فهد.
فهد.

@I0ll

11 تغريدة 125 قراءة Nov 10, 2019
قبل عيد الفطر بأيام، جلسَ محمد سعيد العريان إلى الرافعي -رحمهما الله- في القهوة، وساقهما الحديث إلى بعض شؤون العيد، فقال الرافعي (وكان أصمّاً بسببِ داء أصابه وهو صغير، ونذكر وصف العقاد له إبّان معركتهما بـ”المهذار الأصم!”)، قال: ”لو ارتدّ إلي السمع لن يطربني شيء من النشيد..
ما كانَ يطربني في صدرِ أيامي نشيد الناس في المساجد صبيحة يوم العيد: الله أكبر، الله أكبر! يعج بها المسجد ويضج الناس. ليت شعري هل يسمع الناس هذا التكبير إلا كما يسمعون الكلام؟ الله أكبر! أما إنه لو عقل معناها كل من قالها أو سمع بها لاستقامت الحياة على وجهها ولم يضل أحد”.
وفي صبيحة يوم العيد ذهبَ على عادته إلى المقبرةِ لزيارة أبويه، وقد كان في الرافعي حِرص شديد على ذكرى أبويه؛ فهما معه في كل حديث يتحدث به عن نفسه، وزيارة قبريهما فرض عليه كلما تهيأت له الفرصة؛ وما إيثاره الإقامة في طنطا على ضيقها به وجهلها مقداره إلا ليكون قريباً من قبر أبيه وأمه.
وقد نقلته الوزارة مرة نقلة قريبة، فتمرّد على أمرها وأبى الانتقال وانقطع عن العمل في وظيفته قرابة شهرين حتى ألغت الوزارة هذا النقل، وكانت كل حجته عند الوزارة في إيثار طنطا: أن فيها قبر أبيه وأمه! وقد ماتَ ودفن إلى جانب أبيه وأمه، فلعلّه الآن سعيد بقربهما في جوار الله ولعلّهما به.
وكتبَ -رحمه الله- عن العيد مقالة بعنوان «اجتلاء العيد» [الرِّسالة - العدد ١٣١ - ٦ يناير ١٩٣٦]، فمما قاله فيها عن يوم العيد: ”[هو] يوم السلام والبشر، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسان للإنسان: وأنتم بخير. يوم الثياب الجديدة على الكل إشعارًا لهم بأن الوجه الإنساني جديد في هذا اليوم”.
يُكمل: ”يوم الزينة التي لا يُراد منها إلا إظهار أثرها على النفسِ ليكون الناس جميعاً في يومِ حُب. يوم العيد؛ يوم تعمُّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء والتهنئة مرتفعةً بقوةٍ إلهية فوق منازعات الحياة. ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسان نظرةً تلمح السعادة، وإلى أهله نظرةً تبصر الاعتزاز،
وإلى داره نظرةً تدرك الجمال، وإلى الناسِ نظرة ترى الصداقة. ومن كلِّ هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياةِ والعالم؛ فتبتهج نفسه بالعالم والحياة. وما أسماها نظرة تكشف للإنسان أن الكلّ جماله في الكل!”. الله أكبر. وفي مقالٍ له بعنوان «المعنى السياسي في العيد» يقول:
والمقال في [الرِّسالة - العدد ١٤٠ - ٩ مارس ١٩٣٦]، يقول: ”ما أشد حاجتنا نحن المسلمين إلى أن نفهم أعيادنا فهما جديدًا نتلقاها به ونأخذها من ناحيته فتجيء أياماً سعيدة عاملة، تنبّه فينا أوصافها القوية وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء الآن كالحةً عاطلةً ممسوحةً من المعنى!”.
”ليس العيد إلا إشعار الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأن الأيام تتغيّر؛ وليس العيد للأمة إلا يومًا تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنة الجميع؛ يوم الشعور بالقدرة على تغيير الأيام، لا القدرة على تغيير الثياب.
كأنما العيد هو استراحة الأسلحة يوما في شعبها الحربي! .. وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تتسع روحُ الجوار وتمتدّ حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنةً للجميع، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلِصة المحبة.
وكأنما العيدُ هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها. وليس العيد إلا إظهار الذاتية الجميلة للشعب مهزوزةً من نشاط الحياة؛ ولا ذاتية للأمم الضعيفة؛ ولا نشاط للأمم المستعبدة. فالعيدُ صوت القوة يهتف بالأمة: أخرجي يومَ أفراحك، أخرجي يومًا كأيام النصر!”. وكل عام وأنتم بخير.❤️

جاري تحميل الاقتراحات...