هجرس
هجرس

@Hajras92

44 تغريدة 37 قراءة Dec 01, 2019
في أحد أيام المناوبات الجراحيّة كنت أتجوّل في أقسام تنويم الرجال وأقوم بإنهاء الأوراق الخاصة بإتمام الإجراءات الطبية للمرضى وكنت وقتها منهمكاً جداً في هذه الأعمال فلم أنتبه إلا على دويّ مكبرات الصوت في المستشفى معلنةً وصول حالة حرجة لغرفة الإنعاش في قسم الطوارئ.
كانت الساعة حينها تشير للثانية عشر ظهراً، وكنت أتحدث مع أحد مرافقي المرضى قبل الإعلان فلمّا سمعته قاطعته قائلاً: آسف عندي حالة حرجة في الطوارئ ولم أنتظر جوابه بل انطلقت أحث الخُطى لغرفة الإنعاش.
عندما وصلت وجدت المريض ممدّداً على سرير الإنعاش شبه فاقد للوعي وأنا أول طبيب يصل هناك فقمتُ بمحاولة التواصل معه مختبراً نسبة الوعي لديه فوجدتها ضعيفةً جداً فطلبت دكتور العناية المركزة لوضعه تحت التنفس الصناعي
مباشرةً قبل أن يفقد تنفسه وبالتالي نفقد المريض، وصل طبيب العناية بعدي مباشرة وقام بعمله ثم انتقلنا بعد ذلك لفحص بقية أجزاء جسده فكانت سليمة كلها ما عدا ضربة شديدة في الرأس أدّت لحدوث نزيف مما سبّب التأثير على مستوى الوعي.
بعد ذلك قمت بتجهيزه لإجراء الأشعة المقطعية وأخذت أنتظر هناك للتنسيق مع قسم الأشعة.
في تلك الأثناء كان هناك مريض في قسم الإصابات المتوسطة في كامل وعيه تعرّض لحادث مروري ويُشتبَه في وجود كسر في منطقة الحوض عنده، كانت حالته مستقرة بادئ الأمر وفجأة اضطربت .. نقص أكسجين .. تسارع النبض .. انخفاض الضغط .. مما يدل على تدهور الحالة.
لم أكن أعلم بذلك وقتها نتيجة انشغالي بالمريض الأول وأثناء انتظاري لرد قسم الأشعة إذا بدكتور تلك المنطقة يقطع عني هذا الانتظار بصراخه: عندي مريض أكسجينه يتناقص .. والهلع بادٍ في عينيه فرددت الصراخ بأشد منه: جيبه عندي هنا بسرعة .. وهنا ابتدأت القصة.
أحْضَروا المريض لغرفة الانعاش وهو يتلوّى من شدة الألم ولا نستطيع تثبيته على السرير ومن حسن الحظ تواجد أطباء جراحة الصدر والعناية المركزة آنذاك .. قمنا بإعطائه بعض المهدئات حتى يتسنّى لنا فحصه وبعد أن ابتدأ مفعولها ثبت على سريره وابتدأنا الكشف عليه.
كانت علاماته الحيوية تشير غالباً إلى وجود نزيف في مكانٍ ما وهذا ما أكّدته فعلاً الأشعة بوجود نزيف في منطقة الصدر مما اضطرنا لإدخال أنبوبة هناك لسحب الدم المتجمع والذي يضغط على الرئة ويمنعها من الاتساع لإجراء عملية التنفس، بعد ذلك تم وضعه على التنفس الصناعي مباشرة
ثم قرر استشاري العناية المركزة وضع أنبوبة مغذية في الوريد الصدري الكبير وكل ما حدث سابقاً كان في غضون أقل من خمس دقائق .. الأشعة ومن ثم جراح الصدر يدخل أنبوبته في جزء الصدر الأيسر وطبيب العناية يعمل على شق صدره الأيمن والممرضات يقومون بسحب دم لإجراء التحاليل والجميع مستوفز يسابق
ليس الثانية وإنما أجزاؤها لإنقاذ حياة المريض.
بعد الانتهاء من هذه الخطوات أبدت حالة المريض استجابة لوقتٍ قصير ثم عادت للتدهور مما يدل على وجود نزيف خطير في منطقة أخرى وهنا بلغ بنا الهم مبلغه وعلمتُ ذلك حينما خلع استشاري العناية معطفه الذي كان يشعر أنه يضايقه وأخذ يصرخ فيّ قائلاً:
أنا عاوز دم للمريض .. طبعاً أنا كنت أصغرهم سناً وتجربةً وأرى أمامي استشاري قد خطّ الشيب في عارضيه فتأكّدتُ أن الأمر جلل وأطلقت ساقاي للريح إلى بنك الدم الذي كان مقره في المبنى المقابل لنا والناس ينظرون لهذا الطبيب الذي يركض كالمجنون ولا يعلمون أن معركتنا مع الموت القاتل قد ابتدأت
وصلت إلى البنك وطلبتُ منهم وحدات عاجلة فقالوا لي أن سياسات المستشفى تمنع إستلامها من الطبيب ولابد من وجود الممرضة فصرختُ في وجهه: عندي مريض في الطوارئ يموت وتكلمني عن النظام وبعد أن رأى الجد في عيني أعطاني وحدة جاهزة فركضتُ بها راجعاً للمريض
بدأنا بتوصيلها وأثناء ذهابي للبنك تم عمل أشعة الموجات فوق الصوتية لبطن المريض مما أكّد وجود نزيف .. أخذوا الوحدة التي معي وأمروني بإحضار أكبر قدر ممكن من الدم فكنت أجري بين المبنيين وأدعوا ربي بيني وبين نفسي فأقول: يارب اجعله من حظنا .. يا رب اجعله من حظنا ..
وأعني بذلك ألا يكون من حظ الموت فيختطفه من بين أيدينا .. وأخذنا على هذا الحال أربع ساعات نُقل له فيها عدة وحدات من الدم حتى استقرت حالته بشكلٍ شبه مقبول فتم نقله بشكل عاجل لقسم الأشعة لعمل الأشعة المقطعية والتأكد من مكان وجود النزيف بالضبط وكنّا حينها واقفين على رأسه بأكياس الدم
خوفاً من تدهور حالته .. كانت نتيجة الأشعة صادمة! بوجود شريان ينزف في منطقة الحوض -وهي منطقة شديدة الصعوبة وغالباً تتشابك فيها الأوعية الدموية مما يصعّب عملية الوصول لمكان النزيف وربطه- قرّرنا بعد ذلك أخذ المريض لغرفة العمليات بأسرع ما يمكن واستدعاء جرّاح الأوعية الدموية للمشاركة
في العملية فتم نقل المريض للعناية المركزة برهة من الزمن ريثما يتم تجهيز أكبر قدر من وحدات الدم استعداداً لفتح البطن والذي يلزم منه ما لايقل عن أربعة أكياس دم متصلة بالمريض خوفاً من هبوط ضغطه بعد فتح منطقة النزيف مباشرة ..
وفي أثناء تجهيز الدم تم توجيه أمر أخذ إقرار العائلة على الموافقة على العملية لي فذهبتُ أجرّ خطاي متثاقلاً ماذا عساي أن أقول لهم؟ هل أطلب منهم التوقيع على إحتمالية وفاة ابنهم أو على الأقل فقدان أحد أطرافه السفلية؟ كانت لحظات ثقيلة استعنتُ فيها بالله وذهبت ..
وعندما وقفتُ أمام أخيه شرحتُ له الوضع الطبي بالتفصيل وأنه لابد من العملية لإنقاذ حياته ومن مخاطرها المحتملة الوفاة! نظر إلي مشدوهاً ثم أخذت دموعه تتساقط على خدّيه ودموعي تتساقط على قلبي ولابد في هذه المواقف أن يقف الطبيب بتجلّد وصبر ويكون هو بعد الله الأمل لأهل المريض
وقد وفّقني الله لكلمة لعلها خففت عنهم قليلاً حيث قلت: لو كان أخوي هو اللي على السرير لأخذته بنفسي على العمليات وأخوك تراه حسبة أخوي .. عندها تمالك نفسه وقام بشكري والتوقيع وأخذ يوصيني وأنا أحلفُ أيماناً مغلّظة بأننا سنفعل قصارى جهدنا لإنقاذه ..
بعد أن أخذت الموافقة رجعت للمريض فوجدتُ أن الدم لم يتحضّر بعد وكان شرط طبيب التخدير ألّا يُحوّل المريض إلى العمليات قبل إحضار الدم فذهبت مسرعاً للبنك -ولا أعلم هذه المرة هي الثامنة أو التاسعة ولكنها قطعاً كانت فوق العاشرة والمسافة بعيدة يقطعها الراكض في دقائق- فشعرتُ بتعبٍ في
الطريق ولكن عندما تذكرت دموع أخيه اقشعرّ بدني وتذكرت عِظم المسؤولية وتحاملتُ على نفسي فأكملتُ وأحضرتُ الدم ..
فلمّا وصلت للمريض وحوله الجراحين وأطباء العناية والتخدير وطواقم التمريض وأخبرتهم بتوفّر الدم أخذنا بدفع المريض بسرعة إلى العمليات بشكلٍ مهيب كنت أراه في بعض المسلسلات الطبية ولا أصدقه فالسرير يمشي وحوله الفريق المشكّل من خليط الجراحين وأطباء العناية والتخدير والممرضين
منهم من يحمل أكياس الدم ومنهم من يحمل قنّينات الأدوية ومحاليل التغذية والجميع يركض وكأنما يحاول إنقاذ أعز الناس إليه.
وصلنا لطاولة العمليات وقمنا بوضع المريض عليها وكان الجراح قد تعقّم بسرعة فأخذ في تعقيم جسد المريض ثم فتح البطن بشكلٍ سريع وابتدأت عندها مرحلة أخرى من الصراع مع
عدوّنا اللدود وهو “الموت”.
كانت الساعة وقتها تشير لما بعد الخامسة عصراً .. ما يعني أننا قضينا قرابة خمس ساعات في محاولة الرجوع بحالة المريض للإستقرار وذاك لتجهيزه للعمليات.
كان هناك أربعة جراحين في وسط العملية أحدهم متخصص في الأوعية الدموية وأما أنا فخامسهم كانت وظيفتي الدعم اللوجستي من الخلف :) بإحضار المتطلبات الجراحيّة داخل العملية، كذلك شارك معنا طبيب العناية المركزة -والذي قد انتهت ساعات عمله- ولكنّه شارك حتى تم إرجاع المريض
للعناية المركزة بعد انتهاء العملية.
بعد الفتح أخذوا في البحث عن مصدر النزيف واستغرقوا في ذلك عدة ساعات بدون جدوى وذاك لصعوبة المنطقة كما ذكرتُ سابقاً ولكن تم تحديد المنطقة بشكلٍ عام .. بعد مضي ساعتين من العملية اضطر أحد الجراحين للخروج لمباشرة حالة طارئة أخرى فطلب مني الاستشاري
حينها التعقّم والدخول معهم فدخلت على مضض وذلك بسبب التعب الشديد الذي كنتُ أشعر به.
مكثنا على هذا الحال ما يقرب من أكثر من أربع ساعات دون القدرة على إيقاف النزيف فقررنا حينها التعامل مع الحالة بما يُسمى في العرف الطبي: “التحكم في الأضرار” أي بالتقليل منها وذلك بوضع شاش قطني في
البطن وإغلاق البطن عليه بحيث يضغط على مكان النزيف فيمنع من اتساعه ويتم فتح البطن مرة خرى خلال يومين أو ثلاثة علّ الأمور تتضح بعد إستقرار حالة تروية الجسم بالدم .. عندها أخذنا في وضع الشاش ولمّا هممنا بإغلاق البطن إذا بمساعدالجراح من طاقم التمريض يرفض قائلاً: هناك مقص مفقود ? ..
وبطبيعة الحال له الحق في الرفض حتى نتأكد من عدم وجوده داخل أحشاء المريض ونقوم بإحضاره له -وهذا من أشد الاجراءات الاحترازية للحيلولة دون الوقوع في خطأ كارثي مثل هذا- وفي الحقيقة أنا حينها كدتُ أبكي من شدة التعب ? حيث أصبحت رجلاي لا تحملاني والاجراء المتبع في ذلك أن يتم إحضار جهاز
الأشعة المتنقل ويتم تصوير كامل جسد المريض وما حوله للتحقق من عدم وجوده داخله .
وقتها طلبت أن أتراجع قليلاً وأجلس على الكرسي حتى ينتهوا من التصوير فجلست وأنا في كامل تعقيمي الجراحي مشبّكاً بين يدي على صدري لكي لا تلتمس بأي من الأسطح غير المعقمة، ولكن هل تعلمون ما حدث؟
لقد نمتُ على تلك الحال من شدة التعب! ?? -لأني مستيقظ من صلاة الفجر تقريباً والساعة تشير إلى التاسعة مساءً ولم يدخل جوفي أي شيء حتى الماء ولي أكثر من عشر ساعات لم أجد وقتاً حتى للجلوس - استيقظت بعد حوالي خمسٍ وأربعين دقيقة ? وإذا بالفريق قد انتهى من التصوير الاشعاعي وقد وجدوا
المقص واقعاً تحت رأس المريض على الطاولة منذ بداية العملية من شدة الارتباك الذي لحق بنا :) .. حينها أغلقوا البطن فلحقتُ عليهم أثناء إغلاق الجلد وقمت بخياطته. طبعاً على طول وقت العملية وما قبلها تم نقل دم للمريض ما يقرب من ثلاثين وِحْدة وهذه بحد ذاتها خطر على حياته
لأنه تم تغيير دم الجسد أكثر من مرة!
تم نقل المريض بعدها للعناية المركزة وعلاماته مازالت متذبذبة ومكثنا طوال الليل نذهب ونجيء لمتابعة الحالة بشكلٍ دقيق .. ثم في آخر الليل اشتد الأمر وبدأت حالته بالتدهور مما اضطرنا لكتابة فاكس لتحويله إلى أحد المستشفيات الكبرى في منطقتنا
لديهم إمكانيات إيقاف النزيف بإستخدام الأشعة التداخلية.
بزغ نور الصبح ولم يتيسّر نقل المريض وبقيت الحالة كما هي متذبذبة بين الاستقرار والتدهور. ونستعين أثناء ذلك بنقل الدم لتعويض النقص
بعدها بساعات انتهت مناوبتي وقمتُ بتسليم الراية لمن بعدي وخرجتُ من المستشفى متثاقلاً وكنت أتوقّع حينها -من باب الصدق معكم- وفاة المريض .. لأنه مر علي قبل ذلك عدة حالات نزيف في الحوض لم نستطع إنقاذها وأيضاً لضعف نفسي وقلة يقيني بربي الذي جعل هذه الحالة درساً لي لن أنساه ما حييت.
ابتعدتُ عن المستشفى قليلاً ونسيت الحالة لأني كنت مضطراً لأخذ إجازة بعد هذه المناوبة لمدة خمسة أيام.
بعد عودتي جلست مع أخصائي الجراحة الذي كان يشاركنا هذه العملية وبعد تبادل أحاديث مختلفة معه تذكرتُ المريض فسألته عنه وكانت نفسي المتشائمة حينها تظن أنه سيقول: ودّعنا ..
فكانت الإجابة الصادمة!
قال: شوفه زيّ الفل في قسم العناية!! عندها شُدِهت وكررت عليه السؤال مرة أخرى وذكرتُ له أوصاف المريض للتأكيد فقال: إيه هوّ المريض اللي بتتكلم عليه .. فطلبتُ التفاصيل فأخبرني أن الله قدّر له الحياة و تم إدخاله العمليات بعد تلك الليلة بأيام وبعد إزاحة الشاش القطني تمكنوا من العثور
على مصدر النزيف وربطه وأخذت حالته تتحسن تدريجياً حتى أفاق وأدرك ما حوله!
والله لم أصدّق حتى قمت بزيارة المريض قبل مغادرتي المستشفى، فلمّا دخلتُ عليه وتأكدت أنه هو سلّمت عليه ثم خرس لساني وتحدثت دموعي إيماناً مني بقدرة ربي وحزناً على عدم تفاؤلي بتلك القدرة بعد ذلك تجاسرت وتمتمتُ
بدعواتٍ له وخرجت .. وهو لا يعلم من أنا ولماذا زرته لأنه في تلك الحال لم يستطع تحديدنا بالضبط.
مريض يعاني من نزيف الدم في أماكن متعددة من جسده ويتم نقل عشرات الوحدات له وكسور مضاعفة في الحوض وووو إلخ. عدة أسباب تؤدي إلى الموت المحقّق لكن إذا لم يرِد مسبّب الأسباب أن تتحقّق نتائجها فلن يحصل ذلك أبداً {لكل أمةٍ أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون}
حينها علمتُ يقيناً أنك مهما وقعت بين أنياب المنية ولم تحِن ساعتها فلن تنكمش عليك أبداً كما يقول الأتراك: الأجل يحمي الإنسان من الموت ??
وفي إحدى الليالي الرمضانية كنت أصلي في الحرم فقرأ بنا الشيخ المعيقلي في وقت السّحر بصوته النديّ المتهدج قول الله عز وجل {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} فرجوت الله لي ولجميع من شارك أن نكون منهم.
تمت

جاري تحميل الاقتراحات...