علياء
علياء

@Alyaa_35

26 تغريدة 704 قراءة Aug 29, 2019
"أغارُ على كشَّاف القناع"!
كان هذا ما قلته بأسفٍ وحزن، لما مرّت بي تغريدة لإحدى النسويات - والتي تعمل في المحاماة - إذ صوّرت صفحة من هذا الكتاب، ثم علقت عليها بالتهم إياها:
ما هذا الكتاب الذكوري القروسطي البائس المتحجر المنغلق، الذي نُجبر على الرجوع إليه :(
والكتاب لمن لا يعرفه، هو كتاب فقه حنبلي جليل، للشيخ منصور البهوتي المصري، شرح فيه كتاب "الإقناع" للحجاوي.
ولعل هذا يذكّر طلاب الشريعة بشيء، نعم فالبهوتي أيضاً هو صاحب كتابنا "الروض المربع" والذي شرح فيه كتاب "زاد المستقنع"، للحجاوي كذلك.
تلميذٌ نجيبٌ وفيٌّ لشيخه ❤️
لكن الفرق بينهما أن "الروض المربع" كتاب تعليمي يغلب عليه الدليل والتعليل، بينما "كشاف القناع" كتاب يتسم بالصبغة القانونية والتفاصيل القضائية، ولذلك صار المرجع الأول لدى أصحاب الفضيلة - القضاة - في بلادنا.
وهكذا وصل الكتاب إلى يد سعادة المحامية :)
نعود إلى ما أغضب تلك المرأة، وهو هذا النص الذي ورد في كتاب الجنائز (٢/ ١٠٤):
( إلا الزوج فإنه لا يلزمه كفن امرأته ولا مؤنة تجهيزها، نصَّ عليه، لأن النفقة والكسوة وجبا في النكاح للتمكين من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة، وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت الأجنبية).
والذي تبادر إلى ذهن المحامية - مع فقدان أدوات القراءة الفقهية - هو تصوّر العلاقة الزوجية بالسمات الشهوانية المصلحية، القائمة على أدنى مستوى من الحقوق، وكأن هذا الحكم هو امتحان المروءة المطلق، حتى يهولك أن الزوج - المكلوم الأرمل - لا يكاد يتكفل بكفنٍ لزوجته :(
والحقيقة أن الفقهاء لما تناولوا هذه المسألة لم يخالفوا فيها من جهة الأخلاق أبدًا، بل لأسباب أخرى تتبين بالقراءة التخصصية للفقه.
فواعجباً كيف يجني المتطفّل على هذا العلم، حتى يظهر المسألة وكأن الزوجة ستبقى بعد موتها كالجيفة المطروحة في الخلاء لا يواريها أحد!
وصورة المسألة:
لو أن امرأة ماتت وتركت ثروة قدرها مليون ريال، والزوج معدم ليس في حسابه إلا ١٠٠ ريال، فهل يُجبر شرعاً وقانونًا على شراء الكفن لزوجته؟ فإن امتنع استحق الإثم والذنب؟
خاصة مع غياب صاحب الحقّ - الزوجة - وتعذّر حصول الإبراء من جهتها.
وفهم اختيار "الحنابلة"؛ يعتمد على ما يسمى بـ "اللوازم الفقهية"، وهو منهجٌ شديد الدقة بالغها، يثبت للمذهب الفقهي سمة الانضباط والاطراد.
فيقولون: إذا كنت تقول بكذا، فيلزم منه كذا وكذا، وإذا خالفت انتقض أصلك!
وعليه تصير بعض الفروع ذات علاقة تراتبية هرمية بنائية على ما قبلها، وهكذا.
حسنًا، لنطبق اللوازم الفقهية هنا:
إن المسألة "كفن الزوجة" مترتبة على المسألة الأم وهي: "نفقة الزوجة"، وهذه أيضاً ذات صلة بمسألة أخرى وهي: "موجب النفقة".
وبالسبر والتقسيم نقول:
هل تجب نفقة الزوجة بالعقد، أم بالتمكين، أم بالثالثة وهي متقاربة: (بالبذل/ بالاحتباس/ بالاستمتاع)؟
أرجوكم، المصطلح الأخير بعيدٌ عن معناه الشعبوي المبتذل، هو مصطلح فقهي خالص!
مثال:
في محرّم تملكت هند إلى أحمد، هذه نقطة زمنية تسمى (عقد).
في صفر قالوا له إن هند مستعدّة لإقامة حفل الزفاف في أي وقت، هذا يسمى (التمكين).
في رجب أقيم حفل الزفاف لهند وأحمد، وهذا يسمى (البذل)، وانتقلت هند إلى بيتهما (الاحتباس)، ولم يعق أحمد عن الحقوق الزوجية بعائق (الاستمتاع).
فعند أي نقطة منها تبدأ الحقوق المالية على أحمد تجاه هند؟
لا يخفى أن النفقة حقّ مالي، والحقوق المالية بين الناس يغلب فيها التنازع والمشاحّة،وقطعاً لذلك فلا بد من تحديد نقطة لابتداء ذلك وانتهائه، وتعيين محكات (مادية) فاصلة، فليس كل الناس يملك (المروءة والإحسان) القائم بين الزوجين.
الحنابلة قالوا إن نفقة الزوجة تبدأ (بالتمكين)، فعندها تبدأ أسباب الزوجية (المادية) وهي حلّ كل زوج للآخر، مما يترتب عليه ثبوت البدل (المادي) الآخر وهو النفقة.
وهذا معنى عبارتهم الدقيقة: النفقة الزوجية مبنية على "المعاوضة".
وهو تحديد قانوني رفيع، ولا يعني التأسيس المصالحي للعلاقة!
طيب يا حنابلة، بما أن النفقة بدلٌ ماليّ، وحددتم المبتدأ له، فلا بدّ كذلك من تحديد نقطة انتهاء له، حتى لا نقع فيما يفضي إلى للخصومة، فمتى تنتهي؟
قال الحنابلة: نعم، تنتهي النفقة عند انتهاء النقطة السابقة، يعني عند انتهاء (التمكين/ الاستمتاع)، اطراداً مع الحكم السابق.
اها قرّبنا :)
إذن هذا حكم النفقة.
وعليه فقد تقررت قاعدة، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا:
إذا وجد التمكين وجدت النفقة، وإذا عدم التمكين عدمت النفقة.
ثم فرَّع الفقهاء الكثير من المسائل التابعة: كسقوط النفقة بالنشوز، وبالطلاق البائن، وبقاء النفقة للمطلقة الرجعية لأنها في حكم الزوجة، وغيره.
ثم وقفوا عند الميّتة طويلاً.
فقالوا: هل هي زوجة؟
إن قلنا: نعم، لم يبح للزوج أن يتزوج رابعة بعدها مثلاً، والواقع أنه يجوز.
وإن قلنا: لا، فعليه قد سقط (التمكين) الذي هو شرط النفقة كما مر، وصارت (أشبه بالأجنبية).
واطرادًا من الحنابلة مع أصولهم، اختاروا القول الثاني، فسقطت النفقة.
ومن لازمه سقوط الكفن كذلك.
ووصلنا :)
والصحيح والراجح أن النكاح ينقطع بالموت لكن تبقى بعض آثاره، كجواز تغسيل الزوج لزوجته، فلا يقال إنه مسّ امرأة لا تحل له!
وقد ثبت ذلك في الأثر: "غسل علي فاطمة رضي الله عنها"، وعليه فإن الزوج يلزمه كفن زوجته، بناءً على بقاء هذه الآثار.
هنا فتوى الشيخ السعدي، وابن عثيمين، رحمهما الله.
وكما ترون: لم يعلل أصحاب القول الثاني القائلون بوجوب الكفن؛ بأنه من مكارم الأخلاق والمروءات إلا من باب الاستئناس بذلك، وإلا فعمدة قولهم هو بقاء بعض الأحكام كالميراث والعدّة، وبخاصة أحكام الجنائز كالتغسيل، فيقاس عليه ما شابهه كالتكفين ومؤونة التجهيز والحمل والدفن ونحوه.
آخر نقطة:
الذي عليه العمل الآن أن أكفان الموتى كلهم في البلد، واسألوا العاملين في مغاسل جامع الراجحي وغيره، إنما هي من أوقاف أهل الخير.
بل يقال أن رجل أعمال ذا جاه كبير لما توفّي مؤخرًا ما خرج من الدنيا حتى بخيطٍ، بل حتى كفنه كان تبرعًا عليه من تلك الأوقاف 💔
فكانت المسألة بعيدة التطبيق أصلاً في الواقع، ولم يرد بها إلا التشغيب على الفقه العظيم، وفقهائنا السادة الأجلّاء، فارتد هذا السهم على الجاهلين.
@AS14086 اللهم آمين، الله يرحم ضعفنا، جزاكم الله خيرًا.
@Ho__MM @OZN7FoBrsoBtvBP نعم القراءة داخل الإطار مهمة جدًا.
@shaam26625 إذا كانت نفقة الأم واجبة على ابنها، وتوفيت، فإن كفنها يلزمه بالاتفاق، لأن مبنى النفقة هنا ليس المعاوضة - كما في الزوجية - بل التبرع، أي الإحسان، وهذا لا ينقطع بالموت.
@mhaa0790 @Rattibha شكرًا مها، شكرًا رتّبها، ممتنة للجهد.
@shaam26625 هو قول مرجوح، والذين يقولون بأنه لا يجب على الزوج يجعلونه واجباً في مال الزوجة، فإن لم يكن لها مال فعلى من تجب عليه نفقتها قبل الزواج كالأب مثلاً.
@hsel12363 حسن ظنّ منكم، فتح الله علينا أجمعين.
الأصول علم جليل، ضابط للفروع وضابط للتفكير وضابط للغة وضابط للجدال، فلا عجب!

جاري تحميل الاقتراحات...