت له بعد أن تلعثمت الكلمات في صدري:
هل من الممكن أن تعطيني دينارين (10ريال) وأرجعهم لك الأسبوع القادم؟!
قال لي: متى ترجعهم؟!!!
تلك الكلمات كانت كأنها صفعت تلقيتها على حين غرة، دارت بي الأرض، فلم أكن أتوقع مثل هذا الرد.
قلت: الأحد.
قال: أكيد?
يا الله،يا رجل لم يعد قلبي يتحمّل فارفق به.
قلت:أكيد
اخرجهما من محفظته وأعطانيهما،لا تسألوا عن فرحي بذلك المبلغ حينها..
قررت أن اتجاهل الموقف وأن ألحق الحافلة،ركبتها وقد شعرت أنني محظوظ في تلك اللحظة فقد كنت الراكب الأخيرة للحافلة.
ثمة بصيص من نور ينتظرك في نفق المصائب، فلا تيأس.
جلست في الكرسي فلم أشعر إلا بحركة الباص وهو يهتز، أفقت من نومي كالمذعور، أشحت الستارة لأنظر أين أنا فقد يكون السائق قد تجاوز المكان الذي أريد أن أنزل فيه اختصارا للوقت والمال معا، طلبت مَنْ بجانبي أن يفسح لي طريق، سرت بسرعة حتى وصلت السائق.
سألته بعجل،
أين وصلنا؟!
قال: أين تريد؟!
قلت:جسر مادبا
فطمأنني أننا لم نصل بعد ثم أردف قائلا:
اجلس هنا فقد اقتربنا.
لم يكن ثمة ما يؤنّس السائر ليلا،فالظلام خيّم على كل شيء وبالكاد ترى بصيص ضوء سيارة بين الحين والآخر. وصلت للمكان الذي أريده وكانت الأجرة هي كامل المبلغ الذي تسلّفته.
وقفت على الجسر احتضنت كتبي وضممتها لصدري، ليس حبا بها ولكن طلبا للدفء فقد كان الجو بارد، والذي يسكن الأردن يعلم كيف يكون الطقس في شباط (فبراير)، لا أدري كم الوقت الذي قضيته هناك حتى جاءت سيارة من نوع (BMW)حمراء اللون قديمة من الخارج رثة متسخة من الداخل.
وصلت المحافظة ودفعت له نصف دينار (2.5 ريال) من التي تبقت معي أولا.
بقيت الآن الحلقة الأخيرة الأصعب من المسلسل الأليم، كيف سأذهب من مركز المحافظة لبيتنا، والناس في منطقتنا ينامون بعد العشاء مباشرة، فالجو بارد وليس هناك ما يقطع الليل الطويل مثل النوم.
جلست أدعو الله أن يسخر لي أحدا يحملني،تذكرت قصة الرجل الذي اعترضه قاطع طريق فطلب منه أن يصلي ركعتين قبل موته فدعا الله وألح حتى جاء مَلَكٌ فأنقذه، لا أخفيكم أنني تخيلت ملكا يحملني، ضحكت في داخلي على سخافتي ثم عدت أحدّق في الظلام الدامس قطعه صوت سيارة قادمة،
وثبت على قدميّ،بدا ضوء السيارة خافتا حتى وصل عندي، فتوقف لوحده وأشار إلي أن اركب، لا يعلم ذلك الرجل كم دعوت له في سرّي ولم يدري كم كان فرحي وأنا اقترب من بيتنا وكأني اشتم رائحة أهلي على الرغم من أن طريق بيتهم كان يفترق عن طريق بيتنا إلا أنه أصرّ على أن يوصلني للبيت.
وصلت وكأن يوميي شهر كامل من المعاناة،لك أن تتخيل أنني لم أصلي أيّا من الصلوات وفوق ذلك كله كنت صائما ولم ينزل في حلقي قطرة ماء،حتى أهلي الذين ينتظرونني على مائدة الإفطار كل خميس قد تناولوا طعامهم،نظفوا مواعينهم وناموا فقد كنت أصلهم المغرب في كل مرة،فلما تأخرت اليوم يأسوا من قدومي
نمت مباشرة مُثقلا بكل ما هو سيء ولم أفق إلا وهم مجتمعون عند رأسي مستغربون وجودي، استيقظت فكان أول ما أذكره حضن أمي وقبلاتها التي أصابت كل موضع من وجهي، الحق يقال أنها بقبلاتها وحضنها كانت ويكأنها تمسح قلبي بلطف عمّا علق به، يا إلهي ما أعظم نعمة الأمهات.
لم أخبرهم وقتها بما حصل لي لإنه كما قيل:
من منازل البر العالية أن لا تخبر والديك بما يقلقك إلا عند الضرورة لإن مقدار ما يشعرون به من الهم هو أضعاف ما تشعر به أنت.
صاحت بأخواتي لإعداد الفطور وتجهيز الغداء وتحضير البسبوسة.
نرجع إلى الكتاب الذي ألّفته، في يوم الأحد وأنا ذاهب للجامعة قال الذي بجانبي بالحافلة:
ما أكثر ما تقرأ!
قلت: أووووه تذكرت شيئا مهما، نقرت على الزجاج توقف السائق ونظر في المرآة فقلت: أنزلني
عدت إلى البيت، الكل قد ذهب لعمله كانت المشكلة في إيجاد مفتاح الدار أو البحث عن أمي في الحي.
وجدتها ووجدت المفتاح وأخذت الكتاب وسلّمته ولم يكُ عندي أمل أن تقبله مني وقالت:
You are too late so you will miss 5 marks.
فقلت بتهكّم
If you find 5 marks.
كان موضوع الكتاب عن مرض أمي وكيف صار بيتنا مظلما كئيبا، خيّم الحزن في كل أركانه طوال فترة مكوثها في المستشفى.
فكانت الدكتورة كلما واجهتني بعد ذلك تسألني عن أمي وتوصيني ببرها.
ختاما
لعلكم تعلمون قصة ذلك الحكيم الذي طلب منه أحد الملوك أن ينقش له عبارة على خاتمه تجعله إذا قرأها وهو حزين يسعد، وإذا قرأها وهو سعيد يحزن، فنقش له عبارة «هذا الوقت سيمضي»!. وهي عبارة حكيمة تلخص معنى الحياة بالكامل في أحرف معدودة.
وكما قيل: كلُّ مُرٍّ سَيمُر.
طابت أوقاتكم.

جاري تحميل الاقتراحات...