احفظوا عني هذه التغريدات المتسلسلة، لأنكم ستذكرونها يوما إذا صارت مسلسلا ذا شهرة ضاربة. إذا أثارت قصة تشيرنوبل امتعاضك العميق حيال السياسيين، فإن الحكاية التي سأرويها، تطيح بنزاهة آخر الرجال الشرفاء على هذا الكوكب: العلماء، والأطباء، وتجعلك تشكك في مصداقية كل حقيقة آنست إليها قط.
تبدأ قصتي في مدريد، صباح الأول من جولاي، في اللحظة التي عبر فيها باب غرفة العمليات، رجل مسجى على نقالة، لاستئصال ورم في إبطه. لم أستطع منع نفسي من التحديق به، ولم تسعفني بديهتي الطبية، لتشخيص ماقد يكون عليه. كان المنظر مرعبا كفاية، لأتسمّر شاخصة في مكاني.
احتجت بعض الوقت لأتذكر أين لمحت هذا المنظر. الجلد المترقق الشاحب، العروق المسوّدة المتعنكبة تحت بشرته اللامعة على وشك التمزق. ملامحه المشدودة على عظام وجهه، رأسه الأصلع وعيونه المنطفئة. كان جثة منقوعة في الفورمالين من معمل التشريح. مومياء تعدت المئة سنة، بأوراق تشير لعمر الستين.
وصل فضولي الطبي أقصاه، إذ خابت كل تخميناتي، وأنا أسأل الفريق الطبي عما إذا كان خضع لعلاج كيماوي- رغم إنني لم أشاهد شيئا مماثلا في حياتي- أو إشعاعي ربما؟ أو تجربة استبدال فضائية! وجاءت الإجابة أغرب من فيلم، وأعجب من أكثر سيناريو دراماتيكي قد يلده خيال كاتب ما.
هنا تبرعت الممرضة الأكبر سنا، بشرح ماحدث تواترا بين الأسبانية والانجليزية السقيمة، وكانت عيناي تجحظان مع كل منعطف سردي، كما تتلألأ مدامع الحضور الذين كانوا يقصون تاريخا جمعيا، وفجيعة أسبانية عمرها أكثر من ثلاثين سنة، مات إثرها ألف ضحية، وعانى قرابة ٢٥ ألفا من حيوات مدمرة.
بدأت شرارة الأحداث في مطلع مايو سنة ١٩٨١، إذ يلفظ صبي في الثامنة أنفاسه بين ذراعي والدته في الطريق إلى الطوارئ، وبدون تشخيص معلوم. سريعا، يتم إدخال إخوته الخمسة إلى المشفى، ومن ثم إلى العناية المركزة، بأعراض التهاب رئوي حاد، كما شخصه الطبيب المناوب.
بحلول الصباح، يجيء المدير الطبي د أنطونيو مورو( واحفظوا هذا الاسم)، ويعلن شكوكه واستنكاره في مسألة عدوى ذات الرئة لعائلة كاملة. تتوالى الحالات بعدها في كل المراكز، بأعراض شبيهة بالانفلونزا، إعياء، صعوبة في التنفس، قيء، طفح جلدي وتوذم رئوي.
يظهر الدكتور مورو في الإعلام، ليهدئ الجمهور المرعوب من تفشي الوباء الغامض، معلنا أول انطباعاته بكونه تسمما غذائيا، مع ملاحظة أن الحالات تنتمي لمجمعات سكينة فقيرة، في أحياء معينة، وهذا يستوجب التحقيق والتدقيق. بمزيد من التقصي، كانت "السلطة"، هي الطبق المشتبه به عند استجواب المرضى.
مع التصاعد المخيف لحالات الوباء الغامض، وتزايد الوفيات، انجل بارلترا، في مشفى كبير أعلن ملاحظاته وشكوكه بدوره، بخصوص التلوث بالفوسفات العضوي كمبيد حشري، لكن سرعان ماوصله تنبيه حكومي عاجل بإطباق فمه والسكوت عن الموضوع.
في نفس الوقت، كان دكتور مورو قد دعا لجنة من وزارة الصحة لاجتماع، وعرض خريطة توضيحة لتوزيع الإصابات، ومعها افتراضه أن المادة الملوثة كانت تباع في سوق أسبوعي، وعليه كان يستطيع تخمين الضربة القادمة حسب تنقل الأسواق الجوّالة في المنطقة، وبسبب تقصيه للحقيقة، تمت إقالة د. مورو من عمله.
وكما يحدث في الأفلام، بعد إقالته من منصبه كمدير للمشفى، وجد حريته ليتتبع حدسه، وتابع تحرياته بشكل فردي، وبنشاط أكبر، وانصرف مع ذراعه الأيمن، وزار بيوت الضحايا، وهناك عثر على حاويات بلاستيكية قذرة، وغير معنونة، لحفظ زيت الطبخ، الذي تم شراؤه من أسواق محلية، عبر مندوبين مروجين.
جمع الطبيب عددا من العينات، وأرسلها لمعمل تحليل طبي خارج مدريد. في هذا الحين، تحول الوباء إلى شبه متلازمة طبية غامضة وقاتلة، تساقط اثرها مئات من الضحايا، وكان الاطباء عاجزين عن المساعدة لجهلهم بما يواجهونه، وماهية علاجه.
وإلى جانب تصاعد أعداد الوفيات من الاطفال والحوامل بالذات، دخل الوباء طورا مزمنا عند الذين نجوا، بإعاقات عصبية، وضمور في العضلات، وفقدان وزن مضطرد. كانت البلاد تعيش فترة حرجة بعد موت ديكتاتورها فرانكو الحديث نسبيا، والحكومة تحاول فرض السيطرة بين تعسف العسكرية وشفافية الديموقراطية.
دكتور خوان أوليڤر كان الصوت الثالث من مشفى الأطفال، اذ أعلن تقصياته واستجوابه لعوائل الضحايا عما استهلكوه، وأن زيت الطبخ هو المسؤول. بصعوبة قبلت الحكومة مضطرة هذا التفسير لتهدئة الجماهير الغاضبة.
إثر الاعلان التلفزيوني عن الزيت الملوث كسبب للوباء، هدأت نوبة الذعر لحد ما، ولمدة ثلاثة أسابيع، انخفض عدد الحالات الجديدة المسجلة، رغم أن المرضى المزمنين ظلوا في معاناة لا حل لها.. لكن الطبيب مورو وزملائه، عرفوا أن اللغز لم يحل بعد، لأن نتائج المختبر وصلت أخيرا، وجاءت صادمة.
كل عينة مأخوذة من صهريج، كانت تشكل تركيبا كيمائيا متضاربا ولم توجد مادة ثابتة في كل العينات، كسبب ملام أكيد. كخلفية ضرورية للفهم، فإن خط الانتاج الحكومي لزيت الزيتون الاسباني الممتاز، يحظر استخدام بذور أخرى- رخيصة- تعرف باسم la colza للاستعمال الآدمي، ويترك حصرا للآلات والتشحيم.
ولتوكيد هذا المنع، تتم إضافة مادة الأنيلين إجبارا، لتجعل للزيت لونا وطعما منفرين وغير مستساغين. النظرية المبدئية تقول أن الزيت المسؤول عن الكارثة، تمت معالجته لانظاميا بإزالة الأنيلين، وطرحه مجددا في السوق السوداء، زيت سيارات مسمم، لاستهلاك البشر.
وللحد من الوباء، أعلنت الحكومة استعدادها لاستبدال الزيت الملوث، بزيت زيتون نقي وجيد. بطبيعة الحال، أثار هذا موجة توافد ضاربة لاستبدال اي نوع كان من أي زيت، وزعم غير المتضررين أنهم كذلك، وأصاب الخلل بشدة، الإحصاءات التي كانت تعول على هذا الترتيب الحكومي لحصر الأرقام.
على مدار سنتين تاليتين، تتبنى الحكومة هذا التأويل، ويعرف الوباء في ملفات منظمة الصحة العالميةWHO باسم TOS = toxic oil syndrome، وتخصص لجان مكرسة للبحث والتقصي واختبار الزيت على الحيوانات، ويتبارى مئات الأطباء لنيل أسبقية التشخيص، وتظهر سلسلة من الأوراق البحثية الرائدة.
دكتور رويث، ودكتورة أورتيث، زوجان عالمان في علم الأوبئة، وكانا مكلفين بدراسة القضية، وأظهرت استنتاجاتهما تضاربا يرفض نظرية الزيت الملوث، لأن الاحصاءات اظهرت أن ذروة الوباء لم تتأثر بالإعلان الحكومي، وأن التوزيع الجغرافي ازاء خط شاحنات التهريب للزيت غير منطقي، ومحصور في مدريد.
في ذات خط التقصي، كان انريكي مارتينيث، اقتصادي وسياسي صاعد قد توصل لذات النتيجة التي توصل لها الزوجان: ليس الزيت هو الملام. بإعلان هذه النتائج لوزارة الصحة، تمت إقالة الثلاثة، لأن لتصريحاتهم منعطفات خطيرة في العودة بالموضوع لنقطة التخبط الأولى أمام الشعب وWHO
كذا تكونوا خلصتم الموسم الأول ع النتفلكس، نكمل بكرا?
في معمعة التعويضات الحكومية وحصر الضحايا، اختلط الحابل بالنابل، وللمرة الثانية، أسهم الشعب المتلهف على المنفعة، في ضربة كبيرة لدقة الأرقام ومصداقية القوائم العلمية لتعداد المتضررين.. وشيئا فشيئا، بدأت تتكشف حقائق الاوراق العلمية المكذوبة التي ظهرت في بدايات الوباء.
على سبيل الذكر، برزت ورقة علمية، لإصابة خمسين راهبة في دير ما، تأثرا باستهلاك الزيت المذكور، مقابل سلامة زوارهم الذين تناولوا زيتا عاديا. هذه الورقة البحثية، يعرف كل مبتدئ في علم الطب المبني على البراهين، انها تستوفي بامتياز أسس المقارنة العلمية لتكون ١٠٠٪ مثالية، كدليل منهجي.
لكن استجواب الراهبات المنعزلات في الدير بعدها بسنوات، أظهر تزوير القصة، وأن الإصابات لم تتعد ال٨، كما أن كل الطبخ كان بزيت واحد. ثمة بضع قصص مماثلة، عن موجة الفبركات البحثية والمنشوارت التي دعمت قضية الزيت تزلفا للحكومة، مجاراة للتيار، وتنافسا لشرف السبق العلمي.
وصولا لسنة ١٩٨٩، تنحسر الغشاوة، لكن الصورة تزداد تعتيما. تنتهي سنتان من التجارب المخبرية على الحيوانات بالفشل في محاكاة متلازمة الزيت الملوث، ويعلن علماء محايدون أن مادة الأنيلين ليست قادرة على إحداث أضرار مماثلة إلا بجرعات مضاعفة، ويتواصل إصرار الحكومة على تبني نظرية الزيت إياه.
كانت معلومات الضحايا مؤرشفة بأكواد بالغة السرية، عصية على وصول الشرفاء من العلماء، لكنها في الوقت نفسه، عرضة للمغالطات ولهوجة التخبط. في ظل هذه الظروف، ظل خادم وحيد للحقيقة يعمل باستماتة، مقصيا ومتواريا في الظل، وبجهود فردية في السعي وراء الأجوبة التي آمن بوجودها وراء هذا اللغز.
تتبعا ل٥ آلاف عائلة منكوبة، وبتحريات ميدانية استجوابا لسائقي الشاحنات، مندوبي المبيعات، ترحالا في أرجاء البلاد، توصل الدكتور مورو وأتباعه أخيرا، للقطعة المفقودة التي تفسر كل شيء: كان الطماطم الملوث بالمبيدات الحشرية، السبب المنطقي المغيّب للكارثة.
ولأن الاعتراف بسبب مماثل من قبل الحكومة الأسبانية، سيضرب في الصميم صادراتها العالمية من الخضار، سمعتها السياحية، وسيعرض تجربة التشجير الصحرواي- مفخرتها الدولية- للتشكيك والانتقاد، كان الخيار الأسهل: توجيه اللوم لزيت ملوث رخيص التكلفة، راح ضحاياه فقراء الشعب. قضية لن تخيف أحدا.
وإن كانت ثمة وقفة عزاء على ضحايا التعتيم والمغالطات، فلعل الضحية الكبرى، هي الحقيقة التي ماتت مخنوقة في ملف مهمل في المحفوظات الحكومية، هي خلاصة الجهود المضنية لدكتور مورو. وعلى غرار قضيته، مات الطبيب المقهور سنة ١٩٨٥، إثر تداعيات صحية غامضة، مكمم الفم، ضائع الصوت، مجهول الدور.
ولعلنا نظن جميعا أن للحقيقة اليد الطولى، لكن أصوات المحامين التي ترافعت ببراهيني المسرودة أعلاه،كانت أوهن من قرارات المحكمة العليا التي أدانت المتورطين في قضية الزيت الملوث، باعتبارهم قربانا ملائما لامتصاص الغضب الشعبي الجارف، إذ حكم عليهم بالسجن محكوميات استثنائية الأمد.
وإذا كانت الحكومة الأسبانية، تمثل الدور الكلاسيكي الشهير، لطغيان السلطة في حماية مصالحها، فإن سلبية منظمة الصحة العالمية مثلا، مدعاة لفقدان الثقة حتى في نزاهة العلم. إلى اليوم، يدرس ملايين الطلاب حول العالم هذه المتلازمة باسم TOS، ويعتبرون الزيت الملوث دون أدنى شك، تشخيصا للوباء.
أخيرا.. المعلومات المكتوبة يارفاق، هي خلاصة قراءتي الشرهة لأسبوع عن الموضوع. وإن من السذاجة أخذكم المكتوب كصواب لا مرية فيه، لأن المقالات التي تتحدث عن نظرية المؤامرة الأسبانية، قد تكون بتوجيه سياسي بالمثل، ولأن النقض العلمي، قد يكون تدليسا لخلل نظام صحي آخر.. ولأن...
لكن.. لأن كل ماقد يقدح بصرك عابرا- كما حدث معي إذ لمحت الرجل المنكوب- قد ينير بصائرا، إذا تحليت ببعض الإيمان في فهمك لمعنى الوجود البشري.. لأن من حق الأسماء المجيدة أن تخلد مثل دكتور مورو، حتى لا تندثر ويموت ذكرها.. لأن مصادفتي لهذه القصة لم يكن عبثا..
إذن.. هكذا تورث الكذبات، وهكذا تدلس الحقائق، إذا طغت الأجندات المغرضة، وبالقدر نفسه.. إذا كسل الناس عن كتابة/ قراءة منشور طويل كهذا، انتصارا للحقيقة.
(تمت).
(تمت).
جاري تحميل الاقتراحات...