16 تغريدة 202 قراءة Sep 06, 2019
يشعر مُعظَم الناس اليوم بأنّهم مُستَنزَفون ومُتعَبون، وإن كانوا لا يفعلون شيئًا حقيقيًا، وإن كانوا لا يعرفون حقًّا ممّا هُم مُتعَبُون.
والتظاهر بالانشغال والانهماك سمة رئيسية للفَرد اليوم، يُعرِّف بها نفسه، وإلّا لَن يشعر الآخرون بأهميته، ولَن يشعر هُو بأهمّية نفسه.
ويشعر الإنسان بالخَجَل إذا لَم يستطع أن يجد إجابة لشخص غريب أو قريب حينما يسأله:
شو بتعمل بحياتَك؟ بشو مشغول؟ وين أيامَك؟
هكذا يشعر الإنسان بأنّه مُلزَم أن يكون مشغولًا بشيءٍ ما، حتّى ولو كان أمرًا تافهًا كما يقول عَلي.
عند سؤال إنسان ما بماذا أنتَ مشغول؟
يرتبك ويبدأ الفرد يُبرّر نفسه، حتى لو كان تبريره أنّه يبحث عن شيء ما يشغل به نفسه، أو أنّه يُعيد ترتيب أموره لينشغل بشيء جديد.
في كتابه "مُجتَمَع التعب" أو "مُجتَمَع الإرهاق" The Burnout Society يُشير الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ شول هان، إلى أنّ أهمّ مَلمَح لمجتمعاتنا المُعاصرة، هي:
- التعب النفسيّ، الإرهاق الداخلي والشعور بالاستنزاف.
- الانشغال الدائم (يشعر معظم الأفراد أنّ السنة التي مضت كانت صعبة)
بحسب بيونغ، يحدث هذا التعب كنتيجة طبيعية لتحوّلات النظام الاجتماعية والاقتصادية، الذي نعيش فيه.
فالنظام الإداريّ والوظيفيّ اليوم يستهدف ذاتَك أكثر ممّا يستهدف جسدك، ويستهدف نفسيتك أكثر ممّا يستهدف مهاراتك المادية.
في الماضيّ كان الإنسان يعيش في مناجم، مقدار ما ينتجه هو مقدار ما يستهلك به عضلاته وجسده.
تحوّلت قيمة الإنتاج إلى الإنتاج المعنوي (قطاعات الأعمال والمعلومات والتكنولوجيا)
وبدل المناجم القديمة صارت الشركات بمكاتب.
وصار مقدار ما تنتجه هو مقدار ما تستهلك به ذاتك ونفسك وتستنزفها.
في نفس هذا السياق، يصير الفراغ مسألة مُقلِقة للإنسان.
وبمعنى: يشعر المَرء وكأنّه مُذنب إذا قرّر أن يقضي يومه دون أن يفعل شيئًا يستحقّ الذكر أو دون أن ينشغل.
يشعر المَرء وكأنّ شيء ما خاطئ، مُجرّد جلوسه هكذا سيُعرّضه لتساؤلات الآخرين، هذا إنسان لا ينشغل بشيء ما، لا بدّ أنّه تافه
وبحسب الطبيب الأمريكي لاري دوسّي، فإنّ الكثير من الناس اليوم مُصابون بما يمكن تسميته "داء الوقت".
وهو اعتقاد وسواسيّ أنّ الوَقت ينفد منّي، وأنّه لا يوجود ما يكفي من الوَقت، وأنّني يجب أن أركض لألحق بأقراني ومَن هُم في جيلي.
ولنفس هذا السبب يقلق الإنسان من أخذ أيّ استراحة زمنية (بين المدرسة والجامعة، بين الجامعة والوظيفة، بين الوظيفة والوظيفة).
وجميعنا ننتمي إلى عقيدة السُرعة ذاتها، لماذا نركض؟ ومن أجل ماذا نحن مُستعجلون؟
وماذا يفوتنا حينما نَكسَب أنفسنا؟ وماذا نكسب حينما نخسر ذواتنا؟
من هنا تأتي حركات مُضادة من أطباء ومُعالجين نَفسيين، في أن نتعلّم أن نتصالح مع فكرة أن "لَن أفعل شيء مُهِم اليوم" هكذا وبُكلّ سهولة، وبدون أن أشعر بأي حرج أو قلق.
وهناك تفصيل في كيفية إجراء هذه الفلسفة، دون أن نقع في فَخّ العَدَمية.
أن لا تفعل شيئًا The art of doing nothing أو ما يُسمّيه الهولندييون بفلسفة Niksen.
ومن تطبيقات الفلسفة:
أن لا تَخشى المَلل، لا تجعله يُقلقك
أن تتصالح مع الجلوس مع نفسك
أن تُجرّب يومًا بالأسبوع بدون هاتف
أن تجلس في حديقة تتأمّل المارّة أو السماء
أن تركب في باص وتدعه ينتقل بك
وفكرة هذه الفلسفة Niksen ... هي أن نقيض "الانشغال" و"الفعل" ليسَ أن لا تفعل شيئًا على الإطلاق، بقدر ما هي أن تعيش أو تستشعر الوجود بعيدًا عن فكرة العَمَل والإنتاج.
فهي الحالة التي ننتقل بها من (الفعل) Doing إلى Being (الكينونة) أو العَيش الوَجدانيّ.
ومن الكُتُب الممتازة التي أُحبّ، كتاب عالِم النفس الألمانيّ إريك فروم، حيث عبّر عن فكرة الانتقال من نمط العيش التملّكيّ والإنتاجيّ إلى نمط العيش الوجدانيّ والكينونيّ بشكل أكثر تفصيلًا، بكتابه:
[الإنسان بين الجوهر والمظهر]
وهذا رابط الكتاب:
drive.google.com
مش عارف شو عم بعمل، هو في واحد عاقل صاحي الساعة سبعة الصبح وبكتب هالحكي.
بس هو علي كان كاتب هاي التغريدة، وتذكرت كتاب مجتمع التعب. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

جاري تحميل الاقتراحات...