لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسله للملوك، مزّق كسرى الفرس رسالة النبي فدعا النبي عليه قائلاً مزّق الله ملكه. وقام الغساسنة بقتل رسول النبي. فهنا بدأ العداء بين النبي وبين مملكتي بيزنطة وفارس.
أما من قبل رسالته كالنجاشي ملك الحبشة فلم يقترب المسلمون من أراضيه. والنجاشي أساساً من أهل الحبشة وليس محتلاً لها كما هو الحال في بيزنطة التي يحكمها أجانب فهم قد جاءوا من أوروبا. وكذلك الحال في فارس الذين قدموا من وسط آسيا وسيطروا على البلاد وبلاد الرافدين.
والأندلس كانت تسكنها شعوب عُرفت باسم الشعوب الأيبيرية، وهذه تسمية لاحقةً لأنه لا يعرف على وجه التحديد اسم هذه الشعوب القديمة، ثم استوطن "إيبيريا" الفينيق والينان والقرطاج وقامت بينهم ممالك عرفت باسم الممالك الأيبيرية.
ثم قام الرومان بفرض سيطرتهم على دول كثيرة وورثوا ممالك الفينيق والقرطاج واليونان وغيرهم، بما فيها إسبانيا (وتعود هذه التسمية لأصل فينيقي) ثم دخلت إسبانيا جماعات مهاجرة مثل (السلت).
وبعد احتلال الرومان لإسبانيا، اجتاحت مقاطعة (هسبانيا) الرومانية وهي اسبانيا هجرات قادمة من شمال أوروبا فاستوطنتها مجموعة من الشعوب وهي (الواندال والآلان والسويب) وسيطروا على شبه الجزيرة كاملاً
وقد كانت سيطرة القوط على إسبانيا قبل المسلمين بحوالي ثلاثة قرون. وقد امتدت سيطرة القوط على مناطق في شمال أفريقيا. وقد أصبح المجتمع الإسباني خليطاً من الشعوب التي مرت عليه مثل (الفينيق واليونان والأيبيريين والسلت والقرطاج والرومان والواندال وغيرهم وأخيراً من القوط)
نعود لما حدث من الغساسنة مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما قتلوا رسوله، فلقد انتصر الرومان أيضاً للغساسنة ووقفوا بجانبهم، فأرسل لهم النبي جيشاً بقيادة زيد بن حارثة في غزوة مؤتة.
ثم خرج لهم النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، عندما أراد الرومان والغساسنة الخروج لقتال النبي في المدينة، فسبقهم إلى تبوك ثم انسحبوا ولم تحصل المواجهة، حتى جهّز النبي قبل وفاته جيشاً بقيادة أسامة بن زيد لقتال الروم.
فالروم (بيزنطة) وأحلافهم ومن يقف معهم أصبحوا هدفاً واضحاً للنبي صلى الله عليه وسلم وهم من بدأ العداء. وهم أساساً يحتلون بلداناً يعاني أهلها من ظلمهم. فبعد استقرار الجزيرة العربية في بداية زمن أبي بكر رضي الله عنه بدأت فتوحات المسلمين.
ولم يعترض صحابي واحد على هذه الفتوحات ولم يعترضوا عليها، بل شاركوا فيها. وقد كانت المعارك في اليرموك وأجنادين والقادسية بشكل أساسي مع (الروم والفرس) ولم تكن مع شعوب تلك المناطق.
والمسلمون لم يجتاحوا المدن ولم يخربوها، بل قاتلوا (القوات النظامية للفرس والروم ومن يحالفهم) لذا فمن السهل أن نجد اليوم آثاراً للروم والفرس وغيرهم من الأقوام الأخرى لم يخربها المسلمون.
بل أعطوا أهل البلاد كامل الحرية الدينية بعد فتحها، ولذلك نرى النصارى وأصحاب الديانات الأخرى موجودون في هذه البلاد ولم يجبرهم أحد من الفاتحين على تغيير أديانهم ولا هدموا كنائسهم، لذا فوجودهم لا يزال حتى يومنا هذا.
ونكرر: أن الفاتحين حاربوا القوات النطامية المحتلة ولم يقاتلوا أهل البلاد في الشام والعراق وفارس ومصر. لذلك دخل كثيرٌ من أهل تلك المناطق للإسلام طواعية. ثم أصبحوا هم من عماد جيوش المسلمين الفاتحة للبلاد الأخرى.
لهذا يجب التأكيد على أن المسلمين لا يحاربون إلاّ كيانات معادية، فهي لا تحارب شعوباً، وهذا ما جعل المسلمين الأوائل لا يدخلون أفريقيا، لأن الكيانات السياسية فيها لم تعادي المسلمين رغم أنها بلاد غنية مليئة بالذهب والخير الزراعي، ومملكة الحبشة كان موقفها من رسالة النبي طيبة.
لذا فأنا أُرجع أساس الفتوحات الأولى لرسائل النبي للملوك، فحصل قتال من المسلمين الأوائل مع بيزنطة وفارس أو من يقف معهم من أحلافهم.
فملك الحبشة، سمح للمسلمين بالعيش في بلاده، وسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، وهذا ما لم يكن لكفار قريش أو الروم أو بيزنطة أن يسمحوا به، فلذا كان قتالهم واجباً. ولو لم يعادوا المسلمين ولو سمحوا لهم بممارسة شعائرهم لما قاتلهم النبي ولا الخلفاء الراشدين من بعده.
البعض يعترض على الفتح الإسلامي آنذاك لأنه يقيس ذلك الزمن بهذا، ولا مقارنة بينهم. من حيث حرية ممارسة الشعائر وغيرها من الأمور.
بدأ المسلمون بفتح شمال أفريقيا وقتال الروم فيها، وحصل التحالف بين البربر والروم لقتال المسلمين فأصبح البربر هدفاً للمسلمين، وفي قتال المسلمين بالبربر تفصيل طويل.
ولنعلم جيداً هذه النقطة قبل أن يتحدث أحد عن هجوم المسلمين على القوط في إسبانيا:
دخل القوط في صراع مع المسلمين عندما عبر القوط من الأندلس وجاءوا لقتال المسلمين في شمال أفريقيا نصرةً للروم.
دخل القوط في صراع مع المسلمين عندما عبر القوط من الأندلس وجاءوا لقتال المسلمين في شمال أفريقيا نصرةً للروم.
حيث أرسل القوط قوة إلى قرطاجنة في تونس، لقتال المسلمين نصرةً للروم، علما بأن القوط أساساً يحتلون مناطق استراتيجية مثل سبتة في المغرب.
ومن المهم جداً الإشارة إلى أن المسلمين لو لم يقوموا بالقضاء على الروم وغيرهم لبادرهم الروم أساساً بالقتال، فهم أساساً من جهز جيشاً لقتال النبي في المدينة فخرج لهم النبي في تبوك قبل أن يخرجوا إليه.
فلذلك يجب التخلص من خطر الروم على أي حال وكذلك من كل قوة تنصرهم أو تحالفهم كالقوط في إسبانيا الذين بادروا المسلمين بالقتال والعداء.
فانتصر المسلمون في قرطاجنة على الروم والقوط بقيادة حسان بن النعمان، ليستمر زحف المسلمين على بلاد الروم وكذلك القوط الذين بدأوا بتشكيل خطر على المسلمين بعد هجومهم.
بدأ والي أفريقيا موسى بن نصير بعد زمن بقتال القوط في ديارهم خصوصاً جزر البليار (مايوركا ومينوركا وإبيزا) لما تشكله من خطر على بلاد المسلمين ولأن القوط قد أصبحوا هدفاً.
فأرسل قوة بقيادة ابنه عبد الله بعد أن أنشأ داراً للسفن وأنشأ أسطولاً بحرياً فغزا جزر البليار (ميورقة ومنورقة واليابسة) لكنها لم تفتح فتحتً مستقراً.
ثم قامت حملات أخرى على الجزر التابعة للروم في صقلية وسردانبة. وقد افتتح طنجة وعين عليها طارق بن زياد. ولم يبق سوى سبتة بيد القوط ويحكمها الحاكم القوطي (يوليان)
وبعد توحيد المسلمين لشمال أفريقيا وتعيين القائد التابعي موسى بن نصير على ولاية أفريقيا وضع الأندلس نصب عينيه، فجهز جيشاً بقيادة طارق بن زياد وهو من "البربر" وهنا إشارك مهمة بهذا الخصوص.
أليس طارق بن زياد من قوم أسلموا حديثاً! وهم البربر! كيف أصبح البربر قوة للمسلمين في زمن قصير! بالأمس كانوا يُحاربون واليوم هم من يحاب. مع المسلمين ويتولى القيادة أيضاً.
لنعلم جيداً أن عدد المسلمين الفاتحين الدين خرجوا من الجزيرة العربية قليل جداً بالنسبة بمساحة البلاد المفتوحة. فالمسلمين لم يكن به التوسع في الفتوحات دون أن يُسلم أهل البلاد المفتوحة وأن يكونوا هم القوة الأكثر عدداً في الجيوش الإسلامية، بل وأصبحوا قادة وولاة.
فمن أسلم من أهل الشام والعراق بعد الفتوحات ساهموا في فتح مصر، ومن أسلم من أهل مصر ساهم في فتوحات شمال أفريقيا ومن أسلم في فتوحات شمال أفريقيا ساهم في فتح الأندلس، ومن أسلم من أهل الأندلس ساهم في فتوحات فرنسا.
كان الوضع في إسبانيا والتي عُفت قبل دخول المسلمين باسم الأندلس نسبة لشعب الواندال الذي حكمها مشتت خصوصاً مع انفلاب الملك "لذريق" على الملك "وتيزا" وسيطرته على الحكم.
كذلك ما كان يسود البلاد من ضغط على السكان سواء أهل البلد القدماء واليهود الذين تم إجبار عدد كبير منهم بالتنصر، وكذلك مع تفرد القوط بحكم البلد وأخذ الإقطاعات وسيطرتهم على البلد لتقوم الطبقية فيها بين القوط القادمين من شمال أوروبا وبين سكان إسبانيا
فالانقلاب والنزاع الذين حصل على الملك وتيزا فكك الللد بشكل أكبر، فقد قام أبناء الملك وتيزا بطلب المساعدة من والي القوط في سبتة "يوليان" لنصرتهم على لذريق. وتقول الروايات أن يوليان أيضاً قد اغتصبت ابنته من قبل لذريق. فأصبح لدى يوليان سببين للتخلص من لذريق
السبب الأول طلب النصرة من أبناء وتيزا له والملك وتيزا هو من أقارب يوليان كما ذكر ذلك الملك ألفونسو العاشر ملك إسبانيا. والسبب الثاني ما حلّ بابنته.
فهنا قرّر يوليان الاستعانة بالمسلمي. حيث أن موسى بن نصير قد طرد الرومان تماماً من شمال أفريقيا ولم يبق سوى سبتة تحت سيطرة القوط. وقد كان موسى قد سيطر على طنجة وولّى عليها طارق بن زياد، لكن المضيق وسبتة لا تزالان تحت سيطرة القوط، ولم يستطع المسلمون فتحها.
فتفاجأ موسى بن نصير برسالة من الكونت يوليان القوطي يعرض عليه تسليم سبتة ويعرض عليه أيضاً فتح الأندلس ومساعدته في العبور لها وتمهيد الوضع له فيها.
وقد كان هدف يوليان أن يتخلص تماماً من لذريق والانتقام منه، ويُرجح أن يوليان كان يعتقد بأن هدف المسلمين هو كسب الغنائم وأنهم سيعودون بعد قضائهم على لذريق ممت سيسهل عليه أن يسيطر هو أو أبناء وتيزا على البلد. معتقداً أن هدف المسلمين مادي بحت.
وهذا الفرق بين الغزو والفتح، فالمسلمون هدفهم هو الفتح. فالفرق بين الفتح والاحتلال تحددها الدوافع والنتائج. فدوافع المسلمين لا تنحصر فقط بالمكتسبات المادية، بل هي أيضاً لنشر الرسالة الإسلامية وإقامة الدولة والعدل. وقد ظهر هذا جلياً بحضارة المسلمين في الأندلس.
فلم تكن حضارة المسلمين معمارية فحسب، بل ظهرت في شتى الجوانب العلمية والحضارية وغيرها. فقد كانوا أصحاب حضارة لا احتلال.
أرسل موسى بن مصير للخليفة الوليد بن عبد الملك بما دار بينه وبين يوليان، فطلب منه الوليد أن يختبر الأمر بإرسال سرايا، وأن لا يعبر بجيش المسلمين دون الاستطلاع أولاً.
فأرسل موسى بن نصير سرية قوامها ٥٠٠ مقاتل بقيادة رجل من البربر وهو طريف بن مالك، فعبر بسفن جهزها لهم يوليان القوطي حاكم سبتة. وكان ذلك سنة ٩١هـ في شهر رمضان.
عبر طارق بن زياد بسبعة آلالاف مقاتل في شهر رجب سنة ٩١هـ، ثم طلب مدداً من موسى بن نصير فأرسل له خمسة آلاف، ليصبح المجموع اثنا عشر ألفاً. بالإضافة إلى قوات من القوط مع جيش طارق.
وهنا سأتوقف عند كلمة "عبر" البحر. فهل عبور البحر هو سهل لتلك الدرجة. إن عبور البحر ب ٧٠٠٠ مقاتل ليس بالسهل، فعبور الجيش لا يعني ركوب سفينة ثم العبور في ساعات.
فالعبور يحتاج لتمويل مالي كبير، والجيش يحتاج لنقل سلاح وعتاد ومؤنة، ودواب وخيول بالإضافة إلى احتياجات الدواب. فكم سفينة سيحتاج الجيش من ٧٠٠٠، إذا كانت كب سفينة ستنقل هذه الأعداد من الرجال والدواب والاحتياجات.
ومن ثمّ جيش آخر ب ٥٠٠٠ مقاتل، فلو قلنا أن كل سفينة ستنقل ١٠٠ شخص من الجيش الأول والذي قوامه ٧٠٠٠ بكل احتياجاتهم فنحن سنتحدث عن ٧٠ سفينة. فهذا عدد كبير من السفن لم يمتلكه المسلمون.
فنحن نتحدث عن أن السفن ستنقل الجيش على دفعات، وهذا الأمر يستدعي أن يكتمل الجيش خلال أيام طويلة. ثم تقوم السفن بنقل ٥٠٠٠ مثاتل إضافي، ثم تنقل جيش موسى بن نصير الذي سيلحق بهم لاحقاً.
فالجيش الإسلامي الذي فتح الأندلس بلغ عدده ٣٠ ألفاً وقد استشهد منهم عدد. فهل يُعقل أن يستطيع هذا العدد القليل مقارنة ببلد كبير عدد سكانه كثير، أن يسيطر على البلد بهذه السهولة دون مساعدة سكان البلدأنفسهم!!.
إسبانيا اليوم مقسمة إلى ٥٠ محافظة. والبرتغال ١٨ فالمجموع ٦٨، وكل محافظة تحتوي على مدن وقرى. فلو افترضنا أن جيش المسلمين ال ٣٠ ألف تم تقسيمه بين ٦٨ محافظة بافتراض أنه لم يُستشهد منهم أحد.
فبهذا يصبح في كل محافظة قوة عددها ٤٤٠ شخص موزعين على المدن والقرى في المحافظات، فهذا عدد قليل للسيطرة، ويستطيع الأهالي الانتفاض على المسلمين بكل سهولة.
لكن ما حصل يثبت أن أهل البلد سالموا المسلمين ودخلوا في الإسلام طواعيةً وأصبحوا هم القوة الكبرى عدداً ليظهر جيل من المسلمين من الإسبان عُرفوا باسم (المسالمة) ثم تحول اسمهم إلى (المولدين)
وقد كان الفاتحون من العرب والبربر وأصبحت التركيبة السكانية من العرب والبربر والمولدين وكذلك المستعربة (وهم الإسبان الذين حافظوا على دينهم وعاشوا بين المسلمين وتعلموا العربية).
وقد ظهر من هؤلاء الإسبان الذين أسلموا وأصبح عددهم كبير جداً من علماء وفقهاء وقادة وغيرهم. واستطاع المسلمون من الفاتحين ومن أسلم معهم بالتوغل في أوروبا حتى كانت معركة بلاط الشهداء.
الفكرة: أنه لم يكن للمسلمين أن يوطدوا تواجدهم في الأندلس بدون أن يدخل أهل البلد من الإسبان الإسلام. وانصهر كثير من العرب والبربر مع الإسبان.
@DrAlotibi المولدين هم الإسبان أو أن يكون أحد والديه من الإسبان.
أصبحت الشريحة الكبرى من المسلمين في الأندلس هي من الإسبان الداخلين في الإسلام، وعند سقوط غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس "فقد تم بذلك طرد أهل البلد القدماء الذين دخلوا الإسلام"
وللأسف يعتقد البعض أن من تم طردهم هم أحفاد الفاتحين من العرب والبربر فقط، بل إن غالبية المطرودين من الأندلس هم من الإسبان المسلمين وهم من عرفوا بمسمى "الموريسكيين".
جاري تحميل الاقتراحات...