«تجاربي في الحُب»
وهل عرفتُ الحب، حتى أتحدث عمّا لقيتُ فيه من مفاتن وطيبات، وما عانيتُ من مكاره وأهوال؟ إنها إشاعة لفّقها المُرجفون الآثمون الذينَ زوّروا باسمي كتابًا اسمه «حب ابن أبي ربيعة» وكتابًا اسمه «مدامع العشّاق».
وهل عرفتُ الحب، حتى أتحدث عمّا لقيتُ فيه من مفاتن وطيبات، وما عانيتُ من مكاره وأهوال؟ إنها إشاعة لفّقها المُرجفون الآثمون الذينَ زوّروا باسمي كتابًا اسمه «حب ابن أبي ربيعة» وكتابًا اسمه «مدامع العشّاق».
أنا أُحب؟ ومَن الذي يحقد ويُبغض ويؤذي خلق الله في الصباحِ والمساء؟ .. أنا أُحب؟ وكيفَ وكبدي أقسى من الصخرِ، وقلبي أصلب من الحديد؟ قولوا غير هذا واطلبوا تجارب الحُب من رجلٍ سواي. فإن كنتم في ريبٍ من جهلي بالحُب، فانظروا كيف أصفه، لتعلموا أني ما ذقتُ الهوى ولا الجوى.
(وأنا هُنا أدعوكم لتأمل وصفه)
”الحُب عاطفة نبيلة لا تعرِف غير كرائم النفوس”. الحُب لغة روحية يفهمها القلب عن القلبِ، وتنقلها الروح إلى الروح، وتسري نشوتها في الأفئدةِ سريان الصَبا في الغِصن. الحُب معنًى نبيل في لفظٍ نبيل. الحُب قبس من الصهباءِ في كأسٍ من ألماس.
”الحُب عاطفة نبيلة لا تعرِف غير كرائم النفوس”. الحُب لغة روحية يفهمها القلب عن القلبِ، وتنقلها الروح إلى الروح، وتسري نشوتها في الأفئدةِ سريان الصَبا في الغِصن. الحُب معنًى نبيل في لفظٍ نبيل. الحُب قبس من الصهباءِ في كأسٍ من ألماس.
الحُب لمحة من لمحاتِ السِّحر الذي يفيض بهِ الوجود في ليلةٍ قمراء. الحُب أرق وأنظر وأطيب من مطلولِ الأزهار ومنظور الرياحين. الحُب نغمة حلوة عذبة تناغي السرائر وتناجي القلوب. الحُب هو الكأس التي عناها سلطان العاشقين إذ يقول:
يقولونَ لي صفها فأنتَ بوصفِها
خَبيرٌ، أجَلْ! عِندي بأوصافِها عِلْمُ
صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطْفٌ ولاهَواً
ونـورٌ ولا نـارٌ وروحٌ ولا جِسمُ
على عُمرهِ فليبكِ منْ ضاعَ عمرهُ
وليسَ لهُ فيها نصيبٌ ولا سهمُ!
خَبيرٌ، أجَلْ! عِندي بأوصافِها عِلْمُ
صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطْفٌ ولاهَواً
ونـورٌ ولا نـارٌ وروحٌ ولا جِسمُ
على عُمرهِ فليبكِ منْ ضاعَ عمرهُ
وليسَ لهُ فيها نصيبٌ ولا سهمُ!
الحُب نعيمٌ يلبس ثوب البؤس، أو بؤسٌ يلبس ثوب النعيم. الحُب عاطِفة عاصِفة ماحِقة ما يدري [الإنسان] أهي نِعمة أم نِقمة، ولا يَعلم أهي هُدًى أم ضلال، وإنما يعرِف أنها كلمة سحرية تزلزل العزائم وتدكّ الجبال. الحُب هو ائتلاف روحين، وامتزاج قلبين، وانسجام نفسين.
الحُب هو أن تذوب القسوة في كوثرِ الحنان، وأن تأنس الأسود إلى فتكِ الظباء! الحُب هو أن تصير قلباً شفّافًا تجرحه النظرة، وتفتنه الخطرة، ويأسره الدلال. الحُب هو أن تكون دُنياك كلها ملكًا لِمن تُحب. الحُب هو أن تُخاطِر بالمُلك في سبيلِ من تُحب.
أترونني وصفتُ الحُب؟ لا أظن ذلك، وكيفَ يصِف الحُب من لا يُحب. أشهدُ صادقًا أنني لم أعرِف الحُب، ولكني مع ذلك أعترِفُ بأن لي شمائل تُشبه شمائل المُحبين. فأنا رجل يُفضِّل الحُسن على القُبح، وهل في هذا بأس؟ وأومن بأن الوجه الأصبح أجمل من الوجه الوقاح، وهل يلام من يقول بذلك؟
وأعتقدُ أنّ العيون النواعِس أَحب إلى القلوب من عيونِ الحلاليف، وهل في هذا خلاف؟ وأرى أن القد الرشيق أملح في العينِ من الجسمِ المغلوط، وهل في هذا الرأي غلط؟ وأجزم بأن المَبسم العذب أحلى وأعذب من الأفواه السود، فهل أنا في هذا مخطئ يا أرباب العقول؟
أنا لا أُحب، لا أُحب، ولكنني رجل فاتِك النظرات، وما كانَ ذلك عن فجورٍ أو فسوق، وإنما هيَ فلسفة لم يعرِف مثلها الناس في شرقٍ ولا غرب. أنا لا أُحب، لا أُحب أحدًا، وإنما أُحب نفسي. ومن حُب النفس أن لا تقع العين على ما يسوء، وإنما تقع على ما يفتن ويشوق.
وهل يكون الطائر أعقل مني؛ إن الطائر لا يقع إلا على الغِصن الرطيب! وهل يكون النحل أعقل مني؛ إن النحل لا يمتص من الأزهار غير الرحيق! مَن أنا في دُنياكم، يا بني آدم، يا أكلة اللحم والبقل، ويا خُلفاء بني إسرائيل زهدوا في المنِّ والسلوى، وسال لعابهم شوقًا إلى العدس والبصل والفول!
مَن أنا في دُنياكم يا بني آدم؟ أنا في دنياكم غريب لأني أعيش على الحبِّ والنسيم. أعيش على الحب؟ لا، أنا لا أُحب أحدًا، وإنما أُحب نفسي، وقديما قلتُ:
ولما صارَ ودّ الناس ختلاً
وأوحشَ ربعهم من بعدِ أُنسِ
ولم أظفر على جهدي بحُرٍّ
تركتُ هواهمُ وصحِبتُ نفسي
ولما صارَ ودّ الناس ختلاً
وأوحشَ ربعهم من بعدِ أُنسِ
ولم أظفر على جهدي بحُرٍّ
تركتُ هواهمُ وصحِبتُ نفسي
أنا لم أُحب، ولم أعرِف الحُب، لأني قلبي أعظم من أن يُحب، ولم يُخلق إلى اليوم وجه يكافئ ما في قلبي من صراحةِ الصدق، ونمير الحنان. وأين يقع قلبي إذا شاءَ أن يُحب؟ أين يقع ولم يبقَ في هذه الأرض حُسن مهذّب ولا جمال مصون؟
أنا أحب؟ قولوا غير ذلك، واطلبوا تجارب الحب من رجل سواي. ألست أنا الذي رفع الحجاب عن أصول الحقائق حين قال: إن الدمع في عين العاشق كالسم في ناب الثعبان. فإني رأيتموني أبكي من الحب فاعلموا أني أفعل ذلك لأخدر الفريسة كما يفعل الأفعوان حين يلدغ الفريسة ليخدرها بالسم فيبتلعها بلا عناء.
ماذا لقيتُ من الحُب؟ لا تسألوا ماذا لقيت، فذلك حساب تثقل فيه الموازين، ولكن اسألوا ماذا عانيت في الحُبِّ من سفَه الطيش وعنف الفتون. ”ولو أنني أنفقتُ في سبيلِ المجد بعض ما أنفقت في سبيل الحُب لكنتُ اليوم رئيس الوزراء!”.
وداعًا أيها الجمال، وداعًا أيها الحب. وفي ذمة الله عمر ذَهب، وشباب ضاع. وفي سبيلِ مَن؟ في سبيل الغادرين الخاتلين من أهل الصباحة وأرباب الجمال. تسألون عن تجاربي في الحبِّ؟ إنها تجارة خاسرة، وأرض موات.
فإن كانَ في القرّاء من يعقل فليسمع الموعظة من رجلٍ دفع ثمن التجربة من دمِ الصِّبا وعافية الشباب. لقد جرّبت الحب، وهأنذا أخرج من دنياه صفر اليدين. فمن اغترّ بالحبِّ بعد ما حذّرته وأنذرته فهو مضيع مغبون.
جاري تحميل الاقتراحات...