في عالمِ الرأسمالية والنيوليبرالية، أصبح الإنسان يتعامل مع الحياة كلها ونفسه كمادة، ويفعل كل شيء ليصل إلى الجانبِ المادي عبر تعميق المعرفة التقنية والرياضية، متناسين العالم المحسوس لأنفسنا والحياة. أبتدر بهذه المقدمة لأتحدث عن الأدب والرواية على وجه الخصوص والنظرة المبتذلة لها.
ميلان كونديرا قال في كتابه ثلاثية حول الرواية:
"قد صار الإنسان الذي ارتقى سابقاً مع ديكارت مرتبة سيّد الطبيعة ومالكها مجرّد شيء بسيط في نظر قوى التقنية والسياسة والتاريخ التي تتجاوزه وترتفع فوقه وتمتلكه. ولم يكن لكيانه المحسوس، لعالم حياته في نظر هذه القوى أي اعتبار."
"قد صار الإنسان الذي ارتقى سابقاً مع ديكارت مرتبة سيّد الطبيعة ومالكها مجرّد شيء بسيط في نظر قوى التقنية والسياسة والتاريخ التي تتجاوزه وترتفع فوقه وتمتلكه. ولم يكن لكيانه المحسوس، لعالم حياته في نظر هذه القوى أي اعتبار."
عندما يوصّي شخص ما بقراءةِ الكتب العلمية والابتعاد عن قراءة الروايات، يتناسى تمامًا ما تمثله الرواية بصفة خاصة والأدب بصورة عامة للشعوب والانسان. الرواية هي الذاكرة الحيَّة للشعوب، وشعب بلا رواية هو شعب بلا ذاكرة، فالرواية هي المرآة التي نرى بها أنفسنا، والحياة التي لم نعشها.
الرواية هي تاريخ الأمة متمثلاً في شخصياتها والأحداث التي تدور داخلها، ربما لا تتضمن الرواية كل التاريخ ودراسته بالمنهجية العلمية، لكنّها تعكس العالم الخفي للتاريخ نفسه ومناقشته بصورٍ مختلفة. نحن نقرأ الرواية من أجلِ المتعة، والتأرجح بين المشاهد بسرعةٍ خاطفة، لخوفنا من الملل.
الروايات تحوي كل تناقضات النفس البشرية وتعقيداتها؛ الشخصية التي تفكر في الشيء ونقيضه في آنٍ واحد، مأساة الوحدة التي تجعل الانسان يخترع ملايين الافتراضات في الليل و ينسفها بالنهار، دراسة النفس البشرية وسبر أغوارها. الرواية تكشف مكامن المشكلة وتترك لأصحاب الشأن الحلول.
روايات دوستويفسكي كانت مدخلاً عظيمًا لدراسة سايكولوجية الانسان، وساعدت سيغموند فرويد في التبحر داخل هذه النفس البشرية الأمّارة بالسوء، وفي داخل رواياته تجد المجتمع الروسي بكل تقلباته وهلوساته في تلك الفترة، مناقشة معاناته بعيدًا عن االتكنلوجيا المهلكة والمتجاوزة للحس الروحي.
من كان يستطيع معرفة الأعماق الخالدة للشعب اللاتيني لولا الأدب والرواية بصفة خاصة، قرية ماكوندو غابريال بارسيا العظيمة، تنقلت بنا في عوالم كولومبيا دون أن تطأها أقدامنا، غاليانو تنقل بنا في تاريخ أمريكا اللاتينية كلها دون الحوجة لكتاب تاريخ، جورجي أمادو في عوالم البرازيل المتشابكة
بمناسبةِ أمريكا اللاتينية، إرنستو ساباتو الروائي الارجنتيني والرسام العظيم، كان دكتورًا وباحثًا في الفيزياء التطبيقية ب MIT وما أدراك ما MIT؛ ترك كل ذلك للأبد وتفرّغ للرواية والأدب عمومًا. فما الذي يجعل شخص لم يحصل على نصفِ علم ساباتو بترخيص الأدب وتصويره بالابتذال وعدم الفائدة!؟
الطيب صالح برواياته مثِّل السودان الحديث، سودان ما بعد الكولونيالية ونظرات أمته عمومًا للمستعمر الغادر، للحياة التي كانوا يعيشونها، لبيوتِ الطين الراقدة على النيل، للأفندية الذين عاشوا تحت كنف المستعمر ونسيان الحياة القروية والتنمية التي تحتاجها.
برواياته كشف الوجه الاجتماعي.
برواياته كشف الوجه الاجتماعي.
من منِّا لم يرَ مصطفى سعيد في وجوهِ المدينة وزقاقاتها، وشخصيِّة الزين البريئة المتقلبة الساحرة في أحيائنا وقرانا، حياةِ ود محجوب ورفاقه، الانبساط على الأراضي الرملية المرحة أمام الدكاكين في ليلِ ريف السودان الواسع الكبير، ضوالبيت والرمزية العظيمة التي تعيش في وجداننا.
ابراهيم اسحاق وتصوير نزاعات وحيوات مواطني شرق دارفور في أعمالِ الليل والبلدة وكيفية الحياة التي يعيشونها؛ حدث في قرية وكيف يستطيع الناس هناك قصَّ الأثر والوصول لفاعلِ الجريمة؛ أخبار البنت مياكايا، واللغة المختلفة التي يتمتع بها إنسان تلك البقعة المنسية.
أبكر آدم اسماعيل لم يكُ قادرًا على توصيل رسالته ورؤيته حول الهوية والهامش بالصورة الكاملة إلاَّ في الرواية بلغته الساحرة والجاذبة، "الطريق إلى المدن المستحيلة" والضفة الأخرى وتصوير السودان، والتنقل بنَا في عوالمه الشائكة الفاقدة للتنمية، والدوستوبيا السياسية بتلك الفترة.
بل كيف كنَّا سنستطع معرفة عادات وكجور الدينكا اخواننا الذين يتقاسموننا الأرض والهوية، لولا فرانسيس دينق بطائر شؤمه وكشف ما كان خافيًا عن أعيننا وأسماعنا، بل ومنذرًا بالكارثة حتى نفعل شيئًا قبل حدوثها؛ ومثَّل فرانسيس منظار الأمة، وصوّر رؤية السودان الجديد في روايته حرب الرؤى.
أظنْ من أسباب تغييبنا وجهلنا عن الجزء الثاني من أفريقيا، هو بعدنا عن أدبها لأسبابٍ كثيرة منها سياسيًا وأيدولوجيًا، وغياب الترجمة وعدم الإهتمام بروايتها. الجزء القليل الذي وصلنا من روايات وضّح لنا أننا نملك نفس الوجدان، وحمسنا أكثر جمال محمد أحمد للغوص في "وجدان افريقيا".
بالنسبة لي شخصيًا، عدم معرفتي للشعب الماليزي بالشكل الكافي على الرغم من عيشي في ماليزيا لما يقارب الست سنوات، لعدم تمكنّي من قراءةِ الرواية الماليزية بالصورة المطلوبة؛ الكتب السياسية لا تتناول المجتمع بكل تفاصيله وبالتالي هي غير كافية البته. السفر يعرّف بالشعوب لكنه مكلف ماديًا.
صحيح الرواية لا تحمل الحلول العلمية التقنية داخلها ولا تغني الانسان عن التكنلوجيا، لكن هذا لا يعني بأيٍّ حالٍ من الأحوال أنَّها أقل ولا يحتاجها الإنسان في مشوارِ حياته، فالجانب المحسوس للحياة نجده في الفن والأدب؛ والروح لا يُحركها شيء مثل القصة وهمهمات الألحان.
جورج أورويل في روايتيهِ مزرعة الحيوان و 1984تناول الديستوبيا السياسية في أوربا وصور مطامع الانسان بصورة مدهشة، بل أنَّ أحداث وشخصيات رواية Animal farm موجودة بيننا الآن، وتخبر أنَّ إنجاز ثورة ليس عسيرًا، بل المعضلة تأتي لاحقًا. الثورات العربية مثالاً، صراع قحت والحركات أيضًا.
الكتب السماوية الثلاث استخدمت القصة استخدامًا طاغيًا إلى الحد الذي يمكن أن يُشكّل أكثر من ثلث القرآن وأكثر من نصف الإنجيل، وأكثر من ثلاثة أرباع التوارة، فهي جميعًا تروي قصص الأنبياء، الطغاة، وأناسًا صالحين وآخرين أشرارًا، وتُبرز أحداثًا تتكئ على مشهديات فائقة الدّقة والجمال كذلك.
قِصة يوسف عليه السلام رُويتْ في سورةٍ كاملة؛ في المنظور الفنّي هي رواية مكتملة العناصر، في الأحداث والأشخاص، والأزمنة والأمكنة، والعُقد المتعددة، ومستويات الحوار، ونوع النهاية التي قررتها. ربّ العزّة الّذي يرويها، يقول لنا في نهايتها: "لقد كان في قَصَصِهم عِبرةٌ لأولي الألباب".
على الرغم مِن منجزات أوربا للإنسانية من ثورةٍ صناعيّة وتكنولوجيّة، إلاّ أنَ الروايّة هي أكبر منجزاتها على الإطلاق. منها تنقلّت الرواية للعالم الآخر، فاستطعنا أن نرى الصين في حلم الغرفة الحمراء بعيونِ تساو هوشيه، ونعيش يابان الساموراي في تنقلات كاواباتا، ونلتهم كذلك سكاكر الهند.
أخيرًا، الرّواية التي تُغيّرك، خيرٌ من الكتاب الّذي يختبئ خلفَ ظلال الفكر أو العقيدة، ويستظلُّ بمظلّة الدّين ولا يُحرّك فيكَ شيئًا لسطحيّته وسذاجته.
لا يمكن قراءة ومعرفة التاريخ الفرنسي في القرن التاسع عشر دون أن تعرف طباع الناس وحياتهم وأفكارهم، وهذه لن تتم إلاّ من خلال الأدب، والأديب الفرنسي دي بلزاك. لا يمكن تصوَّر كتابة تاريخ فرنسا دون المرور بكوميديا بلزاك.
جاري تحميل الاقتراحات...