22 تغريدة 88 قراءة Sep 01, 2019
مساء الخير.
إلى المقبولين الجُدد في الجامعة:
وفقكم الله .. هذا أولًا.
أما ثانيًا .. فكلنا كنّا أنتم يومًا ما.
كلنا كنا ذاك الضائع المسكين المُقبل على الجامعة بابتسامةٍ عريضة وواجهته الجامعة بكفّ على فمه أخفى الإبتسامة من وجهه خمسة سنوات.
في أول أسبوع دراسي لي كنت أستيقظ قبل المحاضرات بساعتيَن، أتروّش وألبس أكشخ ملابسي وأضع أفخم عطوري وألبس ساعةً في يدي وخاتمًا في إصبعي وأدهّن شعري وأجلس في القاعة أنا وأصدقائي قبل المحاضرة بساعة مبتسمين ومتكشخين.
كل ذلك اختفى من ثاني أسبوع.
وجوهٌ عليها غَبَرة، ملابسٌ رثّة، رائحة الكآبة تملأ القاعات، لا يصف تلك الوجوه إلا قول الشاعر:
إذا عاين الشيطان صورة وجههم ..
تعوّذ منهم حين يُمسي و يُصبحُ ..
لا تقل لأي هنديٍ تراه في الجامعة ياصديق فين قاعة رقم 401، لأن هذا الصديق سيكون ذاهبًا للقاعة رقم 401 ويوريك هناك من هو الصديق.
أقبح فعلٍ تفعله كطالب سنةٍ تحضيرية عندما ترى المحاضر يتكلم باللغة الإنجليزية تنظر إلى أصدقائك في الخلف وتقول لهم فك يو.
ياقبيح.
الكافتيريا التي في الدور الأرضي لاتُسمى مقصف، والراحة بين المحاضرات لاتُسمى فسحة، وانتهاء المحاضرات لايُسمى صرفة.
واحذروا كل الحذر من الطلاب شديدين البياض أصحاب الخدود الماكدونالدزية المُلط الذين يلبسون نظاراتٍ دائرية؛ ولا تجد تلك الوجوه إلا في قسميَن:
قسم الفيزياء والحاسب.
فإنهم يدورون على القاعات ويكرّرون نفس الكلام في كل قاعة:
"لو سمحت دكتور ممكن دقيقة من محاضرتك؟ ياشباب احنا من مجموعة الكشّافة أحد يبغى ينضمّ لنا؟
عندنا رحلة أسبوعية لمكة ترى، طيب عندنا لقاء شهري مع رئيس الجامعة، طيب ترى احنا مو هطوف زي مايقولون الناس
طيب اللي بينضم للمجموعة بنخليه رئيس المجموعة، الله يخليكم انضموا لنا، طيب دقيقة بس يادكتووور، ياشباب بليييز أنا العضو الوحيد في المجموعة، دقيقة دكتور لاتصك الباب لو سمحـ ......"
انتبهوا منهم.
اختر تخصصك بعنايةٍ كم تختار زوجتك، كلاهما شيئان تقترن معك العمر كله.
إن احببتها عشت سعيدًا عمرك كله، وإن كرهتها عشت شقيًا عمرك كله.
وإن اخترت تخصصك وآمنت به، فلا تسمع لأي شخصٍ يردّك عنه وينصحك بتركه ويُخبرك أن لا مستقبل به، فكل التخصصات لها مستقبلٌ عظيم إن أبدعت بها.
واحذروا من الغياب، فإنه أكثر شيءٍ يُدمنه الجامعيّ إن اعتاد عليه.
وهو بداية الضياع، يقود إلى الفصل من الجامعة وإلى الرسوب وإلى التوهان التام في فهم المواد.
وإن السعيد من اتّعظ بغيره.
فقد درستُ يومًا خارج مدينتي وبعيدًا عن أهلي، وأُعطيت الحرية التامة؛ ولكن لم أعرف التعامل معها.
وبسبب الغياب؛ تحوّلت من شخصٍ كان اسمه معلقًا على مدخل مبنى الجامعة الإداري في لوحة الشرف، إلى طالبٍ معلّق اسمه على مدخل مبنى الجامعة الإداري في قائمة المفصولين أكاديميًا.
ومن شخصٍ كانوا يرجونه الطلاب أن يُساعدهم في مذاكرة اختباراتهم، إلى شخصٍ يدور بين مكاتب الدكاترة يترجاهم أن يمسحون غياباته.
ومن شخصٍ كان يقول له رئيس قسمه أنه سيصبح صديقًا لهم في القسم بعد سنين، وهو يُخبر دكتوره أنه يرغب بأرامكو، إلى شخصٍ يقول له دكتورٌ آخر بالحرف -وهو يترجاه أن يمسح غياباته لكي لايُفصل-: روح اشتغل فماكدونالدز فاتحين وظايف الحين بـ4 آلاف ونص.
ومن شخصٍ يتباهى أهله بمعدّله وشهادات شرفه، إلى شخصٍ يبحثون أهله عن واسطةٍ له لتُعيده جامعته إلى مقاعدها.
وكل ذلك لم يُفلح.
ذهبت كل سنين دراستي في مهبّ الريح، انفصلت أكاديميًا وكأني لم أدرس حرفًا واحدًا في الهندسة الكيميائية.
عُدت إلى نقطة ماتحت الصفر.
وكل ذلك كان بسبب الغياب فقط.
وإلى الذين مرّوا أو سيمرون أو يمرون بما مررتُ به، فلا تيأس وتقنط من رحمة الله، فلا يحصل شيءٌ لمؤمن إلا وحكمة الله له بها خير.
بدأت الدراسة من جديد، عدت طالبًا مع طلاب أعمارهم 18 سنة وعمري 23، أول مرة دخلت القاعة عليهم حسبوني دكتورهم.
وأراد الله أن أتجاوز تلك السنين كلها وعادت الحياة إلى مجراها وانثنت كُرهًا ورُغمًا لرغباتنا، وكما كنت أتناقش مع دكتوري القديم، فأنا اليوم في شركةٍ من شركات أرامكو.
وأحضّر الماجستير في نفس الوقت.
لاتيأس من مادة أو من دكتور أو من جامعةٍ أو دراسة، وإن انثنيَت يومًا لها مجبورًا، وردّد المتنبي في رأسك:
ماكلّ مايتمنى المرء يدركهُ ..
تجري الرياحُ بما لاتشتهي السفنُ ..
بل صِح عاليًا بقول الشاعر:
تجري الرياح كما تجري سفينتنا ..
نحن الرياحُ ونحن البحرُ والسفنُ ..
وفقكم الله ياورعان الألفية الثانية.

جاري تحميل الاقتراحات...