دلهام
دلهام

@septm15

32 تغريدة 14 قراءة Jan 05, 2020
الفكر الغربي فِكْر إنساني، خرج من العقل الإنساني بإملاء من نظرات إنسانيَّة في واقعٍ إنساني، وفي ظلِّ مؤثِّرَات بيئيَّة إنسانيَّة، فهو -لهذا- ليس فكرًا ملائكيًّا، ولا شيطانيًّا؛ فالغرب ليس هذا أو ذاك. وكما نجد في الغرب فكرًا محافظًا نجد في المقابل فكرًا منفتحًا
وفي مقابل المذاهب الكلاسيكيَّة التقليديَّة نجد المذاهب الرومانسيَّة، ويكاد يكون لكلِّ مذهبٍ نشأ في الغرب نقيض في مذهبٍ آخر نشأ في عصره أو في عصرٍ تالٍ له، والقارئ في تاريخ الفلسفة الغربيَّة يلمس هذا بوضوحٍ شديد، إلى الحدِّ الذي حلا لبعض راصدي هذا التاريخ أن يُدرجوه في شكل مقارنات
وفي سياق الحديث عن التعايش الإنساني، والمشترك بين الشعوب، سنجد في الغرب فكرًا إنسانيًّا رحبًا فسيحًا يقبل بالآخر، ويُطَالِب بالتعايش معه، وينظر إليه بعين الإنسانيَّة الواسعة
كما سنجد -أيضًا- فكرًا تصادميًّا عنيفًا، يرى في ذاته الشخصيَّة البشريَّة المثاليَّة، وفي حضارته الحضارة الوحيدة الأرقى والأفضل؛ ومنثَمَّ يتوصَّل إلى أن يُبَرِّرَ تصادمه مع الآخرين، فيلتمس لرغبته هذه ثوبًا شرعيًّا، يجعل الصدام من طبيعة البشر، أو من طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب.
يمتاز الفكر الإنساني بأنَّه كيانٌ متطوِّرٌ تبعًا لاختلافات الزمان والمكان والجنس، وإنَّ أكبر دليلٍ يُؤَكِّد على هذه الوجهة هو التاريخ؛ فالتاريخ بوتقةٌ كبيرةٌ تحوي في طيَّاتها أوضاع الإنسان الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والفكريَّة، وغيرها من الأوضاع الإنسانيَّة.
وإنَّنا لو أردنا أن نستقصي المشتركات الإنسانيَّة في الفكر الأوروبي المعاصر دون ربط هذا الفكر بجذوره وأصوله لأحدثنا قطيعةً من شأنها أن تُغَيِّب عنَّا بعض الحقائق المهمَّة؛ تلك التي تُغَيِّب بدورها الصورة العامَّة للمشترك الإنساني في الفكر الأوروبِّي المعاصر.
إنَّ تاريخ الفكر -أيًّا كان هذا الفكر- هو قصَّة الدورة الحضاريَّة من نشوءٍ وارتقاء وتدهور وسقوط، وبالأحرى ضياع وغفوة، فاستيقاظ فتثاؤب فتململ، فنهوض فتوثُّب، فانعطاف نحو اتجاهٍ جديد، فانطلاق في مسارب جديدة، والاندماج والذوبان في مجرى يشقُّه سيلٌ أشدُّ قوَّة، وأغزر دفقًا.
ولقد كان النزوع إلى الإنسان والإنسانيَّة وقضيَّة المشترك في الفكر الأوروبِّي ناتجًا من عدَّة عوامل تاريخيَّة وثقافيَّة واقتصاديَّة؛ تمثَّلت هذه العوامل في الحروب الصليبيَّة، تلك التي كانت بمثابة الصدمة الحضاريَّة لكافَّة الأوروبيِّين
فضلًا عن نموِّ المدن وبروز الدول الغربيَّة البيروقراطيَّة الأولى؛ ففي هذا القرن تألَّقَ الفنُّ الرومانيُّ، وبدأ الفنُّ الغوطي، وبرزت الآداب العامَّة، وتجدَّدت الكلاسيكيَّات اللاتينيَّة والشعر اللاتيني، والقانون الروماني
واكتُشِفَت العلوم اليونانيَّة والفلسفيَّة وإغناء العرب لها، كما ظهرت الجامعات الأوروبيَّة الأولى؛ ومن ثمَّ ترك القرن الثاني عشر أثرَه على التربية والأنظمة التشريعيَّة الأوروبيَّة، والمعمار والنحت، والدراما الدينيَّة والشعر اللاتيني والعامي.
ولذلك عَرَفت أوروبَّا ثلاث نهضات في تاريخها الوسيط -النهضة الفكريَّة التي تلتها نهضةٌ عمليَّةٌ في مجال التمدُّن والتقدُّم الصناعي- فالنهضة الأولى: كانت في القرنين الثامن والتاسع الميلاديَّين واهتمَّت -في فرنسا خاصة- بتحسين أوضاع الكتابة والخطِّ والتعليم.
والثانية: نهضة القرن الثاني عشر، والثالث عشر الناتجة عن التأثير الحضاري الإسلامي، وظهور فلاسفة أوروبيِّين تَبَنَّوا فكر ابن رشد ونُسبوا إليه، وغيرهم من المفكرين المسلمين.
والثالثة: النهضة الأوروبيَّة في القرن الخامس عشر والسادس عشر وما تلاه.
يأتي مفهوم المصلحة المشتركة كمنطلق مهم وأساسي في التقاء الشعوب وتقاربها، فقد تتمثل المصلحة المشتركة في التبادل التجاري، أو التعاون السياسي، أو في سن قوانين دولية تتيح الالتقاء، أو حتى في الجوانب الفكرية الثقافية.. ولقد رأى مفكري أوروبا أن التعارف إنما يكون وفقًا للمصلحة المشتركة
وقد قسَّم فرانسيس بيكون (ت 1626م) الناس إلى ثلاثة أقسام؛ ليكون أفضلهم -من وجهة نظره- مَن يسعى لسيادة العالم، دون تقطيع للأواصر الإنسانيَّة، بمعنى مَن يستطع أن يكوِّن مصالح مشتركة مع الآخر.
وتحدَّث المفكر الإنجليزي توماس هوبز (ت 1679م) عن المصلحة المشتركة المترتِّبَة على اتفاق الناس لإقامة حكومات مركزيَّة؛ فهو يتناولُ المصلحة المشتركة داخل المجتمع الواحد
إذ يرى أنَّ الناس يكونون في حالتهم الطبيعيَّة متساوين، ويسعى كلٌّ منهم إلى المحافظة على ذاته على حساب الآخرين؛ بحيث تقوم بينهم حالة حربٍ للكلِّ ضدَّ الكل؛ ولكي يتخلَّص الناس من هذا الكابوس المزعج، يتجمَّعون سويًّا ويفوضون قدراتهم الخاصَّة لسلطةٍ مركزيَّة خاصَّة
وهو يُصَرِّح أنَّ هذا الاتفاق الذي يصلون إليه في نهاية المطاف إنَّما بُني على المصلحة المشتركة فقط.
ووجهة النظر هذه يُؤَكِّدها الفيلسوف الإنجليزي الشهير جون لوك (ت 1704م) من خلال تفسيره لتطوُّر المجتمع الأوَّل، والحكومة المدنيَّة الأولى.
الفيلسوف سبينوزا (ت 1677م) يؤكد على أهميَّة المصلحة المشتركة وعلى النتائج المترتِّبة على تحقيقها في العالم كلِّه، بقوله: "ولكن حاجة الناس بعضهم لبعض استدعت تبادل المساعدة فيما بينهم؛ وهذا أدَّى إلى استبدال الحالة الطبيعية -التي كانت السيادة فيها للقوَّة- إلى حياة المجتمع".
يقول رونالد سترومبرج في كتابه (تاريخ الفكر الأوروبي الحديث) عن نظرة الفلاسفة لذلك العصر، ودور العلم في تكوين هذه النظرة باعتباره مشتركًا ثقافيًّا التفَّ الأوربيون حوله، وتمكنوا من التعارف على بعضهم من خلاله.
وكان من الطبيعي أن نجدَ نظريَّة المشترك الإنساني بمختلف محاورها في فكر هؤلاء ومؤلَّفاتهم، صحيحٌ أنَّنا لا نستطيع أن نستقصيها بكافَّة محاورها وأعمدتها، لكنَّنا نجد في فكر هؤلاء ما يُعَضِّد وجهة نظرنا في طبيعة المشترك الإنساني وضرورة الالتقاء حوله.
هذا الفكر ذاته لم يخلُ من مفكرين -وما أكثرهم- آمنوا بالتصادميَّة والتشاؤميَّة؛ بل كانت فلسفاتهم إلهامًا لكثير من الساسة الذين آمنوا بهذه الأفكار والرؤى، وقد نفذت هذه الأفكار، وما هيجل ومِن خلفه ماركس وإنجلز، ومِن خلفهم لينين وستالين إلا مثالًا من الأمثلة الشاذة التي آمنت بالصدام.
وطبعًا ما من شعبٍ إلا والدين مسيطرٌ في نفسه، متملك من أعماقه؛ فالدين أمرٌ فطريٌّ يتحسسه كل إنسان واعٍ في أعماق نفسه؛ إذ كل منا لابد من أن يؤمن بإلهٍ يهديه ويرشده إلى الحق والصواب، وكل منا يسعى إلى قيمةٍ روحيّةٍ كبيرة، ومثل أعلى يتمسَّك به، ويستعصم بأهدابه من براثن الحياة والنفس
ولقد رآه الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (ت 1857م) العامل الأوَّل في توحيد الأفراد تحت مظلَّةٍ واحدةٍ بقوله: "الدين خاصيَّة النوع الإنساني، وتعريفه: إنَّه المبدأ الأكبر الموحِّد لجميع قوى الفرد ولجميع الأفراد فيما بينهم؛ وذلك بنصب غايةٍ واحدةٍ لجميع الأفعال".
وقال فولتير (ت 1778م) عن أهميَّة الدين وضروريَّته لدى الشعوب: "إنَّه لو لم يكن يوجد إلهٌ لوجب علينا أن نبتدعه".
وبطبيعة الحال فقد كان يعارض بشدَّة مسيحيَّة المؤسَّسة الدينيَّة الرسميَّة؛ لكنَّه كان يُؤمن بوجود قوَّة خارقة للطبيعة، يُحقِّق الناس غاياتها لو أنَّهم عاشوا حياة خيِّرة
ومن هنا فقد ألمح الأوروبيون إلى أهميَّة الدين –على الرغم من ضعف المؤسسة الدينية الآن- ليس لكونه المصدر الذي يستقي الإنسان منه قيمه الروحية ومثله العليا فقط، بل لكونه رمزًا أساسيًّا مُوَحِّدًا للأقطار الأوروبية، والأمثلة الواقعية تؤيد هذا.

جاري تحميل الاقتراحات...