عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

26 تغريدة 36 قراءة Apr 12, 2023
هناك قصيدة لتيد هيوز بعنوان "سقوط الغراب" تحكي كيف أن غرابًا أبيض هاجم الشمس ورجع من هجومه أسود محترقًا. عندما أنظر إلى صور هيوز قبل وبعد انتحار سيلفيا بلاث، وكيف شاب صدغاه، وتشعّث حاجباه، ونتأت ملامحه، أخال أنه ذلك الغراب.
عندما بدأ هيوز كتابة مجموعته غراب Crow كان قد مضى على انتحار سيلفيا بلاث ثلاثة أعوام، حادثة فاجعة، بدأت بطرده من مسكنهما في كورت جرين إثر اكتشافها خيانته، ثم انتقال بلاث بأبنائهما إلى شقة في لندن في واحد من أكثر شتاءات لندن ثلجًا وتجهمًا، إلى أن انتحرت أخيرًا باستنشاق غاز الفرن.
أُصيب هيوز بالحبسة بعدها، وبقي عاجزًا عن كتابة الشعر إلى أن أهداه صديقه الرسام ليونارد باسكين عددًا من الاسكتشات لغربان في أوضاع وزوايا مختلفة. طلب منه كتابة قصائد تصاحبها. حاول هيوز مقاربة الفكرة، واستخدم ولعه بالميثولوجيا، فصنع للغراب أسطورة خلق، وسقوط، وأرومة.
فجأة تدفق كل ما كان داخله من حزن وذنب وغضب ومكابرة وانعدام إيمان ليجد متنفسًا في هذه القصائد. شرع يكتب بغزارة إلى أن فُجع بانتحار أسيا ويفل -المرأة التي خان زوجته معها- حيث قضت باستنشاق غاز الفرن، تماما كما فعلت سيلفيا، غير أنّ سيلفيا حمت طفليها، أما أسيا فأخذت ابنتهما شورا معها.
نعم، كان هيوز وغدًا وخائنًا بمعنى الكلمة، إلا أنّ هذا لا يعني اطّراح شعره، فنحن لا نطّرح ديوان المتنبي بحجة تعصبه ضد السود، ولا نقاطع مسرحيات شكسبير انتصارًا لزوجته آن هاثاواي. الأدب لا يُقرأ هكذا، إنما يُستمتع به ويُفاد من جيّده، دون أن يمنعنا الإعجاب من تسمية الأشياء بأسمائها.
أكثر ما يجذبني عندما أقرأ هيوز ملاحظة كيف تغير أسلوبه تبعًا لصدمات حياته. بدأ بشعر الطبيعة أول شبابه حين كتب روائعه الثعلب الفكرة The Thought Fox والصقر جاثمًا Hawk Roosting ، ثم جنح إلى الرمزية واستخدام الأسطورة فكتب غراب Crow آخر الستينيات وأول السبعينيات =
إلى أن انتهى إلى الشعر الذاتي في التسعينيات، ليكتب -بعد ترددٍ استمر خمسًا وثلاثين سنة- عن سيلفيا وذكرياته معها في ديوانه الرائع: رسائل عيد الميلاد Birthday Letters ، حيث تتراصف الكلمات برشاقة لتنساب موسيقًى حزينة وبطيئة وبسيطة وآسرة، وكأنها خرير جدول.
ماذا عن الغراب؟ ماذا يمثّل تحديدًا؟ قال هيوز في إحدى مقابلاته إنّه عبارة عمّا يتبقى من الكائن بعد نزع عظامه وجلده؛ إنّه الأحشاء والأعضاء والعواطف والصراخ والدم. في مقابلة أخرى قال إنّه كابوس إلهي، لكن حذارِ من أخذه بجديّة، فهو مغرم باختلاق القصص والتفاسير ويغيرها كيفما اتفق.
في قصيدته "أرومة" صنع للغراب نسبًا يبدأ بالصرخة ويمرّ بالعدم (الفقد!)، وفي قصيدته "الباب" يدلف الغراب من بؤبؤ العين حتى لتخاله نظرةً أو موقفًا تجاه العالم، وفي قصيدة "مساءلة على باب الرحم" يتعرض الغراب لاستجواب قبل ولادته يشبه ال Catechism =
يُسأل من يملك ساقيك، ووجهك، وأحشاءك، وأجنحتك، ولسانك، ودمك، فيجيب: الموت. من أقوى من الأمل؟ ومن الإرادة؟ ومن الحب؟ ومن الحياة؟ فيكرر: الموت. لكن حين يُسأل عن الموت، هل هناك ما هو أقوى منه؟ يفاجأنا: أنا، بالطبع.
وهذا بالضبط كُنه الغراب، إنّه محض موقفٍ أو سلوك أو attitude ، إنه عاطفة عارية تحدّق في العالم، إنه الغراب حين يهبط في مقبرة فيرى عظامًا وحطامًا وجثثًا ثم يزعق ويطير. قد تصدم الصورة ببهيميتها وأنانيتها وعدم ملاءمتها موت الأحباب، لكنها أحيانًا الموقف الوحيد الممكن إبّان الفاجعة.
هناك قصيدة بالغة الدلالة بعنوان غراب يجرّب الميديا Crow tries the Media ، يقول فيها إنه يريد أن يغني (عنها) دون اللجوء إلى كلمات تلتف بأذيالها، يريد أن يغني بصفاء إلّا أنّ حنجرته بين إصبعي الإمبراطور، والدبابة موقفة في ردهة صوته، ومانهاتهن تجثم فوق جفنيه.
لذا ليس بوسعه الآن -من مسافة الثلاث سنوات- إلا أن يلجأ إلى الغراب ويحتمي وراء الرمز والميثولوجيا والكلمات التي تلتف بأذيالها وتصرخ كالبغايا، إلى أن تمرَّ خمس وثلاثون سنة، ويخبره طبيبه أنه مصابٌ بسرطان القولون، عندها فقط غنى بصفاء عن سيلفيا.
ترجم الشاعر سركون بولص سبع قصائد من رسائل عيد الميلاد (من أصل ٨٨ قصيدة) وسبع قصائد من غراب (من أصل ٦٦ قصيدة) وثلاث قصائد من دواوين أخرى، نشرتها دار الجمل باسم "رسائل عيد الميلاد وقصائد أخرى"، وليته ترجم أحد الدواوين كاملًا، فمثل هذه القصائد تفقد وهجها خارج مجموعاتها.
هذه ترجمتي لإحدى أشهر قصائد هيوز المبكرة: الثعلب الفكرة Thought Fox، يصف فيها عملية الكتابة، وكيف تتسلل الفكرة كثعلب يقطع الغابة الليلية ويمشي فوق الثلج إلى أن يقتحم غرفة الشاعر. يُقال إنّ ت. س. إليوت اهتز نشوةً لقراءتها، وشرع يبشّر بميلاد شاعر عظيم.
هنا تيد هيوز -وقد تقدمت به السن- يلقي قصيدته الثعلب الفكرة Thought Fox ، ويمهد لها بقصة مختلقة واضحة الوضع، تمامًا كما كان يفعل كولردج حين مهّد لقصيدته "قبلاي خان" (كان مغرمًا بكولردج).
youtu.be
وهنا تيد هيوز بصوته الآسر القوي، وهو يلقي ثلاث قصائد من مجموعته غراب، هي على التوالي: الباب - غرور الغراب - الغراب يسمع قرع القدر على الباب (كلها مترجمة فوق).
youtu.be

جاري تحميل الاقتراحات...