منذ وقت مبكر؛ كنت ألاحظ في الظواهر السلوكية ظاهرة غريبة، وكنت أتأملها كارتفاع الموجة، في لحظة معينة من الزمن يتجه الناس لممارسة أو سلوك معين، وحين يقترب السلوك من حده الأقصى يرتد بشكل عشوائي ويصبح عادي، وكأن الموجة لا تتحمل ثقلها فتهوي، لا تستقر أبداً.
وكنت أتساءل، هل يمكن لهذه الظاهرة أن يكون لها معادلة رياضية معينة، بحيث تكون هناك عتبة تحمل تنكسر عندها الموجة/الظاهرة بعد مرحلة من احتشادها عند قمة معينة؟
مثلاً؛ إذا شفت الناس يقبلون على شراء سلعة معينة، يرتفع معها الثناء والمدح، بعد فترة (ودون مبرر واضح) تضعف الموجة وترجع تلك الموجة إلى قاعها.
لو فيه عدة متنافسين ووصل واحد للقمة، احتمال نزوله عنها في المرة/المرات القريبة أعلى من بقائه فيها، وقس على ذلك عموم تبدل الدول والأحوال.
لو فيه عدة متنافسين ووصل واحد للقمة، احتمال نزوله عنها في المرة/المرات القريبة أعلى من بقائه فيها، وقس على ذلك عموم تبدل الدول والأحوال.
هذي الحالة شائعة حتى فيما لا سلوك ولا مشاعر فيه، مثل أوصاف الأشياء، ومظاهر النمو، وغيرها.
مثلاً؛ إذا كان هناك صفة جسمانية مفرطة في الوصف عند الوالدين، فإن احتمال أن يكون هناك ارتداد إلى متوسط تلك الصفة في الأبناء أعلى من احتمالية استمرارهم في تطرفها.
مثلاً؛ إذا كان هناك صفة جسمانية مفرطة في الوصف عند الوالدين، فإن احتمال أن يكون هناك ارتداد إلى متوسط تلك الصفة في الأبناء أعلى من احتمالية استمرارهم في تطرفها.
فأبناء الأب الطويل جداً، يحتمل أن يكونوا أقصر منه على أن يكونوا أطول منه أو حتى في مثل طوله، بالطبع سيكون هناك واحد أطول منه أو في طوله، لكن الغالبية سيكونون بطول أقل، وهكذا في أمور كثيرة.
أبناء الشخص الذكي جداً، من المحتمل أن يكونوا أقل ذكاءً على أن يكونوا أذكى منه، وأبناء القصير جداً من المحتمل أن يكونوا أطول منه، وهكذا... ستجد حالة من الاختلاف تسير عكسياً إذا كانت الصفة الأصلية في حدها الأقصى.
لاحظ إن أهم عنصر لتحقق الظاهرة هنا هو وجود قيمة متطرفة، لأن الارتداد يكون عنها للقيمة المتوسطة، وأيضاً هو وصف عام قد لا ينطبق على بعض الحالات أو الأفراد، التي بدورها تمثل قيم متطرفة في المنحنى الطبيعي للظاهرة اللي نتكلم عنها.
اتضح لي فيما بعد أن هذا بالضبط ما توصل له فرانسيس چالتون، وأطلق على الظاهرة مصطلح "الارتداد للوسط" أو "الانحدار للقيمة المتوسطة" وهو ترجمة لـ"regression to the mean"، لتعبر عن نفس الفكرة.
تخيل معي لو أن تلك الظاهرة غير موجودة، أبناء الأب طويل القامة استمروا أطول، أبناء القصير استمروا أقصر، أبناء العبقري استمروا أذكى، أبناء الثري استمروا أثرى، وهكذا استمر الحال في البشرية، سنشاهد كفتين في غاية التباين بسبب التزايد المطرد لتلك الصفات، وسنفقد التوزيع الطبيعي!
هذي الظاهرة تتضح أيضا في التحصيل العلمي، فالطالب الذي يحصل على درجة منخفضة جداً، احتمال أن يحصل على درجة أعلى في المرة القادمة، والطالب الذي يحصل على درجة عالية جداً احتمال أن يأخذ درجة أقل، في كلا الحالتين ستقترب الدرجتان خطوة لمتوسط درجات باقي الطلاب، وهؤلاء هم الغالبية.
أما المتفوقون والراسبون الذين يستمرون في أدائهم بشكل متقارب كل مرة فهم يشكلون الأقلية التي تجدها على طرفي المنحنى الطبيعي، وقس على ذلك الكثير من الظواهر التي تخضع لحالة الارتداد للوسط.
ولذلك قال الشاعر العربي:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها [][] فُرِجَـت وكنت أظنها لا تفرَجُ
وقال الآخر: اشتدي أزمةُ، تنفرجي ...
كناية عن توقع انعكاس الحال حين يصل إلى حده الأقصى.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها [][] فُرِجَـت وكنت أظنها لا تفرَجُ
وقال الآخر: اشتدي أزمةُ، تنفرجي ...
كناية عن توقع انعكاس الحال حين يصل إلى حده الأقصى.
جاري تحميل الاقتراحات...