قبل الرابعة بقليل من فجر يوم 31 أغسطس عام 1888، توصل سائق إحدى العربات في لندن إلى اكتشاف مروع، وهو جثة ماري آن نيكولز، وذلك في إحدى حارات منطقة وايت تشابل. يشار إلى أن نيكولز كانت أول ضحية "معروفة" للقاتل المحترف، ربما الأكثر شهرة في العالم "جاك السفاح".
أما اليوم، تزخر شوارع وايت تشابل بالسائحين وطلبة الموضة والأزياء، ولكنها كانت في ذلك الحين حيا فقيرا، يتسم بالخطورة، وكان الكثيرون ممن يعيشون فيه يحصلون على قوت يومهم من خلال العمل باليومية في السوق، أو ممارسة الرذيلة.
وكانت منطقتا وايت تشابل وسبيتالفيلد القريبتان، موطنا لعدد كبير من المهاجرين، الألمان والهوجونوتيون والإيرلنديون واليهود، الذين فروا من وجه المذابح في أوروبا الشرقية.
كما كانت المنطقة متاهة من الحارات الضيقة والأفنية، حيث تمكن "جاك السفاح" من تنفيذ سلسلة من عمليات القتل الوحشية، "دون إزعاج"، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الألمانية.
وكان هناك الكثير من المشتبه بهم، ولكن لم يتم قط إزاحة الغموض عن خمس جرائم قتل كان من شبه المؤكد أنه ارتكبها.
وقامت السلطات بنشر المزيد من أفراد الشرطة للقيام بدوريات في الشوارع، وخضع مئات الاشخاص للاستجواب. إلا أن التحقيق لم يصل إلى شيء. وتم اكتشاف جريمة قتل جديدة في العاشر من نوفمبر.
وعُثِر على ماري كيلي مقتولة في فراشها، وقد انتزعت أعضاء من جسدها ووضعت على طاولة إلى جانبها.
وكانت الشرطة تجهل كل شيء، حيث أن التقنيات الحديثة لتبديد غموض الجرائم لم تكتشف إلا بعد سنوات طويلة لاحقة. وقد قام أفراد الشرطة أنفسهم بالتخلص من الأدلة المحتملة، والتي كانت تشمل كتابة من الممكن أن يكون القاتل قد تركها على جدار الحائط.
وأوردت الصحف جميع هذه التفاصيل البشعة، وأدانت الشرطة بسبب فشلها في عملها، ويعود السبب وراء ذلك، في جزء منه، إلى الانتقام، بسبب حقيقة أن الشرطة البريطانية (سكوتلاند يارد) رفضت الافصاح عن أي معلومات للصحافة.
وكان نهج القاتل واضحا في ارتكاب جرائمه، حيث أن معظم الضحايا كانوا في أواخر ثلاثينيات العمر، أو فوق الاربعين، وكانوا ممن سبق لهم العمل في مجال الرذيلة أو مازالوا يعملون به.
ونفذ الجاني جرائمه خلال عطلات نهاية الأسبوع أو العطلات الرسمية، وكان يقوم بذبح ضحاياه والتمثيل بجثثهم.
وربما لمح بعض المارة وجه القاتل في إحدى المرات: وكان ذلك مع الضحية الرابعة، إيدوز، التي شوهدت بصحبة رجل قبل عشر دقائق فقط من اكتشاف جثتها.
ووصف شاهد عيان القاتل لصحيفة "تايمز" البريطانية، حيث قال إنه يبلغ من العمر نحو 30 عاما، وكان طوله حوالي 175 سنتيمترا، كما كان ذو بشرة فاتحة، وله شارب أشقر قصير، ويرتدي وشاحا أحمر وقبعة.
وقد تلقت الشرطة مئات الاعترافات، بينها واحد من شخص أطلق على نفسه اسم "جاك السفاح".
وثمة شكوك كثيرة في أن يكون "جاك السفاح" هو القاتل الحقيقي، إلا أن اللقب كان يغذي خيال الصحفيين والمجرمين المُقلِدين والمحققين الهواة، ولايزال الامر كذلك حتى يومنا هذا.
وكان هناك كثير من المشتبه بهم، وبينهم عشاق سابقون ومجرمون يتمتعون بقدر جيد من المعرفة عن الاوضاع المحلية، وجزارون وأطباء وقابلات على دراية بعلم التشريح بالاضافة إلى ماسونيين ومهاجرين،وحفيد الملكة فيكتوريا وطبيبها، وحتى أناركي روسي زعم أنه كان يعمل جاسوسا لصالح الحكومة البريطانية.
وتصدر قاتل "إيست إند" (بحسب ما كان يعرف في ذلك الوقت) عناوين الصحف في أنحاء العالم. وفي غضون عدة أشهر، ظهرت أول رواية عن القاتل، الذي قدمت جرائمه موضوعا خصبا للعديد من الاعمال السينمائية والمسرحية لاحقا.
ومازالت هوية القاتل تجذب الكثيرين، حيث قالت الروائية الأميركية، باتريشيا كورنويل، خلال السنوات الأخيرة إن هناك أدلة على أن القاتل كان هو الفنان والتر سيكيرت، لكنها لم تفلح في إقناع كثيرين بتلك الرواية.
وفي كل يوم تقريبا، تقوم مجموعات من السائحين من جميع أنحاء العالم، بجولات في وايت تشابل، وكأنها تقتفي أثر القاتل الغامض.
جرى أخيرا حل لغز إحدى أكثر الجرائم غموضا عبر التاريخ، حيث تم الكشف عن هوية ”جاك السفاح “ الذي أثار الرعب بين نساء لندن سنة 1888.
وأكدت صحيفة ”دايلي ميل“ أن السفاح الذي قتل خمس نساء في شوارع لندن خريف 1888 بكل وحشية هو مهاجر بولوني كان يدعى ”هارون كوسمينسكي“.
وتستند الصحيفة إلى الأبحاث التي قام بها رجل الأعمال البريطاني ”روسيل ادواردز“، حيث لجأ إلى خدمات خبير محلف في الجينات ومتعاون مع الأنتربول؛ لتحليل أثار عينتين من الجينات وجدتا على منديل إحدى الضحايا.
ويحكي ”روسيل“ انه رأى المنديل المدرج بالدماء أول مرة في آذار 2007 معروضا للبيع في المزاد، واشتهر المنديل بأنه وجد إلى جانب إحدى ضحايا ”جاك السفاح“ وكانت تدعى ”كاترين ادويز“، وأكد له مالك المنديل هذه المعلومة، وهو حفيد أحد رجال الشرطة الذين تواجدوا في مكان الجريمة.
وأضاف الحفيد أن جده ”اموس سيمبسون“ أخذ قطعة الثوب ذات اللونين البني والأزرق ليعطيها لزوجته الخياطة، لكنها بقيت مهملة حتى دون أن تغسل، وانتقلت من جيل إلى آخر.
فعاد المحقق الهاوي إلى شخصيات المتهمين الستة، ولفت انتباهه اليهودي البولوني“هارون كوسمينسكي“ الذي فر من النظام الروسي سنة 1880 واستقر مع عائلته في لندن، حيث يدل سجل استقباله سنة 1990إنه حلاق مقيم في ”وايت تشابل“.
وتبين له من خلال الوثائق أنه كان شخصا غير طبيعي :“من المؤكد أنه كان مصابا بمرض نفسي خطير،في الغالب انفصام في الشخصية أو بارانويا ، وكان يعاني من هلاوس سمعية وبصرية“.
وصرح“ الان ماكورماك“ المسؤول عن المتحف الذي خصصته سكوتلانديارد لجرائم ”جاك السفاح ”، أن الشرطة لم تكن تتوفر على الأدلة الكافية لإدانة ”كوسمينسكي“ ، لذا احتفظت به تحت المراقبة 24 ساعة قبل أن تودعه في مستشفى للمرضى النفسيين إلى أن توفي.
وتمكن الخبير ”جاري لوهيلينن“ بواسطة كاميرا الأشعة تحت الحمراء من اكتشاف آثار مني على المنديل، وبعض خلايا الكلي التي تعود للضحية، وتأكد من ذلك بفضل مساعدة إحدى حفيداتها.
كما سمحت إحدى حفيدات أخت ”كوسمينسكي“ بأخذ عينة من جيناتها لكشف هوية ”جاك السفاح“.
وعلق ”روسيل “ بعد اكتشافه الخطير: ”أنا منبهر لأنني تمكنت من حل اللغز بعد 126 عاما“.
وبكذا أنتهى الثريد والله يعطيكم العافيه وأتمنى استمتعوا ودعمكم لي يحفزني ويخليني أقدم محتوى افضل.
جاري تحميل الاقتراحات...