مشعل الشمري
مشعل الشمري

@mshal_Alshamari

35 تغريدة 7 قراءة Aug 28, 2019
بيكون تحت هذه التغريدة "ثريد" عن أشد أحزان الرسول صلى الله عليه وسلم وموقفه بعد وفاة عمه أبي طالب
١
إن وفاة ابي طالب عم الرسول صلى الله عليه هي أشد المواقف حزناً في حياته
كانت هذه هي مشاعره صلى الله عليه وسلم مع قومٍ كذَّبوه وظاهروا عليه، فكيف بمشاعره مع أحد أقرب الناس إليه، ومع رجلٍ ضحَّى كثيرًا من أجله،
٢
ولم تكن علاقته به علاقة رجلٍ بعمِّه، إنَّما كانت علاقة ابن بارٍّ بوالدِ رحيم؛ فأبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة الجدِّ عبد المطلب،
٣
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ عندها ثماني سنوات فقط؛ فهذه العلاقة الحميميَّة بينهما دامت دهرًا طويلًا زاد على أربعين سنة!
كانت أزمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة كبيرةً للغاية؛
٤
فهو لم يخرج من حصار الشِّعْب إلَّا منذ ستَّة أو سبعة أشهر، وهذه الشهور الفائتة قضاها في حواراتٍ طويلةٍ لم تُؤَدِّ إلى أيِّ تقدُّمٍ في العلاقات مع قادة مكة، والموقف السياسي والاجتماعي متأزِّمٌ للغاية،
٥
ثُمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حزينًا بسبب مرض أبي طالب وتدهور صحَّته، وهو له بمنزلة الوالد الشفوق، وكان يتألَّم لألمه، ويحزن لحزنه، وكان يُدرك مدى القلق الذي في قلب عمِّه عليه؛ لكنَّه لا يملك شيئًا يُطمئنه به،
٦
كلُّ هذا وَضَع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في حالةٍ كبيرةٍ من الحزن والأسى؛ غير أنَّ أشدَّ ما كان يُحْزِن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنَّ عمَّه أبا طالب إلى هذه اللحظة لم يأخذ أيَّ خطوةٍ إيجابيَّةٍ في طريق الإسلام،
٧
وكان طَوَال حياته مصرًّا على البقاء على دين الآباء، وهو الوثنيَّة، على الرغم من الدعوة المتكرِّرة للإسلام، التي يُقَدِّمها له سيد الدعاة، وخير المرسلين، ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم!
هذا ما كان يُدْمي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم!
٨
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألَّم لبقاء المشركين على شركهم مع أنَّهم يُؤذونه ويسخرون منه، ويتعدَّوْن عليه؛ حتى قال له الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: 88]. وكرَّر له هذا الأمر في آياتٍ متعدِّدة[1]، وكان الأمر من الله ألَّا يحزن «عليهم»، وليس «منهم»؛
٩
فإنَّ الشغل الشاغل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان المصير المظلم الذي يسير إليه المشركون ولم يكن مشغولًا بالأذى الذي يقع عليه أو على أصحابه فاستنقاذ واحد من المشركين من النار كان أغلى عنده من الدنيا وما فيها وما أروع كلماته وهو يُصوِّر موقفه مع قومه هذا التصوير الرفيق الرقيق،
١٠
عن أبي موسى، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ،
١١
فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ،
١٢
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ»
رواه البخاري.
١٣
كانت هذه هي مشاعره صلى الله عليه وسلم مع قومٍ كذَّبوه وظاهروا عليه، فكيف بمشاعره مع أحد أقرب الناس إليه، ومع رجلٍ ضحَّى كثيرًا من أجله، ولم تكن علاقته به علاقة رجلٍ بعمِّه، إنَّما كانت علاقة ابن بارٍّ بوالدٍ رحيم؛
١٤
فأبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة الجدِّ عبد المطلب، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ عندها ثماني سنوات فقط؛ فهذه العلاقة الحميميَّة بينهما دامت دهرًا طويلًا زاد على أربعين سنة
١٥
وبعد كلِّ هذا الحبِّ والقرب لم تدخل كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم المقنعة والصادقة إلى قلب أبي طالب، أو دخلت؛ ولكنَّه ما زال متردِّدًا هذا التردُّد العجيب بين نداء العقل والحكمة؛ الذي يُكَرِّره على مسامعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم،
١٦
وبين نداء التقاليد الذي يدفعه إليه الشيطان، ويطمس به عينه عن رؤية الحقيقة الجليَّة،
١٧
ثُمَّ جاءت لحظة الموت بما فيها!
عَلِمَ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسرع مُتلهِّفًا إلى دار عمِّه الحبيب، وكلُّه أملٌ أن يستجيب عمُّه لدعوته في لحظاته الأخيرة في الدنيا، فيكون سببًا لتحويل مساره من النار إلى الجنَّة!
١٨
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي عَلِم باقتراب لحظة موت أبي طالب، إنَّما علم بذلك -أيضًا- شيطان مكة أبو جهل!
وعند رأس أبي طالب كان اللقاء جامعًا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدوِّ الإسلام الأكبر أبي جهل!
١٩
عن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
٢٠
«أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟
٢١
فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ:
٢٢
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113][5]،
٢٣
وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]،
٢٤
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمِّهِ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ. يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ. لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ.
٢٥
فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]
هكذا كانت النهاية المأسويَّة حقًّا للقصَّة!
٢٦
أحسب أنَّ هذا هو أشدُّ المواقف حزنًا في حياته صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم فَقَد في حياته الكثير من الأحباب؛ لقد فَقَد بعض زوجاته كخديجة رضي الله عنها - وزينب بنت خزيمةرضي الله عنها، وفَقَد في حياته كلَّ أبنائه إلَّافاطمة رضي الله عنها،
٢٧
وفَقَد من الأصحاب الكثير كحمزة بن عبد المطلب، وأبي سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهم من كرام الصحابة رضي الله عنهم جميعًا،
٢٨
ومع كلِّ ذلك فمصيبة موت أبي طالب كانت أكبر من كلِّ هذه المصائب! ذلك أنَّه مات على الكفر وهم قد ماتوا على الإيمان، وسوف يلقى الرسولُ صلى الله عليه وسلم أصحابَه وأحبابَه المؤمنين بعد موتهم على حوضه وفي الجنَّة، أمَّا أبو طالب ففراقه بلا لقاء!
٢٩
لقد جاء الموقف على هذه الصورة المؤسفة ليُثْبِت لنا الله عزَّ وجل أنَّ الأمور كلَّها بيده، وأنَّه يعرف ما لا نعرف، ويطَّلع على ما لا نطَّلع عليه، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فيُدرك -سبحانه- مَن المستحِقُّ للهداية فيهديه، ومَن الذي نأى بقلبه عنها فيرديه،
٣٠
وليست العبرة أبدًا بظواهر الأشياء؛ إنما العبرة بالبواطن، وهذه لا يراها الناس أبدًا؛ ومن ثَمَّ فحُكْمُهم دومًا قاصر، وحُكْمُه -سبحانه- تامٌّ
٣١
إنَّ قريشًا لم تتزيَّن قطُّ بالرفق أو المواساة بعد مصيبة موت كبير بني هاشم؛ بل إنَّها أظهرت الشماتة والسرور لهذه المصيبة، واجتمع رءوس الكفر والضلال سعداء؛ فقد جاءت فرصتهم لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صار الآن -في رؤيتهم- دون حماية؛
٣٢
فعن عائشةرضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةً[10] حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ»
٣٣
ختاماً
أسأل الله أن يهدينا جميعاً إلى الصراط المستقيم وأن يرينا الحق حقاًويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه،
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
@Rattibha "رتب"

جاري تحميل الاقتراحات...