ربما ارادت امريكا أن تقتل عمالقة هم في طريقهم للتفوق ، هواوي الصينية وعلى بابا الصينية للتجارة الالكترونية و بيدو الصينية لمحركات البحث ، جميعها شركات قوية ومحترمة وذات جودة عالية تنافس شركات أمريكية عريقة : ابل ، امازون ، قوقل ..
دعونا نعود الى الوراء قليلا ..
أمريكا منذ ربما اكثر من 20 سنة وهى تعاني من مشكلة كبيرة وهي العجز في الميزان التجاري مع الصين .. بمعنى ان الصادرات الصينية لامريكا اكبر من الواردات الامريكية وهذا يتسبب في تدفق الثروة والدولارات الامريكية الى الصين .. يتبع
أمريكا منذ ربما اكثر من 20 سنة وهى تعاني من مشكلة كبيرة وهي العجز في الميزان التجاري مع الصين .. بمعنى ان الصادرات الصينية لامريكا اكبر من الواردات الامريكية وهذا يتسبب في تدفق الثروة والدولارات الامريكية الى الصين .. يتبع
حاولت أمريكا منذ عهد الرئيس بيل كلينتون ان تحث الصين على زيادة وارداتها من أمريكا حتى يحدث التوازن في الميزان التجاري بين الدولتين ، لكن تقدم الصين في مجال الصناعات الاستهلاكية والصناعات التحويلية جعل من المستحيل ان يحدث هذا التوازن في الميزان التجاري
رضخت أمريكا لسياسة الامر الواقع ، لكنها طلبت من الصين عبر الوفود التجارية ان تزيد من حجم البعثات الدراسية وزيادة المشتريات من السلع المتقدمة كالتكنولوجيا والسيارات والطائرات والاسمدة الزراعية وغير ذلك ، في محاولة لعدم مفاقمة مشكلة العجز التجاري ، واقنعت الصين الولايات المتحدة ..
واقنعت الصين الولايات المتحدة بأن تعمل على حيازة السندات الامريكية مقابل الفرق في الميزان التجاري ، وبذلك أصبحت الصين اكبر مقرض للولايات المتحدة مما ساهم أيضاً في توسع اقتصاد الولايات المتحدة ونموه بشكل سلس بفعل هذا التمويل الضخم ..
بدأت بعد ذلك الولايات المتحدة تضيق ذرعا بتفوق الصين ونمو اقتصادها الكبير الذى كان يصل في بعض السنوات الى 15% وربما اكثر ، في حين ان متوسط نمو الاقتصاد الأمريكي يصل الى حدود 3% ، وهذا بالضرورة سيؤدي بمرور الوقت الى ان تصبح الصين اكبر اقتصاد عالمي وتتفوق على الولايات المتحدة
وبعد هذه الحقيقة المفزعة للمسؤولين الأمريكيين بدأوا يتحدثون في اخر 15 سنة عن ان الصين تتعمد خفض عملتها، وتقدم دعم مباشر لشركاتها حتى تستطيع التفوق على منافسيها العالميين من شركات أمريكية وأوروبية ويابانية، وبدأت أمريكا بالفعل بالضغط على الصين في كل مناسبة لعدم التدخل في سعر الصرف
الصين أكدت عدة مرات انها لا تتدخل في سعر الصرف وانها لاتقدم مساعدات مباشرة للشركات الصينية، ربما تستفيد الشركات الصينية من بيئة الاعمال الجيدة في الصين..
ولأن الرؤساء السابقين للولايات المتحدة انشغلوا اما بالاقتصاد الداخلي او بالحروب فلم يلتفتوا الى العملاق الصينى الذي مازال ينمو
ولأن الرؤساء السابقين للولايات المتحدة انشغلوا اما بالاقتصاد الداخلي او بالحروب فلم يلتفتوا الى العملاق الصينى الذي مازال ينمو
حاول رؤساء سابقين (جورج بوش الابن) تبنى مفهوم الدولار الضعيف لكسر المعادلة الغير متوازنة مع الصين ، لكن هذه المغامرة انتهت بكارثة عظيمة هي الازمة المالية العالمية ، التي قرأها كثيرون بأنها أزمة للرهن العقاري او المشتقات الحديثة المعقدة ، وهذا تحليل سطحي للمشكلة
جاء الرئيس أوباما وحاول انقاذ الاقتصاد الأمريكي بعد الدمار الذى لحق به ، وانهي فترته الرئاسية ووصل للحكم الرئيس ترامب الذى يعتبر رئيساً فوق العادة ، ليس لأنه يبدو احمق ، بل لأه لديه القدرة على اتخاذ قرارات صعبة على كل الأصعدة ، بما فيها الاقتصاد ، ولديه القدرة على التفكير الجنوني
من هذه القرارات الصعبة والأفكار الجنونية ، نقل السفارة الامريكية الى القدس وهو قرار لم يجرؤ عليه اى رئيس امريكي سابق ، وقرار سحب القوات الامريكية من العراق وسوريا وأفغانستان ، وقرار عدم الدخول في اى حروب عسكرية ليست ضرورية لانه يعلم ان الحروب استنزاف للدول ..
كذلك اتخذ قرارات جوهرية وخارج الصندوق وهو ان محاربة داعش والقاعدة يجب ان يتم من خلال دول المنطقة وليس من خلال الجيش الأمريكي واستنزافه وتعريض حياة الأمريكيين للخطر .. اذا أين هو هدف الرئيس المجنون الذى يفكر خارج الصندوق ؟
الهدف الأسمي هو : "أمريكا أولاً " .. بناء الإمبراطورية الامريكية الحقيقية التي يجب الا تخسر في اى مجال من المجالات الحديثة ، ويجب الا تستنزف هذه الإمبراطورية باى شكل من الاشكال ، ويجب ان تحتفظ باسرارها وقوتها وألا تسمح لأحد ان ينافس او يفكر ان ينافس هذه الإمبراطورية
وبناءا عليه فإن الخطر القادم ليس داعش ولا القاعدة ولا الجماعات الإسلامية ، هذا يعتبر تفكير ساذج حسب ترامب ، الخطر القادم هو الصين والتكنولوجيا الرقمية الجديدة والذكاء الاصطناعي ، هنا يكمن التفوق الحقيقي .. ومن هنا تبدأ قصة ترامب الحقيقية والشعبوية ووصوله للحكم ..
وبالتالي فان ترامب حسب هذا التحليل المتواضع لن يكون في حلف العولمة ولا حلف المجمع الصناعي العسكري التقليدي ، وربما لن يكون حتى مع الصهيونية العالمية بمفهومها السياسي البسط .. اذا اين يمكن تصنيف هذا الرئيس ؟
يتبع ..
يتبع ..
ولماذا يجب علينا ان نعرف هذا التصنيف ؟ اليس ذلك من اضاعة الوقت والفلسفة التى لا داعي لها ؟!!
التصنيف هنا مهم للغاية لأنه سيكون مفتاحاُ لفهم تصرفات الرئيس التى تبدو غريبة الاطوار وغير مفهومة وعشوائية .. اذا دعونا ننطلق الى الفقرة التالية في وقت اخر ..
التصنيف هنا مهم للغاية لأنه سيكون مفتاحاُ لفهم تصرفات الرئيس التى تبدو غريبة الاطوار وغير مفهومة وعشوائية .. اذا دعونا ننطلق الى الفقرة التالية في وقت اخر ..
لكن قبل ان اتوقف لارى مداخلاتكم القيمة ، أود أن أوضح أنه ليس بالضرورة ان الخطط المرسومة تنجح ، والدليل ان كثير من الأفكار التي طرحت اثناء فترة الرئيس جورج بوش الابن بما فيها نظرية الدولار الضعيف ، ونظرية الفوضى الخلاقة لم تنجح .. بل ربما كان لها اثار عكسية سيئة للغاية ..
نواصل حديثنا عن الرئيس ترامب والحرب الاقتصادية وصراع الشركات الذى بداناه سابقاً ، لمحاولة فهم مالذى يحدث وتأثيره على الاقتصاد الامريكي والدولي في قراءاة متأنية وشاملة .. وارحب بمداخلاتكم وارائكم القيمة التى تثري الموضوع دون شك ..
توقفنا عند موضوع اين يمكن ان أصنف الرئيس ترامب اذا كنت اعتقد انه ليس من حلف العولمة ، لأنه بوضوح خرج بشكل سافر على مبادي العولمة واساسيات منظمة التجارة العالمية ووضع الحواجز التجارية .. وهو ايضا لايمكن ان يكون في حلف المجمع العسكري الامريكي والدولة العميقة فهو ..
.. فهو سحب قواته العسكرية من العالم ويعتقد ان القوة العسكرية يجب ان تكون للردع وليس للاستخدام ، تماما كما هو فكر الأسلحة النووية ، إضافة الى انه عزل وزير الدفاع واتخذ كثير من القرارات التي يجب ان تتخذ من قبل العسكريين العريقين في البنتاجون ، اذا لا يمكن ان يكون في هذا الحلف
اذا هل هو يمينى متطرف ؟ بالطبع لا فاليمين هو مصطلح سياسي يطلق على الأحزاب السياسية التي تنادي بالاعراف والتقاليد وتدعوا الى القوميات ، وتنبذ المهاجرين ، واليمينيين في معظمهم متمسكين بقوة بمبادئ دينهم ، ويمكن ان يصنفوا حسب التشدد الى يمينيين تقليدين ومتشددين ومتطرفين
والرئيس ترامب (حسب سيرته) بعيد كل البعد عن قضية القيم والأخلاق والتمسك بالدين ، اذا هو ليس يمينينا ولا عولميا ولا يتبع للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي ، حتى الديموقراطية يصعب ان تنسب لتصرفات وسلوكيات الرئيس ، وهو بالضرورة لايؤمن بالدولة الأمريكية العميقة ولا يحترمها ..
هل ترامب رئيس شعبوى ؟ للإجابة على هذا السؤال يجب ان نعرف ماهي الشعبوية .. الشعبوية باختصار هي فلسفة سياسية تستخدم مايعرف ب ( الديماغوجية) أي توجيه الخطاب مباشرة للجماهير واثارة عواطفهم باستخدام خصائص كاريزمية وشخصية وتبسيط وتجويد في الخطاب حتى يصل للشعب
لكن الشعبوية بحد ذاتها ليست هدفاً وانما هي وسيلة لتحقيق اهداف وعقيده سياسية يؤمن بها السياسي .. ولعل من الأمثلة الواضحة في الشعبوية ، جمال عبدالناصر في مصر وهتلر في المانيا ، وعادة مايستخدم الخطاب الشعبوي مصطلحات: القومية وكراهية الأجانب والمهاجرين والحمائية والتأميم
اذا لو نلاحظ الان من خلال طرحنا السابق ان الرئيس ترامب هو تركيبة خاصة ليست تقليدية .. وهذا صحيح لأنه لم يأتي من حزب سياسي، ولم يعمل في السياسة، ولم يعمل في أجهزة الدولة .. اذا السؤال المنطقي كيف وصل ترامب للسلطة في اكبر واقوى بلد في العالم ؟ .. هل يعقل ان الخطاب ..
.. هل يعقل أن الخطاب الديماغوجي الشعبوى وحده استطاع ان يوصل ترامب الى السلطة ؟ !! في حين ان اخرون متمرسون في السياسة لم يصلوا كـ : جون ماكين وجون كيري والسيدة كلينتون وديك تشينى والجور وكولن بأول وأخرون ، على كفاءة عالية ومتمرسون في العمل السياسي أو العسكري ؟!!
الواقع يقول ان صانعي السياسة الأمريكيين ملوا من الرؤساء التقليديين والحلول التقليدية وأرادوا أن يأتوا برئيس من خارج العفن السياسي الأمريكي، يأتوا برئيس يفكر تفكير مختلف (خارج الصندوق) ليعيد لأمريكا هيبتها .. لذلك جاءوا بالرئيس المجدد (ترامب) الرئيس الذى سيستخدم أساليب غير تقليدية
الان نستطيع أن نصنف ترامب التصنيف المناسب بعد هذا الطرح ، ونقول أن ترامب أوليغارشي (سنشرح) يستخدم الديماغوجية الشعبوية لتحقيق اهدافه وحشد الدعم له واقصاء خصومة السياسيين التقليديين .. وهذا مزيج جديد وفريد في عالم السياسة لا اعتقد انه سبق لأحد ان استخدمه في السياسة
هذا النموذج مستوحي بدرجة كبيرة من بيئة المال والأعمال بدرجة اساسية ، وتستخدمه الشركات الكبيرة العائلية الناجحة كتويوتا وفورد .. ويبدو ان صانعي السياسة الامريكيين اصبحوا على قناعة ان الولايات المتحدة يجب ان تدار بعقلية الشركات الاحتكارية لا بعقلية العفن السياسي الامريكي السابق
ماهي الأوليغارشية ؟
عُرفت الأوليغارشية في القاموس السياسي الفرنسي على انها : النظام السياسي الذي تكون فيه معظم القوى في أيدي عدد قليل من الأفراد، كبعض العائلات أو جزء صغير من السكان، وعادة ما يكون مصدر القوة لهذه الفئة هو الثروة أو التقاليد أو القوة العسكرية ..
عُرفت الأوليغارشية في القاموس السياسي الفرنسي على انها : النظام السياسي الذي تكون فيه معظم القوى في أيدي عدد قليل من الأفراد، كبعض العائلات أو جزء صغير من السكان، وعادة ما يكون مصدر القوة لهذه الفئة هو الثروة أو التقاليد أو القوة العسكرية ..
ان أول من اشار الى مفهوم الأوليغارشية هو الفيلسوف الاغريقي " أفلاطون " في كتابه "الجمهورية" وكتابة الآخر " السياسة" ، وذكر فيه ان الاليغارشية (تعترف بالقانون ، لكنها لاتقيم له وزناً ) .. وهذا مايحدث مع الرئيس ترامب فعلا ، بل نستطيع ان نقول انه مفصل عليه تفصيلا ..
لكن الأمر السيء هنا ، هو ماتحدث عنه أرسطو لاحقاً حيث ذكر ان حكم الاقلية الاوليغارشية ينتهي بالاستبداد والظلم والطغيان على الطبقات المحكومة .. يصعب على كثيرين ان يستوعبوا كيف لجمهورية ديموقراطية عريقة ان تتحول الى الاوليغارشية ، وكيف للشعب ان يقبل بذلك ؟
من هنا يأتي دور الديماغوجية الشعبوية التي استخدمها الرئيس ترامب في خطابه لشحذ الهمم لتكون قاعدة صلبة لوصوله للحكم ، أما قضية الاستبداد والظلم والطغيان التي تحدث عنها ارسطو فهي صعبة الحدوث في دولة كالولايات المتحدة لديها عمق قانوني ومؤسساتي يعرف أحيانا باسم الدولة العميقة ..
في الغالب من يستخدم الديماغوجية الشعبوية هم الزعماء الذين جاءوا من طبقات اجتماعية بسيطة يستطيعون فهم احتياجات الشعوب (الرئيس جمال عبدالناصر كمثال) ويضربون على أوتارهم الحساسة ، اما الاوليغارشين فهم في الغالب يعيشون في أبراج عاجية ولا يتنزلون لمخاطبة الشعوب
لكن مانراه هو حقاً مزيج جديد في السياسة وغير مسبوق (على حد علمي القاصر) ، وهو اوليغارشي يستخدم خطاب ديماغوجي شعبوي .. وكما ذكرت سابقا هذا المزيج لا يمكن ان تجده الا في الشركات العائلية الكبرى المسيطرة ..
.. فأصحاب هذه الشركات هم القلة الاوليغارشية المسيطرة التى تدير الشركة، الذين يستخدمون الخطابات الشعبوية التى تشحذ عواطف الطبقة العاملة للحصول على اقصى مايمكن من الانتاجية ، مع بث الحوافز والمبادئ التى تساهم في صنع الولاء المستمر اللازم لاستمرار هيمنة الشركة على الاسواق والمنافسين
هذا نموذج الشركة العائلية الناجحة في تعاملها مع موظفيها .. لكن ماذا عن علاقات هذه الشركة العائلية الناجحة في الإدارة ، مع الأسواق ومع المنافسين ؟.. هذا يشبه بالضبط موقف الولايات المتحدة الآن مع الدول الأخرى .. فهى حتى وإن نجحت داخلياً ، فهل ستنجح خارجيا ؟!!
هنا سننتقل الى محور أخر هام جدا ، هو مقومات نجاح الشركات العائلية الكبرى التي صنعت بيئة جيدة للعمل داخلياً، كيف تنجح في الأسواق ؟ كيف تتعامل مع الموردين ومع العملاء ؟ وكيف تتعامل مع الأنظمة الدولية ؟ وما هي مبادئها وسياساتها التي تخلق ولاء العملاء لتستمر في الريادة ؟!!
سأواصل الموضوع في وقت لاحق .. واترك لكم المجال لاثراء الموضوع بالمشاركات والمداخلات القيمة .. ولا تنسون الاطلاع على موضوع اخر ذو علاقة ، هو : الحرب القادمة اقتصادية لا عسكرية
توقفنا عن الموضوع قبل أسبوعين ، واليوم سنواصل الحديث عن الشركات العائلية وكيف تفرض هيمنتها على الأسواق وهل ترامب يسير على هذه الخطوات الناجحة ام هو مجرد عبث ؟!! ولا انسى ان ارحب بمداخلاتكم ومشاركاتكم القيمة التي تثري الموضوع .. فأهلا وسهلا بكم مجدداً ..
السؤال المهم الذى يواجه اى مُصنع هو : هل اصنع هذه القطعة داخليا ام اشتريها من خارج المنشآة ؟ الاجابة على هذا السؤال تعتمد على تكلفة القطعة ، فاذا كانت تكلفة انتاجها داخليا اقل من الحصول عليها خارجيا فعندها يتم التصنيع داخليا ، واذا كان العكس فيكون القرار هو شراءها من خارج المنشآة
ومن هنا نشأ مفهوم الـ Outsourcing وهو الحصول على الخدمة او السلعة من مصادر خارجية ليست مملوكة للشركة ، لغرض تقليل التكلفة الكلية للمُنتج المُصنع .. وهذه من القواعد الاساسية في العمل التجاري وهى التي أدت الى إيجاد مفهوم (سلاسل التوريد) أو Supply Chain ،ولها قاعدة اقتصادية شهيرة ..
ولها قاعدة اقتصادية شهيرة تسمي الميزة النسبية والميزة المطلقة ، وتُدرس في مناهج الاقتصاد الجزئي للمبتدئين في علم الادارة والاقتصاد .. وعبر الزمن تطورت المفاهيم الانتاجية واصبح لدينا مفهوم (نقل الانتاج ) من دولة الى اخرى ، لتصب في النهاية في خانة تقليل التكلفة وتعظيم الربحية..
الان تخيل معي انك مدير لشركة جنرال موتورز الامريكية الشهيرة التى تصنع السيارات ، ونريد ان نصنع احدى السيارات الصغيرة لاننا نريد ان ننافس بها ونبيع من هذا الصنف مليون سيارة طيلة عمر هذا المنتج المقدرة بـ 15 سنة .. سنحتاج الان ان نبنى هيكل السيارة المعدني من الحديد والصلب
لدينا خيارين ، ان نصنع هذا الهيكل في مصانعنا بالولايات المتحدة أو نصنعه في المكسيك أو الصين .. تكلفة التصنيع في الولايات المتحدة 4000$ ، وفى المكسيك 2500$ ، وفى الصين 2000$ .. لماذا هذا التفاوت في التكلفة من بلد الى اخر ؟ اليس الشركة واحدة والمصنع واحد ؟
نعم صحيح المصنع واحد والشركة واحدة ، لكن أجر الساعة في الولايات المتحدة للعامل الأمريكي هي 20$ وفى المكسيك للعامل المكسيكي 8$ ، وفى الصين للعامل الصينى 5$ .. وتكلفة الطاقة والكهرباء والوقود تختلف من بلد الى اخر ، وبالتالي فان تصنيع الهيكل لهذه السيارة سيختلف تبعا لهذه المعطيات
انتهينا من الهيكل المعدني للسيارة .. ننتقل الان الى ماكينة السيارة والكمبرسور للمكيف والزجاج والمصابيح .. جميع هذه العناصر تصنيعها لدي الغير أوفر بكثير من ان تصنعها الشركة بنفسها .. فالكمبرسور مثلا لو صنعته شركة جنرال موتورز سيكلفها 500$ في حين لو اشترته من اليابان سيكون بـ 300$
اذا يجب على جنرال موتورز أن تتفرغ لتصميم الموديلات الجميلة وتصنعها في مصانعها المنتشرة حول العالم حسب حاجة الأسواق وقربها من العملاء وتحصل على الكثير من الأجزاء بطريقة الـ Outsourcing حسب مبدأ الأقل كلفة وحسب نظرية الميزة النسبية والمطلقة ونظرية الـ Supplay Chain والمفاهيم الاخري
النتيجة النهائية .. انه باستخدام هذه الأفكار الاقتصادية تستطيع الشركات الكبرى تعظيم منافعها وأرباحها والحصول على القيمة المضافة ، واستغلال الايدى العاملة الرخيصة في الدول الفقيرة لصنع الشركات العملاقة العابرة للقارات التي تمتلك المعرفة والخبرة والذكاء التجاري
وهكذا تنتقل ثروات الشعوب دون ان يشعر الجميع من الطبقات الكادحة العاملة الى الشركات العابرة للقارات التي يسيطر عليها أصحاب رؤوس الأموال الضخمة ، وهو نفس مبدأ الاقطاعيات القديمة التي سادت قبل حوالى 300 سنة في أمريكا وأوروبا .. يتبع
فالاقطاع لم يبقى في أمريكا وأوروبا وانما انتقل الى الدول الفقيرة بصورة جديدة وهو صورة الشركات الضخمة العابرة للقارات.. فالمنتج الذى يكلف 200$ في هذه الدول الفقيرة ، يباع الان بـ 1000$ لان من رعاه وتبناه ووضع عليه العلامة التجارية هي شركة امريكية عابرة للقارات يسيطر عليها اقطاعيين
القيمة المضافة وهي 800$ (الفرق بين سعر التكلفة وسعر البيع) انتقلت الى الاقطاعيين الجدد (الشركات العابرة للقارات) ، والشعوب الفقيرة حصلت على اجر يومي لايتجاوز حد الكفاف .. هذه هي النظريات الحديثة التي استفاد منها الاذكياء ومن يملكون المعرفة التي يطلق عليها الـ know-how بالانجليزية
اذا هذا هو ما جاهدت من اجله أمريكا في منظمة التجارة العالمية ، الا وهو إزالة الحواجز التجارية وتسهيل انتقال الأموال والافراد حتى تستفيد منه شركاتها العابرة للقارات التي تتجاوز إيرادات البعض منها إيرادات دولة كبري كالمملكة العربية السعودية
تخيلوا معي هذا التعقيد في التجارة الدولية ، وهذا الفكر (المُرعب) الذى تتبناه الشركات العابرة للقارات الناجحة ، وفكر العولمة Globalization ، كل هذا التعقيد ويأتى شخص كترامب يريد ان يهدمه في غمضه عين ؟!! لم ولن يكن ترامب رجل ادارة أو صناعة حتى يعي مثل هذه الامور الجسام ..
مما لاشك فيه أن شخصية ترامب لو كانت كما ذكرنا انها (أوليغارشية) أو (اقطاعية) كانت يجب ان تفرض عليه أن يفكر بطرق أخرى لا تؤدي الى هدم مفاهيم ومبادئ صُنعت وصيغت وفُصلت لتناسب الهيمنة الاقتصادية الامريكية
لقد أصبحت على يقين تام لايقبل الشك أم مغامرات السيد الرئيس ترامب ستنتهي بكارثة اقتصادية ستؤذى الامريكي نفسه قبل غيره ، لأن قوانين ومعايير العولمة كانت تصب بنسبة 90% لصالح الولايات المتحدة ، وهو اليوم يعمل ضد بلاده دون أن يشعر ..
الصين استطاعت أن تستفيد من قواعد اللعبة التجارية الدولية ، واستفادت من التطور التكنولوجي بشكل مذهل وستستمر في ذلك التطور مهما حاولت أمريكا إيقاف هذه التطور ، لأن الصينين استثمروا في المعرفة وفي الفرد الصينى الذى اصبح اكثر إنتاجية واكثر حباً للعمل ..
حتماً ستخسر الشركات الأمريكية منافستها في الأسواق الدولية لأن تكلفة منتجاتها سترتفع بشكل كبير ، وستكون امام خيارين كلاهما مر .. اما رفع أسعار البيع وهذا سيضعف مبيعاتها تواجدها في الأسواق الدولية ، أو تبقى على أسعارها كما هي وبالتالي تنخفض أرباحها وثروتها ..
أتمنى ان أكون قد اضفت لكم مادة مفيدة من خلال طرح هذا الموضوع ، وسأبقي الموضوع حياً بإضافة أي تطورات جديدة في هذه القضية أو تداعياتها .. سائلا المولى ان يوفقني واياكم لكل خير .. وأرحب بمداخلاتكم ومناقشاتكم في أي وقت ..
رتبها من فضلك
@Rattibha
@Rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...