14 تغريدة 136 قراءة Aug 24, 2019
سكنت في عمائر العزاب وسكنت في عمائر العوائل، وإن عمائر العزاب ومايدور في داخلها هو البرهان الأكبر على أن الرجل وحيدًا لايعدو كونه عن بكتيريا أحاديّة الخليّة بدائية النواة لاترتقي لأن تكون معقّدة التركيب وأن تكون حقيقية النواة.
ولا تخلو عمارة عزاب من العسكر، هم عواميد الأساس في عمائر العزاب، ولا يسكنون إلا جماعات، يتناوبون على شقتهم بالإستلام، يستأجرون شقةً بها غرفتين، فيسكنها عشرون عسكريّ، عشرة يداومون وعشرة ينامون.
والأجار بالقطّة؛ 35 ريال على الفرد، والباقي يأخذه الرقيب .. قطّة الإفطار في الدوام.
وكان يسكن معنا في أحد العمائر في الدور السُفلي جنديٌ واحد منشقٌ عن سريّته، إذا عاد من دوامه ظُهرًا فَصَخ بسطاره العسكريّ عن باب شقته ثم دخل وأغلق الأبواب.
مررتُ مرةً من الدور السفلي فوجدت أحد الساكنين فيه يبكي عند الباب، فذهبت لمواساته، فأخبرني أن هذه الدموع تهطل كل يوم عندما يعود جاره العسكري من عمله، وأن عينه تتفاعل مع الغاز المُنبعث من البُسطار مثل ماتتفاعل العين مع البصل أثناء تقطيعه.
كبريتات الأحماض الأمينية منشرةٌ في المكان.
وقد ناصحوه جيرانه وحاولوا فيه أن يتوب ووضعوا له رسائلًا من تحت الباب وكاسيتات ومنشورات واشتكوه لصاحب العمارة وعلّقوا له على بابه قناعًا واقيًا للغازات المسيلة للدموع، ولكن:
أقول يا جبل اعصمني .. ولا جبلُ.
حتى اجتمعوا به مرةً في شقته وعُقر داره وطلبوه أن يُدخل بسطاره داخل شقته، فقال لهم: تخيّس الشقة إذا دخّلته فيها.
وفي هذا الردّ البسيط اختصر ذلك الرجل ما أعيى الفلاسفة الأوائل في تعريف الفردانية الوجودية واللاسلطوية .. أنا ومن بعديَ الطوفان، يخيس الدور كامل، بس ماتخيس شقتي.
حتى أتى نصر الله من بعيد وخرج ذلك الرجل من العمارة، ولكن بقيَت أثارٌ سوداء على جدران ذلك السِيب وتشقّقاتٌ في العواميد وأثار حريقٍ في السقف، كل ذلك من بسطار .. تأملوا كيف فعلُ الظبيَ بالأسد.
استمرّت الإحتفالات في العمارة أسبوعًا كاملًا بعد خروجه.
ومن أعجب مارأيت في تلك العمائر، هو انكسار قانون الجاذبية لإسحاق نيوتن، وتجريد القانون المثالي للغازات من الحقيقة ووضعه على الرفّ كقانون بائد غير صحيح، بواسطة مجموعة من أبناء الجالية الهندية كانوا يسكنون في السطح.
وإن الإنسان الطبيعي المكرّم بالعقل والتفكير والتحليل إذا غسل ملابسه وأراد نَشرها يضعها في مكانٍ يصل إليه ضوء الشمس والهواء، إلا أولئك الهنود؛ يفتحون باب السطح من الداخل وينشرونها على الدرج ثم يغلقون الباب كي يكتمونها ويحرمونها من الحياة ويمنعون الشمس والهواء من الوصول إليها.
وإن القوانين الفيزيائية تقول أن الغازات لا تسحبها الجاذبية الأرضية بل تصعدُ للأعلى لانعدام كتلتها، إلا في تلك العمارة فإن الغازات المنبعثة من ملابس الهنود تكوّنت وتجمّعت وتكثّفت وأصبح لها كُتلة ووزن ورفعت أُصبعها الأوسط في وجه نيوتن وفي قانون جاذبيته؛ وهبطت للأسفل.
وهناك صِنفٌ آخر من الساكنين، لايخيّسونك رائحةً .. بل يخيّسونك سَمعًا.
يجتمع 32 مراهق دميم قبيح لم يصلوا إلى مرحلة البلوغ في أحد الشقق يوم الخميس ويستأجرون سماعاتٍ كبيرة ويشغّلون أخيس أغنية عراقية في التاريخ البشري.
ولايكفيهم أن يسمعوا تلك الأغاني لحالهم، بل يرغبون بتبليغ رسالتهم وسوئهم لكل أهل العمارة، لكل أهل الحارة، لكل أهل مدينتهم، لكل أهل دولتهم، لكل الأرض .. كل مازادت ذبذبات الصوت في السمّاعة كل ماقتربوا من النشوة أكثر.
اهربوا من تلك العمائر، تزوجوا، تمثّلوا بلباس امرأة، زوّروا كرت عائلة، افعلوا مثلما فعلت هيجاء، كونوا أحرارًا، اصرخوا في وجه الظلم .. ياذكور ياوصِيخ اسقطوا الولاية.

جاري تحميل الاقتراحات...