19 تغريدة 75 قراءة Aug 20, 2019
صباح الخير.
هل كان لديك حيوانًا أليفًا يومًا ما؟ هل تمنيت أن يكون لديك حيوانٌ أليف؟ هل على الأقل أحببتَ الحيوانات الأليفة يومًا ما؟
أما إجابتي شخصيًا على هذي الأسئلة؛ فهي:
لا، لا و لا.
حتى أتى اليوم الموعود .. وطِحت كلّي.
أنا رجلٌ أكره الحيوانات بكل أنواعها وأشكالها، وأكره القطط منها خصوصًا ولا أحب الإقتراب منها بخيرٍ أو شرّ.
حتى في الطفولة عندما كان السائد في المجتمع أذيّتها؛ لم أكن أقترب منها.
وكان لدينا تحت الدرج قطةٌ كبيرة، كأنها نمر.
أخاف منها كما يخاف اليهود من هتلر، ولو وقفت في طريقي يومًا ما وأنا نازلٌ من الدرج لألغيت مشواري كله وعُدت لشقتي خوفًا من مواجهتها.
لم تكتفي أم فارس بأنها تعيش أسفل درجنا، بل أتت بـ 4 صغار يستظلّون معها تحت الدرج ويؤنسون وحشتها وظُلمتها.
- أم فارس اسمٌ يطلق على أنثى النمر.
وعرفت هذه المعلومة البارحة وأحببت أن أدخلها في السياق بالقووووووة.
كانت إحدى أولئك الصغار منتفةً لا تكاد ترى منها شيء، جلدٌ على عظم، بلا فروْ.
هجرتها أمها وإخوتها في ليلةٍ سوداء، وبقيت هي تحت الدرج تصارع الحياة.
حنّ قلبي عليها وصرت آتيها بحليب وماء في كل صباح وأنا ذاهبٌ للعمل، ووصّيت عليها عامل المنزل وأن ينتبه لها من باقي القطط وأن لا تخرج من الباب.
لم تُكمل تلك القطة سنةً واحدة حتى أصبحت أجمل جميلات قطط الأرض، كانت بيضاء لا كدرٌ يشوبُ صفاؤها إلّا بقعةٌ سوداء تلفّ بطنها؛ تلك البقعة السوداء هي الصورة الموازية للكواكب السيّارة التي تدور حول مركز ثُقل الأرض، حول نقطة ارتكاز الجاذبية: خصرها.
وعيناها سبحان المعبود .. عينين حنونتيَن عاقلتيَن.
لو كان للقصائد أعينٌ ترى بها من قِيلت به؛ لبَكت كل قصيدةٍ قِيلت في عينٍ غير عينها.
مرة حلوة كانت ياعيال.
كنت أغلق باب العمارة في كل مرةٍ وأنا داخلٌ أو خارج خوفًا عليها من كل شيءٍ في الخارج؛ مثل أن تضيع أو يسرقها أحد أو تدعسها سيارة ... .
وكان أكثر ما أخشى عليها منه؛ أبناء عمومتها: قطط حارتنا أبناء الشوارع، الفاسدون، أبناءُ ساعة المُتعة وسنين الندم .. لعنهم الله.
بين أولئك القذرين كان هنالك عرّي أسود كبير، لا يمشي إلا وذيله مرفوع للأعلى، أحتقره جدًا.
لاحظت أنه يحوم حول باب المنزل ويدور، فكنت كلما رأيته رميته بنعلي أو بحجر أو أي شيء يكون قريبًا مني لترهيبه وإبعاده عن المنزل.
ولكن ..
متى يبلغُ البُنيان يومًا تمامهُ ..
إن كنتَ تبنيهِ وغيركَ يهدمُ ..
ركّزت على العرّي القذر، ولم أُلقي نظرًا أو بالًا أو ذرة شكٍ في صديقتي، هي أرقى وأعلى وأنقى من أن تقبَل أن تكون في علاقةٍ مع ابن شارع .. بنت الكلب.
حتى تحوّل الأمر وأصبحت أجدها عند الباب من الداخل وصوت موائها يملؤ العمارة، وتتحيّن الفرصة إن فُتح الباب لتجري للخارج.
حتى ضقت بها ذرعًا وصرخت عليها مرةً في الدرج: لاااااااتطلعيييييين يابنت الكلب.
في نفس اليوم أرسل لي جاري في الواتساب مقطعًا عن فضل حُسن معاملة الأهل.
أتى اليوم الموعود.
كنت نازلًا من الدرج لصلاة الفجر ومعي حليبي وتونتي، متجهًا لرفيقتي الصغيرة، فلم أجدها تنتظرني على الموعد كعادتها.
نزلت تحت الدرج لأرى ماعلّتها .. فلم ألحق إلّا ذيلًا أسودًا يدحش نفسه تحت الدرج.
لا يتحدّث عن منظري ذلك الوقت إلا الراحل العظيم عبدالحليم حافظ رحمه الله، عندما قال:
رميت الورد، طفيت الشمع، ياحبيبي ..
والضحكة الحلوة ملاها الدَمع، ياحبيبي ..
سقط مني صحن الحليب، وسقط صحن التونة، واستلّيت عصًا طويلة عبثًا أحاول بها أن ألحق الذيل الأسود، ولكن الذيل كله دخل.
حاولت أن أُدخل العصى إلى الداخل، أن أطرده، ولكن منزلها كان فسيح، به عدّة غرفٍ ومداخل، العصى المستقيمة لا تُحيطه.
جلستُ على الدرج كالقتيل، لم أصلّي الفجر مع الجماعة ذلك اليوم، كنت أنتظره أن يخرج أولًا لأقتله، ثم تخرج هي بعده لأنظر إلى عينيها فقط بلا حديث:
إن الحروف تموتُ حين تُقال.
خرج ابن الكلب، ولما رآني بعصاي هرب، لحقته في أرجاء الحارة كالمجنون ولكنه اندحش تحت سيارة من السيارات، استحييت من الناس وهم خارجين من الصلاة وأنا منبطحٌ في الأرض أصرّخ أسفل إحدى السيارات، تركته.
عدت إلى المنزل فوجدتها تأكل من التونة المنثورة.
نظرت إليها طويلًا وهي تأكل، انتظرتها تلتفت إليّ لأنظر إليها نظرتي الطويلة الصامتة، فَلَم تُعرني انتباهًا بنت الكلب.
ولّيتها ظهري ومشيت.
تركتها للحياة كاملةً.
لا آتيها بأكلٍ وشرب ولا أُغلق الباب خلفي خوفًا عليها، لا أُدخلها إن وجدتها في الخارج ولا أطرد أبناء الشوارع عنها.
وكّلتها الله.

جاري تحميل الاقتراحات...