بيكون تحت هذه التغريدة ثريد عن لحظة خروج الروح من الجسد.
- فاعتبروا يا أولي الأبصار
- فاعتبروا يا أولي الأبصار
إن الموت مصيبة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ( فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ) ومصيبة الموت لا بد أن تنزل بكل واحد، وهي كأس لا بد أن يتجرعها كل أحد
قال الله تعالى: ( حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ) أي: احتُضر وحان أجله، جاءت رسلنا ملائكة الله الموكلين بذلك، قال ابن عباس: "لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم"
( وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ) أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها، وينزلونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين
( ومنْ أَظْلمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ ولمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سأُنزِلُ مِثْلَ ما أنَزلَ اللّهُ وَلَوْ ترَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غمرَاتِ الموتِ وَالْمَلآئِكَةُ باسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أخْرِجُواْ أنفُسَكُمُ ) إنها لحظة هائلة!
( أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ) أمر من الملائكة، أخرج نفسك، أخرج روحك، ( وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ )
قال ابن كثير رحمه الله: ( ولو ترى إِذِ الظالِمونَ فِي غمَراتِ الْموْتِ ) أي: في سكراته وغمراته وكرباته، ( والملآئِكَةُ باسِطُواْ أَيْدِيهِمْ) أي: بالضرب، الملائكة تبسط أيديها بالضرب، ولهذا قال الله: ( والملآئِكَةُ باسِطُواْ أَيْدِيهِم ) أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم
ولهذا يقولون لهم:( أخْرِجُواْ أنفسَكُمُ ) فلماذا تضربهم الملائكة؟ ما هي العلة من وراء هذا الضرب؟ قال رحمه الله:"وذلك أن الكافر إذا احتضر بشَّرته الملائكة بالعذاب والنكال،والأغلال والسلاسل،والجحيم والحميم،وغضب الرحمن الرحيم،فتتفرق روحه في جسده" من ذعره وخوفه،من هول المنظر الذي رآه
منظر ملائكة العذاب، ثم هذه البشارة الشنيعة بهذه الألوان من العذاب تتفرق روحه في جسده، وتعصى، وتأبى الخروج، الروح تستعصي، وتأبى الخروج؛ لأنها تعرف إلى أين ستخرج، منظر فظيع، منظر ملائكة العذاب وحده يكفي، ثم البشارة بأنواع العذاب تستعصي الروح عن الخروج، وتتفرق في الجسد
فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم رغماً عنهم قائلين لهم: ( أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) أي: اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله.
وقال الله تعالى في سورة الأنفال: ( ولوْ ترى إِذْ يتوفَّى الذين كفروا الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدْبارهُمْ وذُوقُواْ عذابَ الحَرِيقِ ) يضربون الوجه والدبر، الضرب من الأمام والخلف، ضرباً شديداً مؤلماً، لتخرج الأرواح من الأجساد قهراً، هكذا تخرج أرواحهم من أجسادهم قهراً
وذلك إذا بشروهم بالعذاب والغضب.
عند خروج الروح لا تنفع التوبة: ( ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً )
هنا وصف دقيق لحال الكافرين أو المفرطين إذا نزل بهم الموت قال تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
فيخبرنا تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمره سبحانه، أو المفرطين أصحاب الفسق، أصحاب الفجور، أصحاب الأفلام الإباحية، أصحاب الدياثة الذين لا غيرة لهم، أو المفرطين المقصرين في الواجبات والعبادات، أو المفرطين بأنواع المعاصي والآثام
يخبرنا الله عن هـٰؤلاء المفرطين في أمره سبحانه، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ( رَبِّ ارْجِعُونِ ) ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، فلا يجاب عند الاحتضار، لا يجاب: ( كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
وقال الله عز وجل في سورة ق: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ )، وهذا الخطاب على الصحيح للإنسان أياً كان؛ ولذلك لما ثقل أبو بكر رضي الله عنه جاءت عائشة رضي الله عنها، فتمثلت ببيت من الشعر وهي ترى أباها في سكرات الموت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى *** إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فكشف وجهه وقال رضي الله عنه: ليس كذلك، ولكن قولي: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ )
فكشف وجهه وقال رضي الله عنه: ليس كذلك، ولكن قولي: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ )
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: "أنه لما تغشاه الموت جعل يدخل يديه في الماء فيسمح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات "
وقال الله تعالى في سورة الواقعة: ( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ )، ( أَقْرَبُ إِلَيْهِ ) إلى الميت، مِنكُمْ يا أولاده ويا أهله، ويا أحبابه ويا أطباءه
( وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ) لو أبصروا الملائكة لماتوا من الرعب،
قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى: ( فلَوْلَا إِذَا بلَغَتِ ) أي: الروح، ( الحُلْقُومَ ) أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ( كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وقيل مَنْ راقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتفَّتِ الساقُ بِالساقِ * إِلَى رَبكَ يوْمئِذٍ المساقُ )
قال تعالى : ( وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ )، فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم -لأنها تسحب من الأسفل إلى الأعلى- غرغر، فإذا غرغر انقطعت التوبة، ولا يستطيع، ولا يمَكَّن من أن يتوب، ولو تاب ما قبلت توبته.
فماذا يحدث عند نزول الموت؟ يندم المفرط على تفريطه، ويتمنى الرجعة إلى الدنيا، ولو شيئاً يسيراً ليستعتب، ويستدرك ما فات، وهيهات؛ فلا يمكن الرجوع!
( كلَّا إذا بلغَتْ التَّراقيَ ) أي: هذه الروح تبلغ الترقوة العظام المجتمعة حول العنق التي بين ثغرة النحر والعاتق، ( وقيلَ مَنْ راقٍ ) هاتوا الأطباء، هاتوا الطبيب، هاتوا الراقي، ( وظنَّ أنَّهُ الفِراق ) أيقن بالموت، ( والْتفَّتِ الساقُ بِالساقِ ) هذا من ألم الموت والنزع، هكذا يحدث
إن الموت له شدة، وله رهبة، وله ألم شديد، وهذا معنى السكرات، سكرات تسكر من الألم، قال ﷺ: ( الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيبة، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فما يزال يقال لها ذلك حتى تخرج )
إذن الكلام بالبشارة مستمر طيلة خروج الروح، من وقت ابتداء خروج الروح إلى الانتهاء والبشارة تعمل من الملائكة، أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان
وإذا كان الرجل سيء العمل قالت له الملائكة: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج
وكذلك فقد ثبت في السنة أن العبد المؤمن يستبشر عند نزول الموت، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، قال: فأكب القوم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟
فقالوا: إنا نكره الموت" فمعنى ذلك: أننا لا ندخل في هذا، "قال: ليس ذلك " ليس هو الذي تقولون، (ولكنه إذا حضر) يعني: كل واحد يكره الموت وليس عيباً كراهية الموت، و لكن إذا حضر الموت المؤمن فرح
( فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ )، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله، والله للقائه أحب، ( وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ) يكره لقاء الله، والله للقائه أكره
ولما نزل الموت بالنبي ﷺ جعل يدخل يده في الإناء، ثم يمسح وجهه ويقول: "اللهم أعني على سكرات الموت" ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) السكرة شدة الموت الذاهبة بالعقل، وقوله: اللهم أعني على سكرات الموت، أعني على دفعها، وسكرات الموت وغمراته هي شدائده
ولا تنافي بين نزول الشدائد في أول الموت، وبين الفرح الذي يكون عند خروج الروح، فإنه يشدد عليه عند الاحتضار لتكفير الخطايا، ثم بعد ذلك إذا بدأ خروج الروح جاءت البشارات من الملائكة
ولذلك: "إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"
هكذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في شرح الحديث، إذاً عند ارتفاع الأجفان إلى فوق، وتحديد النظر والحشرجة، وهي الصوت الذي يتردد في النفس في الصدر عند خروج الروح، وتشنج الأصابع -يعني: قبض الأصابع-، فعند ذلك للمؤمن بشارات وفرح عظيم
قال صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ من الآخرة ، نزل إليه ملائكة من السماء ، بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد البصر ، ثم يجىء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه ... )
فيقول : أيتها النفس الطيبة وفي رواية : المطمئنة ، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ، قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ، فيأخذها ، وفي رواية : حتى إذا خرجت روحه صلی علیه گل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملكٍ في السماء ، وفتحت له أبواب السماء
ليس من أهلِ بابٍ إلا وهم يدْعُون الله أن يُعْرج بروحه من قِبَلِهِم ، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يدهِ طرفة عين حتى يأخذوها فيَجعلوها في ذلك الكَفَن ، وفي ذلك الحنُوطِ ، فذلك قوله تعالى : ( توفَّتْهُ رُسلُنَا وهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) ، ويخرجُ منها كأطيب نفحة مسك وجِدت على وجه الأرض
فيصعدون بها فلا يَمُرُّونَ – يعني – بها على مَلَأٍ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون : فلان ابن فلان – بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمونه بها في الدنيا ، حتى يَنْتهُوا بها إلى السماءِ الدنيا ، فيَسْتَفْتِحُونَ له ، فيُفْتَحُ لهم
فيُشيِّعُه من كلِ سماء مُقَرَّبُوها ، إلى السماءِ التي تلِيها ، حتى يُنْتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ . كتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ، فيُكتب كتابُه في عِلِّيِّينَ
ثم يقال : أعيدُوه إلى الأرض ، فإني وعدْتُهم أني منها خلقْتُهم ، وفيها أُعِيدُهم ومنها أُخْرِجُهم تارةً أخرى ، قال : فيُردُّ إلى الأرض ، و تُعاد روحه في جسده ، قال : فإنه يسمع خفْقَ نِعالِ أصحابِه إذا ولّوْا عنه مُدبِرين ، فيأْتِيه ملكان شديدا الانتهار فيَنْتهِرَانِه ، ويُجْلِسانه
فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ، فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولان له : وما [علمك]؟ فيقول : قرأت كتاب الله ، فآمنت به ، وصدّقت ، فينتهره فيقول : من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟
وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن ، فذلك حين يقول الله عز وجل، : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فينادي منادٍ في السماء : أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة
وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له بابا إلى الجنة ، قال : فيأتيه من رَوحِها وطيبها
ويفتح له في قبره مد بصري ، قال : ويأتيه - وفي رواية : يُمثُل له- رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح ،فيقول : أبشر بالذي يسُرُّك ، أبشر برضوان من الله ، وجناتٍ فيها نعيم مقيم ، هذا يومك الذي كنت تُوعد
ويفتح له في قبره مد بصري ، قال : ويأتيه - وفي رواية : يُمثُل له- رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح ،فيقول : أبشر بالذي يسُرُّك ، أبشر برضوان من الله ، وجناتٍ فيها نعيم مقيم ، هذا يومك الذي كنت تُوعد
فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير من أنت ؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير ، فيقول: أنا عملك الصالح فوالله ما علمتُك إلا كنت سريعا في طاعة الله ، بطيئا في معصية الله ، فجزاك الله خيرا
ثم يُفتح له باب من الجنة ، وباب من النار ، فقال : هذا منزلك لو عصيت الله ، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال : ربِّ عجل قيام الساعة
وإن العبد الكافر - وفي روايةٍ : الفاجر - إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ من الآخرة ، نزل إليه من السماءِ ملائكة غِلاظ شِداد ، سُود الوجوه ، معهم المُسُوحُ من النارِ ، فيجلسون منه مدَّ البصر ، ثم يَجِيءُ ملك الموت حتى يجلس عند رأسِه
فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرُجي إلى سخَطٍ من الله وغضب، قال : فتفَرَّق في جسده فيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الكثيرُ الشُّعبِ من الصُّوفِ المَبْلُولِ ، فتَقْطَعُ معها العروق والعصب ، فيَلْعَنه كلُّ ملكٍ بين السماء والأرض ، وكل ملكِ في السماء
وتُغلق أبواب السماء ، ليس من أهلِ بابٍ إلا وهم يَدْعُون الله أَلَّا تعْرُج روحه من قِبَلِهِمْ ، فيأخُذُها ، فإذا أخذها ، لم يَدَعُوها في يدِه طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح "لبس من النار" ، ويخرجُ منها كأَنْتَنِ ريح جِيفَةٍ وُجِدت على وجه الأرض ، فيصْعَدُون بها
فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخَبِيثُ ؟ فيقولونَ : فلانُ ابنُ فلانٍ – بأقبحِ أسمائه التي كان يُسمّى بها في الدنيا ، حتى يُنْتَهَي به إلى السماءِ الدنيا ، فيُسْتفْتحُ له ، فلا يُفْتَحُ له
ثم قرأ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}
فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السُّفلى ، ثم يقال : أعِيدُوا عبدي إلى الأرض فإني وعدْتُهم أني منها خلقْتُهم، وفيها أُعِيدُهم ، ومنها أُخْرِجُهم تارة أخرى، فتُطْرحُ روحه من السماءِ طَرْحًا حتى تَقَعَ في جسده
ثم قرأ : {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} فتُعادُ روحه فيزحسده ، قال: فإنه لَيَسْمع خفْقَ نعال أصحابه إذا ولّوا عنه ويأتِيه مَاكان شديدا الانتهار، فَيَنْتَهِرَانه، ويُجْلِسانِه
فيقولانِ له : من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري ، فيقولانِ له : مادينك؟ فيقول: ها هاه لا أدري ، فيقولانِ: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فلا يَهْتَدي لاسْمِه ، فيُقال: محمد! فيقول: هاه هاه لا أدري سمِعْتُ الناس يقولون ذاك ! : فيُقال : لا درَيْتَ ، ولا تلَوْتَ
فيُنادي مُنادٍ من السماء أن : كذب ، فأَفْرِشُوا له من النار ، وافْتحوا له بابًا إلى النار ، فيَأْتيه من حرّها وسَمُومها ، ويُضيَّق عليه قبره حتى تخْتلِف فيه أضلاعه ، ويأْتيه وفي روايةٍ : ويُمثَّلُ له رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، مُنْتِن الريح
فيقول : أبشر بالذي يسُوؤُك ، هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول: وأنت فبشرك الله بالشر من أنت ؟ فوجهُك الوجهُ يَجِيءُ بالشر ! فيقول : أنا عملُك الخبيث ، فواللهِ ما علِمْتُ إلا كنتُ بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصيةِ الله، فجزاك الله شرًّا
ثم يُقيَّضُ له أعمى أصم أبكم في يدِه مِرْزَبّةٌ ! لو ضُرِب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربةً حتى يصيرَ بها ترابًا، ثم يُعيده الله كما كان، فيضربه ضربةً أخرى ، فيَصيح صيحةً يسْمعه كل شيء إلا الثقلين ، ثم يُفتح له باب من النار ، ويُمهَّد من فُرُش النار ، فيقول: ربِّ لا تُقم الساعة ).
ليس الغريب غريب الشام واليمن
إن الغريب غريب اللحد والكفن
كأنني بين تلك الأهل منطرحاً
على الفراش وأيديهم تقلبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني
ولم أر الطب هذا اليوم ينفعن
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها
من كل عرق بلا رفق ولا هون
واستخرج الروح مني في تغرغرها
وصار في الحلق مراً حين غرغرني
إن الغريب غريب اللحد والكفن
كأنني بين تلك الأهل منطرحاً
على الفراش وأيديهم تقلبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني
ولم أر الطب هذا اليوم ينفعن
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها
من كل عرق بلا رفق ولا هون
واستخرج الروح مني في تغرغرها
وصار في الحلق مراً حين غرغرني
هذا الكلام كله يا أصدقاء يحدث ونحن لا نراه، ولا نشعر به، كله يحدث حتى لو أصيب بسكتة مفاجئة، ومات أمامنا في لحظة، لكن كل هذه الآلام، وهذه المشاهد موجودة حاضرة يقينية؛ لأننا أخبرنا عنها بالوحي من عالم الغيب أنباء قصها الله علينا، قصها الله علينا لنعتبر
اللهم إنا نسألك أن تهون علينا الموت وسكراته، و نعوذ بك من ميتة السوء اللهم اجعل خروجنا من هذه الدنيا على شهادة التوحيد، اللهم اجعلنا ممن تبشرهم الملائكة بالروح والريحان، ورب راضٍ غير غضبان?
تمّت.
تمّت.
جاري تحميل الاقتراحات...