ثريد | النسوية بعيدًا عن الضجيج.
صقل المُفكر الفرنسي تشارلز فورييه مصطلح "النسوية" عام 1837م وظهرت أول موجة نسوية نهاية القرن 18 وبداية القرن 19 تدعو للمساواة في الزواج، حضانة الصِغار، وحق الملكية العقارية. تخيل كانت تلك حقوق محتكرة للذكور، وتصوّر ما كانت المبررات حينها!
صقل المُفكر الفرنسي تشارلز فورييه مصطلح "النسوية" عام 1837م وظهرت أول موجة نسوية نهاية القرن 18 وبداية القرن 19 تدعو للمساواة في الزواج، حضانة الصِغار، وحق الملكية العقارية. تخيل كانت تلك حقوق محتكرة للذكور، وتصوّر ما كانت المبررات حينها!
لم تظهر النسوية اعتباطًا ولا لمآرب وأجندات أخرى كما يُزعم على مرِّ التاريخ، بل ظهرت كنتيجة شعور واقعي بالاضطهاد المُمارس على المرأة والتمييز حسب الجنس، حتى مُناهضي النسوية يعترفون ضمنيًا بوجود انتهاك لحقوق المرأة في كل محاولة لتسويغ وتمرير الانتهاك وكأنه جزء من الطبيعة.
تُعنى النسوية في نشأتها بمبدأ المساواة في قيمة الانسان لاستيفاء الحقوق بغض النظر عن نوع الجنس، لذلك لا حاجة للتفريق بين العدالة والمساواة، لأن المقصود بالمساواة ليس تساوي المحتوى بل تساوي قيمة الانسان ذكرًا أو أنثى لنيل حقوقه اللازمة له.
وكأيِّ حركة مُقاوِمة للثقافة الأبوية، الفكر الذكوري السلطوي، تم اتهام النسوية بالعديد من التُهم لتشويه صورتها والطعن فيها، لأنها تُغير من معالم الترتيب الأبوي وتزعزع مصادره للانتفاع.
ولأن المجتمعات عمومًا تعتاد الثقافة والرتم الاجتماعي المُحيط بها، كانت النسوية ولازالت صدمة ثقافية وفكرية تُحرك المياه الراكدة وتُخيفُ طمأنينتها لكون تلك العقليات مُبرمجة لاعتبار المرأة كائن هامشي لا تحق له الحياة بذات المستوى الذي يحق للرجل وكأن نوع الجنس ميزة له!
تطورت النسوية ومرت بعدة موجات، هدفت جميعها للمساواة في مبدأ استحقاق الحقوق، كما للرجل قيمة انسان على إثرها ينال حقوقه، للأنثى ذات القيمة تمامًا، وكان هذا صعب الفَهم للعقلية للذكورية المُعتدة بنفسها.
ظهور أيّ حالة نسوية صارخة ومُتمردة وحتى مُعتدية، بأيِّ مستوى وشكل كانت، هي ليست خطأ في ذاتها، وهذا ليس تبرير، بل استقراء أن لكل فعل ردة فعل، وبدلاً من اتهام ردة الفعل، عالِج الفعل نفسه. لا أحدًا يغضب جزافًا دون شعور بالقهر والاضطهاد.
كون هنالك انتماءات مختلفة وميول مختلفة لمؤيدي النسوية، وكونك غير مُقتنع بثقافاتهم وقناعاتهم ورغباتهم، لا يغير شيئًا في مبدأ استيفاء الحقوق، القانون لا يأبه لرأيك نحو خصوصيات الآخرين، الحقوق غير مشروطة بموافقتك.
ورغم ما بلغته المجتمعات المُتقدمة فكريًا وحضاريًا من مستوى حقوقي، إلّا أنها لازالت تُعاني من سطوة الفكر الذكوري والتمييز والعنف ضد المرأة، فما بالك بالمجتمعات ذات النسق المتأخر فكريًا التي تُعرِّفُ اضطهاد المرأة كنوعٍ من التكريم!
ختامًا، النسوية مبدأ انساني بحت، لتعي ذلك جيدًا حاول إلغاء وجود نوع الجنس من ذهنك، فكّر بقيمة الانسان وكيانه، هكذا بكل بساطة.
إذا لم تكن نسويًا في بيئة ذات ثقافة ومنظومة ذكورية أبوية بحتة، فأنت على الأرجح لم تدرك قيمة الانسان.
لولا تسلط الذكر وبطشِه، الذي استمدته من بنيته الجسمانية وإرثهِ التاريخي المشحون بالتمييز، لم يكن هنالك حاجة للنسوية. حين تريد معالجة شيء، انظر للجذر.
تُردد إحدى مُنظّرات النسوية بأن النسوية تيار متطرف، تيار هجومي عدائي "كداعش"، ويجب حماية المجتمع منه، ونست سبب ظهور النسوية، ونست تهجم وبطش الفكر الذكوري، ونست بأنها لولا سماح "ذكرها" لها لما نطقت بحرف وما حققت شيئًا، ونست بأن للانسان قيمة وحرية وكرامة!
ثم وبافتراض اعتباطي بأن النسوية فكر متطرف وعدائي وبذيء، ما نتيجة هذا التطرف الذي يُزعم حدوثه في مقابل ما أفرزه الفكر الذكوري من تسلط وتعنيف وقتل وسلب أعمار واستئثار حقوق وانتهاك حريات!
آلاف، بل ملايين، القصص والقضايا للتعنيف وسلب الحقوق والإذلال والقمع، كلها نابعة من تعريف ونظرة الفكر الذكوري للمرأة، كلُّ ذلك طبيعي، لكن أن تغضب امرأة وتُعبّر عن رفضها واستيائها فهي وقاحة وقلة أدب وخيانة وضلال!
من العبث انتقاد ردة الفعل الغاضبة واعتبارها جريمة، كخطوة مُبطنة للتغاضي عن الفعل المُسبب لها.
جاري تحميل الاقتراحات...