لكلِّ بيئة ظروفها التي تُحددُ الأهم فالمُهم، في البيئة القمعية، عقلاً الأولوية دائمًا للحرية والحقوق، لرفعِ الظلم والانتهاك، كُلُّ مادة تُقدم دون موقفٍ لقضية انسانية لا يمكن اعتبارها فنًّا أو أدبًا، لأنه يتطلب أن تكون انسانًا قبل أن تكون فنانًا أو أديبًا أو أي شيء آخر.
لا يمكن قفز المراحل، الأديب والكتاب والفنان وأي مُقدم مادة ومحتوى، طالما لا يقف في صفِّ قضية الواقع والانسان فهو مجرد كائن فارغ، مهما كان أدبه وفنّه مذهلاً ورصينًا، لم يأت الناس لتذوق الفن والأدب كغاية وجودية وهو خالٍ مما ينتصر لهم!
ما معنى تقديم مادة فنية وأدبية دون حسٍّ انساني، وبلا موقف حيال آلاف القضايا والانتهاك والظلم، ما قيمة النصوص والقصائد والكتابة والغناء وهي مجرد صفقات تجارية تمتصُّ أعمار البسطاء والمنكوبين!
ظرف القهرِ والقمع أفرز أدب التنصل عن المعنى وفن الانتهازية، يخرج لك روائي منفصل عن الواقع يعتبر دوره مجرد قاصّ وحكواتي، يأتي إليك ممثل يرى التمثيل كتهريج وتصفيق لا أكثر، وهكذا تم سلخ المعنى من المحتوى ومن الموقف الانساني!
لذلك مُحالٌ أن يكون هناك أديب حقيقي، فنان حقيقي، أي مُقدم محتوى حقيقي، دون أن يمتلك ذاته ورأيه المُستقل، لأنه قبل أن تكون كاتبًا أو فنانًا يجب أن تكون انسانًا قبل ذلك.
وكلما بلغ الفرد حسًّا انسانيًا أعلى كان أكثر قدرة في تقديم محتوى وأداء فنّي أدبي عالٍ جدًا، المستوى الفكري للفنان والكاتب والمُطرب وغيرهم يؤثر على اختيارهم للنصِّ، تقمّصهم للدور، تأديتهم للفن نفسه، هناك ارتباط وثيق بين الحسِّ والتقديم.
الدور الأول للفن والأدب وكلُّ تعابير الانسان الجمالية والفنية هو اتخاذ موقف انساني، وإلّا ما قيمة الأداء والمحتوى واللغة والدقة، لم يأت الانسان ليُضطهد ويستمتع بأغنية، الوجود لا يُعنى بهذا الهراء.
النُخبة "المُثقفة"، بكلِّ ندواتها ولقاءاتها، بكلِّ نتاجها وأعمالها، بكلِّ محافلها ومقالاتها اليومية، بكلِّ هذا الإزعاج الأدبي والنقدي، طالما لا ينتصر للانسان، فلا قيمة له.
لا أعرف ما جدوى الأدب من زاوية فنية وبلاغية وجمالية فقط، ما قيمة النصّ المكتوب للإلتفاف نحو الصياغة والصور البديعة، ما قيمة اللغة بينما لا قيمة للانسان في ذات النص!
لا يمكن أن يكون هدف الأديب ومعنى الأدب في بقعتين وظرفين مختلفين واحدًا، أدب ما بعد الحداثة لمن بلغوا الحداثة، وليس لمن لم يبلغوا حتى البدائية!
ما الفائدة التي يجنيها منكوبٌ في بقعةٍ شحيحة الماء من قصيدةٍ بديعة في الغزل؟ ما قيمة الثقافة ذات الوزن الثقيل المُلمة بأسماء الأدباء وكُتبهم وهي خالية من أدنى حسٍّ لمواجهة الظلم والاضطهاد!
البيئة القمعية أفرزت كُتاب المعنى الفارغ ونُقاد المحتوى للاستعراض الثقافي، والمحصلة ثقافة جوفاء بعيدة عن معاناة الانسان، ثقافة خائفة حتى من التلميح بموقفٍ انساني واحد رغم آلاف القضايا بينما هي مستعدة لنبشِ أدق تفاصيل الصور الفنية والتشبيهات البلاغية!
قبل أن تكون فنّانًا، كاتِبًا، أديبًا، ناقدًا، قبل أن تكون أي شيء في أيِّ مجال، سيما المجالات ذات التعبير عن الإحساس والجمال والتأمّل، تحتاج أن تكون انسانًا نقيًا، انسانًا يحملُ همّ الانسان لذاته دون انتماءاته وتوجهاته، لأنهُ لا قيمة للنتاجِ دون معنىً حقيقي للموقف الانساني.
لا يمكن لانسانٍ يُقدرُ قيمة ذاته أن يضع نفسه في خانةِ المُعجبين بأيٍّ مُبدعٍ أو فنان أو أديب، أو أيِّ أحدٍ كان، وهو لا يصطف مع الانسان في قضيته، لا معنى لأيِّ شيءٍ رائع وجميل حين يخلو من شعورِ المؤازرة للانسان، ولو ضمنيًا!
أيُّ نِتاج، أدبي، فكري، فنّي، وفي أيِّ مجال، طالما لا يقف إلى جانب الانسانِ في واقعه وظروفه وقضاياه، فهو نِتاج من هُراء، بلا معنى ولا قيمة ولا جمال.
النُخب المثقفة في المجتمعات المقهورة حين اصطدمت بالقوى والمؤثرات ابتكرت مسببات أخرى للأدب والكتابة، يقولون لك الأدب صور جمالية وبلاغية غير معني بالانسان وحقوقه وكرامته، أدب قليل أدب.
تغريدة تختصر ما ورد أعلاه حول الأدب الفارغ والفن عديم المعنى والكتابة الخاوية والثقافة المعنية بالصور والشكل دون قضية ولا موقف انساني حقيقي. شكرًا ليلى.
الأدب والثقافة والكتابة والتمثيل والفنون عمومًا في هذه المجتمعات، غالباً، هي مجرد غايات لا تخرج عن نطاق الفن والمنفعة المادية، لا تُعنى بالانسان وقضاياه، لا رسالة ولا انسانية ولا أي شيء مما يُدعى.
الكُتاب والأدباء والممثلون والمطربون وكلُّ أصحاب هذه التعابير الفنية والأدبية، ما جدوى ما يُقدمون بحرفية وبلاغة دون موقف انساني حقيقي، ما قيمة المحتوى والأداء والروعة وهي لا تنتصر للانسان!
تجد الفنان أو الكاتب والكوميدي في المجتمعات الأخرى القائمة على ركيزة الانسان، تجد له صوت ورأي، له موقف كانسان مستقل الكيان، لا يقدم محتوى كاستغلال للشهرة، لا يهتم لفكرة خسارة الجمهور.
آلاف القضايا الانسانية التي تحتاج لو نصف جملة أو شطر بيت أو حتى شبه موقف، والنُخب "المثقفة" منشغلة في الندوات الباردة المقامة للتبجيل "الشللي" والنقد الفني والبلاغي، وكأنهم فرغوا من كلَّ الأولويات ولم يتبق سوى إصلاح الرؤى الفنية.
هنالك فارق هائل بين المعرفة والتظاهر بها، فارق يتجلى في اتخاذ المواقف والانتماءات أمام عوز الإنسان وقضاياه، ما جدوى قراءة مئات الكتب الثقيلة فِكرًا لمجرد التداول والتباهي!
جاري تحميل الاقتراحات...