الدراسات الدينية R.S
الدراسات الدينية R.S

@ayedh_RS

18 تغريدة 132 قراءة Aug 28, 2019
1-بعض الملاحظات التي يُمكن تسجيلها عن المدرسة الحنفية-الماتريدية، من خلال دراسة المتون الاعتقادية للحنفيةفي القرون المتقدمة، ومن خلال تراجم وتاريخ المذهب العقدي، ما يلي:
2-لقد ظلت معرفة الماتريدي في دائرة محدودة من الأحناف، وخصوصًا أحناف سمرقند، وظل تراث الماتريدي وشخصه شبه مجهولٍ عند عامة المذاهب والأحناف خصوصًا، وكان معظمهم ينتمي إلى مدارس مختلفة: (التقليدية، المعتزلة، الكرامية، الجهمية)، وكانوا يُخالفون الماتريدي في أمور عقدية ومنهجية كثيرة.
3-وكان كثير من التراث الحنفي المتقدم، في القرنين الرابع والخامس الهجريـين، أقرب إلى التراث التقليدي البسيط منه إلى تراث الكلامي، بحيث يمكن اعتبار تراث الماتريدي الكلامي قفزة نوعية مبكرة داخل الوسط السني الحنفي، سبق في هذا السياق الكلامي مؤسس المدرسة الأشعرية.
4-ومن الملاحظ أنه في منتصف ونهاية القرن الخامس الهجري، بدأ تتسع دائرة الأحناف الذين يتبنون طرح الماتريدي، ووجدت الحاجة حينها لتهذيب تراثه وتيسيره للحنفية، وكان أبرز وأهم كتابٍ سعى لتحقيق ذلك هو كتاب "أصول الدين" للبزدوي، الذي حاول تلافى التعقيد والانغلاق في أسلوب كتاب التوحيد.
5- ويعتبر القرن السادس الهجري هو القرن الذهبي لعلماء المدرسة الماتريدية، حيث كُتِبَ معظم تراثهم المهم في ذلك القرن، وكان كتاب "تبصرة الأدلة في أصول الدين" لأبي المعين ميمون النسفي هو أهم كتاب في المدرسة الماتريدي، بعد كتاب المؤسس، وتجاوز كتاب البزدوي، وأصبح نقطة فارقة في التاريخ.
6-ويكاد يكون مُعظم علماء الماتريدية الذين أتوا بعده عالة عليه، حيث اقتصر دورهم على اختصاره و تهذيـبه، وأصبح الأحناف بعده أكثر تقبلاً لأفكار الماتريدي وآرائه، وشُرحت المتون التقليدية المتقدمة في ضوء كتاب التبصرة ثم التوحيد. واستطاعت المدرسة الكلامية أن تطغى على المدرسة التقليدية.
7-حصل تطور كبير في لدى الأحناف السنيين بسبب مدرسة الماتريدي، فالمدرسة الحنفية التقليدية كانت ترفض المنهج الكلامي في العقيدة. ولذلك وجد أتباع أبي منصور أن أول مهمة لهم في كتبهم العقدية هي أن يناقشوا مشروعية علم الكلام، وأنه مشروع، وكان هدفهم البارز تغيير قناعة الأحناف في بيئتهم.
8-والمدرسة الماتريدية التي كانت غامضة أو مجهولة بالنسبة إلى عامة الفرق الإسلامية حتى القرن الخامس وبداية السادس - فكانت المعتزلة تنسبهم إلى الكُلابية، أما الأشعرية فكانت تنسبهم إلى المعتزلة أو "الزابراشائية"- بدأت تتبلور وتُعرف من الآخرين، كمدرسة تتبع آراء أبي منصور الماتريدي.
9-ولم يستخدم أتباع الماتريدي اسم الماتريدية لوصف أنفسهم، بل كانوا يصفون أنفسهم بـ: أهل السنة، أهل السنة والجماعة، أهل الحق. ولم يصفهم لاحقًا بالماتريدية إلا المعتزلة، والسبب كما يقول ذلك أحد الأحناف- هو قوة حجة أبي منصور الماتريدي وحنق المعتزلة منه ومن قوة أتباعه عليهم.
10-وكان المذهب الماتريدي قبل القرن السابع يكاد يكون محصورًا في بلاد ما وراء النهر، ولم يتسرب إلى الشرق إلا في حالات قليلة. لكن المرحلة الفاصلة كانت في مطلع القرن السابع حين هجم المغول على الشرق، فهاجر كثير من الأحناف بأهليهم وتراثهم إلى العراق والشام مصر، كما ذكره الكفوي وغيره.
11-واستوطنوا هناك، ومباشرة اندمجوا في المدارس الفقهية الحنفية، ودرسوا الفقه وعلم الكلام، وألفوا كتبًا جديدة. لكن أهم ملمح للماتريدية هو وقوف معظم مؤلفاتهم عند تقليد كتاب التوحيد والتبصرة، ولم يخرجوا كتابًا تجديدية أو تطويرية كما فعلت الأشعرية، فالماتريدية ظلت متابعة بوفاء للأصل.
12-ثم حصلت قفزة نوعية للحنفية-الماتريدية، وذلك حين أسلمت القبائل التركية على يد الطرق الصوفية، التي كانت حنفية، فحصل التزواج الثلاثي، وصار بارزًا منذ القرن السادس:
-العقيدة: ماتريدية.
-المذهب الفقهي: حنفي.
- السلوك: الطرق الصوفية بأنواعها.
13-ثم اكتسب المذهب الحنفي-الماتريدي دفعة جديدة وقوية حين تبنت القوة الفتية الجديدة ذلك الوقت (=الدولة العثمانية) الماتريدية في الأصول والمذهب الحنفي في الفروع، وظل ذلك يتمدد بتمدد الدولة العثمانية، فحقق المذهب انتصارًا واضحًا في سعة التمدد والانتشار.
14-ومع مكاسب المذهب الحنفي-الماتريدي العظيمة بسبب التبني السياسي، وهذه مفارقة، إلا أن المذهب الكلامي، منذ القرن السابع، كان يشعر بنوع من التواضع والبساطة أمام المذهب الأشعري الذي تطور فلسفيًا بشكلٍ حاسم بالمقارنة بالماتريدية، وكان طلاب الماتريدية يقعون تحت بريقه وهيمنته.
15-وكان الدرس الحنفي-الماتريدي الكلامي ضعيفًا للغاية أمام الدرس الأشعري، وكانت المتون العقدية السائدة لدى الحنفية هي: النسفية ويقول العبد ونحوهما، ولذلك توجه أكثرهم نحو المتون الأشعرية، وكان سحر ووهج فكر فخر الدين الرازي طاغيًا ليس عليهم فقط بل على المدارس الأخرى، حتى غير السنية.
16-وبسبب الحاجة لوجود محققين في الفكر الماتريدي يشبعون الحاجة داخل المذهب، ويخففون من إغواء المذهب الأشعري، ظهر عمالقة أمثال: المحبوبي والأندُكاني، تركوا تراثًا محققًا عميقًا وقويًا، لسد تلك الحاجة. لكن لأسف لم يعر المذهب أهمية لذلك الجهد، ولم يطور منه ويبني عليه.
17-ولذلك، انتهى معظم الماتريدية إلى المختصرات والشرح والتهذيب، "redundancy and recycling"، والاهتمام بالمسائل الجزئية، والفروقات بين مذهبهم ومذهب الأشعرية. حتى كادت أن تتلاشى ملامح المذهب في الدرس العقدي الكلامي في دوائر العلم في أنحجاء كثيرة من العالم الإسلامي لطغيان الأشعرية.
18-ختامًا، لقد بدأ المذهب بتراث الماتريدي بداية جبارة، ذلك التراث الكلامي الفلسفي الناضج والعميق في فترة متقدمة، يتجاوز بمراحل هائلة التراث المعروف لأبي الحسن الأشعري، ثم تم تتويجه بتراث وخدمات أبي المعين النسفي، إلا أنه بعد ذلك سلك خطًا في التراجع مما أثر عليه كثيرًا لاحقًا.

جاري تحميل الاقتراحات...